بات الحديث عن إصلاحات اقتصادية ينصح بها صندوق النقد الدولي في أي دولة في المنطقة، مبعث قلق لدى الشعوب والحكومات على حدٍّ سواء، إذ إن نصائح الصندوق التي تكون بمثابة تعليمات نافذة في أكثر الأحيان، يكون تأثيرها كارثيًّا على بعض الدول، والحالة الاقتصادية التي تمر بها الدول العربية التي تبنت برامج إصلاحية اعتمادًا على تعليمات الصندوق خير دليل على ذلك، من وجهة نظر العديد من المراقبين، بالأخص اليساريين منهم.

وأصبحت سلطنة عُمان قاب قوسين أو أدنى هي الأخرى من الانضمام لضحايا الصندوق في المنطقة العربية، بعد كلٍّ من مصر وتونس والمغرب، وفي أحدث تقاريره عن الحالة الاقتصادية للبلاد، قال النقد الدولي إن عُمان بحاجة لإجراء تعديلات مستدامة في المالية العامة، وتسريع التنويع الاقتصادي، وزيادة دور القطاع الخاص في تحفيز الاقتصاد.

تقرير الصندوق قال إن تحسين بيئة الأعمال، وترشيد الإجراءات التنظيمية، ورفع مستوى المهارات المهنية سيؤدي إلى دعم الجهود المبذولة لزيادة توظيف العمالة في القطاع الخاص، إذ يرى أن الحكومة حددت أهدافًا طموحة ملائمة للمالية العامة في ميزانية 2017، وإذا تحققت ستؤدي إلى تخفيض العجز بمقدار النصف تقريبًا ليصل إلى 12% من إجمالي الناتج المحلي.

وربط الصندوق استمرار التحسن في أوضاع المالية العامة، بالتزام عُمان بتنفيذ الزيادة المقررة في ضريبة دخل الشركات والتطبيق المزمع لضريبة القيمة المضافة والضرائب الانتقائية على السلع، وذلك خلال زيارة قامت بها بعثة الصندوق إلى مسقط على مدار الفترة من 3 إلى 16 مايو (أيار) الجاري، بقيادة آليسون هولاند.

ووفقًا لبيانات النقد الدولي فإن النمو الاقتصادي شهد بعض الانخفاض من 4.2% في 2015 إلى حوالي 3% في 2016، مع تباطؤ النمو غير الهيدروكربوني من 4.2% إلى 3.4%؛ نظرًا لاستمرار تأثير أسعار النفط المنخفضة، إلا أن الصندوق يتوقع بقاء النمو الكلي دون تغيير في 2017، نظرًا لأن تخفيضات الإنتاج النفطي المتفق عليها مع منظمة أوبك ستؤدي إلى تحييد كامل أثر النمو البالغ 2.5% في قطاع غير الهيدروكربونات، الذي يُتوقع تباطؤه بسبب تأثير الضبط المالي المقرر.

الحكومة العمانية، كانت قد نفذت جزءًا كبيرًا من أجندة الصندوق العام الماضي، وذلك من إصلاح أسعار الوقود، لمعالجة أثر انخفاض أسعار النفط على المالية العامة، إذ بدأت عمان في تحرير أسعار الوقود اعتبارًا من يناير (كانون الثاني) 2016، واعتماد آلية للتسعير شهريًّا، وفقًا للأسعار العالمية، وشمل قرار تحرير الأسعار مادتي البنزين (المستخدم كوقود للسيارات) والديزل.

مشاكل تعاني منها سلطنة عُمان

التضخم

من المعلوم أن سياسات خفض الإنفاق الذي يطلبها الصندوق دائمًا يكون أثرها المباشر ارتفاعًا بالتضخم، إذ أظهرت بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات العُماني (حكومي)، ارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلكين (التضخم) في سلطنة عُمان، بنسبة 1.79% خلال أبريل (نيسان) الماضي، مقارنة بالشهر المماثل من العام 2016، وذلك نتيجة لصعود أسعار مجموعات رئيسية، مثل السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 1.6%، والنقل 6.6%.

وقالت البيانات إن أسعار الأثاث والتجهيزات والمعدات المنزلية ارتفعت بنسبة 3%، ومجموعة التعليم بـ 2.85%، والسلع والخدمات المتنوعة 1.5%، بينما ارتفع التضخم على أساس شهري، بواقع 0.25% مقارنة مع مارس (آذار) السابق عليه، وهو ما يوضح مدى تأثير سياسات صندوق النقد التي تتبعها الحكومة، والتي يتضرر منها المواطن وحده.

