على مدار عامين كاملين، سعت فيهما كُل من الإمارات والسعودية لقيادة حرب مفتوحة ضد الحوثيين في اليمن، كانت عمان هي الواجهة الرئيسية لكافة القوى الدولية والغربية لتمرير تسوية سياسية تُنهي الأزمة كونها الوحيدة التي لا تزال تمتلك قنوات اتصال مفتوحة مع الحوثيين.

أمام المحاولات العمانية للوصول لتسوية سياسية، كانت السعودية والإمارات تقطعان أي سبل للحوار، وتؤكدان على أنهما لن يجلسوا في حوار مع «إرهابيين» في إشارة للحوثيين. لكن بعد مقتل الرئيس اليمنى علي عبد الله صالح، فقدت الدولتان الورقة الأخيرة التي كادت أن تحسم المعركة لصالحهما، وتبدلت الموازين ليصير الحوثيون هم القوة الرئيسة الفاعلة في اليمن، وتُذاع أخبار حول مبادرة عمانية في ظل المتغيرات الجديدة.

يرسم التقرير حدود دور عمان في الأزمة اليمنية بعد انتصارات الحوثيين الأخيرة، ومقتل «صالح»، في ظل الدعم الغربي والأمريكي للحل السياسى، والذي يتطابق مع ما طرحته عمان مرارًا وتكرارًا لن تكون الحرب المفتوحة، وسيكون هناك حل عاجلًا أم آجلًا.

ما وراء انتقال عائلة «صالح» إلى عمان  

نهاية الأسبوع الماضى، أعلنت وكالة الأنباء العمانية أن 22 شخصًا من أفراد عائلة الرئيس اليمني السابق قد وصلوا إلى الأراضي العمانية، بالتنسيق مع الجهات المختصة في صنعاء، والتحقوا بأسرهم المقيمة في السلطنة منذ بداية الأزمة اليمنية، حسبما أشار البيان.

Embed from Getty Images

اجتماع للرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح مع المجموعات الموالية له.

البيان الرسمي الصادر عن الوكالة العمانية ألمح كذلك بشكل غير مُباشر لمساعٍ عمانية في الأزمة اليمنية، في دلالة على تدخل عمان وسيطًا في الأزمة التي استعصت على الحل، وفشلت كافة الخيارات العسكرية لإنهائها لصالح السعودية والإمارات.

لم يكن هذا التدخل الأول لعمان في الأزمة اليمنية؛ إذ سبقها مساعٍ عمانية مدعمة إيرانيًا وغربيًا في 2015، لاستضافة جلسات حوار بين كافة أطراف الأزمة بمسقط، وتوسيع المُشاركة بحضور أطراف دولية وغربية كحال الاتفاق النووى الإيراني الذي كانت عمان فيه وسيطًا كذلك بين الغرب وإيران، واستطاعت عمان، آنذاك، أن تستضيف أول لقاء بين أطراف الأزمة اليمنية في أغسطس (آب) 2015، بعد فشل مؤتمر جنيف.

كما مثلت مسقط البوابة الوحيدة للحوثيين وحليفهم آنذاك علي عبد الله صالح، للتواصل مع  العالم الخارجي، ولقاء الوفود الرسمية الغربية بالعاصمة العمانية، وعلى مدار العام الماضي؛ ظلت عمان ترقب المشهد اليمني عن كثب، ويلتقي وزير خارجيتها بفاعلين من الأزمة اليمنية دون إفصاح عن ذلك، كما انكشف ذلك بعد تسريب صورة لنجل صالح الأوسط «مدين» بجوار الدكتور أبي بكر القربي الأمين العام المساعد لحزب المؤتمر الشعبي العام، ونائف القانص، القيادي في حزب البعث الاشتراكي الموالي للحوثيين في العاصمة العمانية منتصف العام الماضى.

وحظيت عمان بتأييد واسع لهذا الدور بعدما لعبت دورًا هامًا في الإفراج عن الرهائن الأمريكيين الذين احتجزتهم القوات الحوثية في صنعاء، ثلاثة منهم كانوا يعملون في القطاع الخاص، ورابع من أصول يمنية ويحمل الجنسية الأمريكية.

لكن هذه المحاولات السابقة لم ترق لدور الوساطة الفعلية، وحصرت السلطنة العمانية أدوارها في توصيل وجهة نظر الحوثيين للغرب، وتقريب وجهات نظر الطرفين في حدود ضيقة، فضلًا عن إفشال بعض محاولاتها الأولى.

وكان أحد الأسباب الرئيسية لحصار الوساطة العمانية المدعومة دوليًا والمقبولة من جانب إيران وحليفهم الحوثيين كذلك هو التشدد السعودى الإماراتي، بعدما كانت السلطنة الاستثناء الوحيد من بين دول مجلس التعاون الخليجي التي أعلنت عدم مشاركتها في التحالف العربي في 26 مارس (آذار) 2015.

كما أبرزت الصحف السعودية العديد من التقارير التي أشارت إلى تغاضي عمان عن تدفق شحنات الأسلحة المهربة من إيران إلى الحوثيين عبر حدودها؛ حيث جرى تهريب هذه الأسلحة عن طريق الحدود البرية التي تشترك عمان فيها مع محافظة المهرة في أقصى الشرق اليمني.

واحد من هذه التقارير كان مقابلة مع حاكم محافظة مأرب اليمنية، سلطان العرادة، في تصريحات لصحيفة «الحياة» السعودية عن ضبط القوات الحكومية في المدينة شحنة أسلحة مهربة كانت على متن ثلاث شاحنات لوحاتها التعريفية عمانية في طريقها إلى مسلحي جماعة الحوثي في صنعاء.

ويتضح كذلك الرفض السعودى للوساطة العمانية من خلال ما كشفت عنه صحيفة «أنتلجنس أون لاين