عجز الموازنة

لا شك أن أكثر ما يعاني منه اقتصاد عُمان هو عجز الموازنة المتفاقم، إذ أظهرت بيانات لوزارة المالية العمانية، نشرت مؤخرًا، أن عجز الميزانية العامة بلغ 5.51 مليار ريال (14.3 مليار دولار) في 2016، مقارنة مع عجز قدره 4.63 مليار ريال في السنة السابقة، وهو ما يمثل قفزة كبيرة في العجز بنسبة تقترب من 200%، إذ قدرت الحكومة في يناير (كانون الثاني) العجز في 2016 عند نحو 5.3 مليارات ريال.

من جانبه، أكد تقرير الصندوق أنه ما يزال هناك تحديات أمام تنفيذ الميزانية، وذلك مع اقتران انخفاض أسعار النفط بارتفاع الإنفاق؛ مما أدى إلى اتساع عجز الميزانية حتى بلغ حوالي 22% من إجمالي الناتج المحلي، إلا أنه أوضح أن السلطات حددت أهدافًا طموحة ملائمة للمالية العامة في ميزانية 2017، وإذا تحققت يمكن أن تخفض العجز بمقدار النصف تقريبًا ليصل إلى 12% من إجمالي الناتج المحلي، ولكن مع أسعار النفط الحالية من الصعب الوصول لهذه النسبة.

وكانت الحكومة العمانية أعلنت موازنة الدولة لعام 2017، وتوقعت فيها عجزًا أقل من السنة الماضية، فوفقًا للموازنة الجديدة، تبلغ النفقات المقررة 11.7 مليار ريال (30.4 مليار دولار)، مقابل إيرادات تقدر بـ8.7 مليارات ريال، أي أن العجز يبلغ ثلاثة مليارات ريال.

النفط

بالرغم من أن عُمان منتج صغير للنفط إلا أن قطاع الطاقة يساهم بنحو 44% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تخطط السلطنة لخفض هذه المساهمة إلى 22% فقط بحلول عام 2020 من خلال استثمار 106 مليارات دولار على مدى 5 سنوات، ولكن مع استمرار هبوط أسعار النفط منذ منتصف 2014 من الصعب تحقيق هذا الهدف، ولكن في حالة انتعاش أسعار النفط ستكون فرص البلاد في الوصول للتنويع الاقتصادي كبيرة.

ويرى البنك الدولي أنه ما يزال انخفاض أسعار النفط يؤثر في الاقتصاد العُماني، إلا أنه يتوقع أن اتفاق خفض إنتاج النفط مع منظمة «أوبك» والمنتجين من الخارج، بالإضافة إلى استمرار الحكومة في التزامها بإجراءات التقشف سيؤدي إلى تحسن ملحوظ.

وكانت سلطنة عُمان قد أعلنت خطة لتنويع مصادر الدخل مدتها خمس سنوات، بهدف خفض الاعتماد على إيرادات النفط بمقدار النصف، إذ تشمل الخطة برنامج وسياسة اقتصادية تركز على تنمية قطاعات حيوية، كالصناعات التحويلية والتعدين والسياحة والنقل والثروة السمكية، فيما تفترض الخطة استقرار متوسط إنتاج السلطنة النفطي عند 990 ألف برميل يوميًّا على مدار خمس سنوات، وهو الأمر الذي يعد عائقًا بين التزام البلاد باتفاق «أوبك» ومع تحقيق أهداف التنوع.

وترى ابتسام الفروجية، مديرة مركز الاتصال وخدمات المستثمرين في المؤسسة العامة للمناطق الصناعية، إن الصناعات التحويلية هي من أكثر ما ستركز عليه السلطنة في تنويع الدخل، إذ إن المؤسسة والحكومة تعطيان المستثمرين حوافز كالإعفاء من ضريبة الدخل وإعفاء المصانع من ضريبة المواد الأولية الداخلة في عمليات الإنتاج، مشيرة إلى أن من أهداف المناطق الصناعية خلق فرص عمل للعمانيين، حيث تشغل حاليًا أربعين ألف موظف من بينهم 37% عمانيون.

حلول الصندوق المعتادة

باتت حلول صندوق النقد للإصلاح الاقتصادية معروفة لدى الجميع فهي نفس السياسات التي طلبها من مصر وتونس، ويسعى لتطبيقها في المغرب، هي تلك الحلول التي لجأت إليها سلطنة عُمان في الوقت الحالي، للتغلب على المشاكل الاقتصادية الحالية وأبرزها:

الخصخصة

تسعى سلطنة عُمان نحو خصخصة بعض الشركات الحكومية، أو التي تمتلك جزءًا من رأسمالها، إذ لديها أكثر من 60 شركة مملوكة للدولة في شتى القطاعات، بينها شركات تحقق أرباحًا وأداء قويًّا، بينما تحوز الحكومة حصصًا في كثير من الشركات المدرجة.

وبقول محمد بن حمد الرمحي وزير النفط والغاز العماني، إن الحكومة (ممثلة في مجلس الشؤون المالية وموارد الطاقة) وجهت بدراسة تخصيص عدد من الشركات الحكومية التابعة لشركة النفط العمانية، وطرحها للاكتتاب العام خلال العام الجاري.

وأكد الوزير أن الدراسة تشمل ثلاث شركات، وهي شركة صلالة للميثانول المملوكة بنسبة 90% لشركة النفط العمانية التابعة للدولة، وشركة أخرى متخصصة في صناعة الألمنيوم بمنطقة صحار، إضافة لشركة أبراج (شركة عمانية عاملة في مجال الحفر والتنقيب)، كما أنه لدى الحكومة أيضًا توجه لتخصيص جزء من الشركات التابعة للشركة العمانية للمصافي والبتروكيماويات «أوربك».

ويرى طه عبد الغني، الخبير والمحلل الاقتصادي، «إن عملية الخصخصة تمثل خطوة جيدة من شأنها جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى السلطنة، وإفادة المستهلكين والمستثمرين معًا، لا سيما في قطاعات مثل الخدمات والصناعة والسياحة»، لكن على كلّ تبقى الخصخصة حلًّا مؤقتًا لا يمكن أن يعود عليه البلاد.

الاستدانة

يطالب صندوق النقد السلطات بمواصلة تعزيز إطارها الحالي لإدارة الدين والأصول بغية التأكد من كفاءة إدارة احتياجات التمويل، وهو ما سيساعد على إجراء مزيد من الإصلاحات في المالية العامة على الحد من تكاليف الاقتراض، وداخليًّا ما يزال النظام المصرفي العماني يتمتع بمستوى جيد من رأس المال، كما زادت الودائع، ويبدو أن ضغوط السيولة قد تراجعت، وما يزال نمو الائتمان المقدم إلى القطاع الخاص مستمرًا، إذ من المرجح أن ترتفع أسعار الفائدة مع زيادة تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة.

يشار إلى أن خيار الاقتراض ربما يكون صعبًا وسط الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها عُمان، إذ خفضت وكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيفات الائتمانية، تصنيفها لسلطنة عمان من «BBB-» إلى «BB+»، مع نظرة مستقبلية «سلبية»، معللة ذلك بتدني الاحتياطيات الخارجية، فيما أوضحت أن الاحتياطيات الخارجية للبلاد انخفضت بما يجعلها «غير كافية» لتقليل المخاطر الناجمة عن قاعدة إيرادات الصادرات غير المستقرة.

ووفقًا لـ«رويترز» فإن سلطنة عمان تتفاوض مع دول خليجية للحصول على وديعة بعدة مليارات من الدولارات في بنكها المركزي لتعزيز احتياطياتها من النقد الأجنبي، وتفادي أي ضغوط على عملتها الريال، وقد زاد إجمالي الاحتياطيات في البنك المركزي العماني من 17.5 مليار دولار إلى 20.3 مليار دولار في عام 2016؛ مما يعد كافيًا وفقًا لعدد من المقاييس.

فرض الضرائب

خفض الإنفاق مع فرض الضرائب، دائمًا ما يكون هو الحل المطروح على مائدة الصندوق، وهو الأمر الذي أكده في تقريره الأخير الذي رهن التحسن في أوضاع المالية العامة على الالتزام بالتوقيت الملائم في تنفيذ الزيادة المقررة في ضريبة دخل الشركات، والتطبيق المزمع لضريبة القيمة المضافة والضرائب الانتقائية على السلع، وهي كذلك إحدى السياسات المفضلة لدى الصندوق فهل تجدي نفعًا مع سلطنة عُمان، أم أن البلاد ستستمر في دوامة اقتصادية مشابه لتلك التي تعيشها الدول التي نفذت تعليمات الصندوق من قبل؟

المصادر

تحميل المزيد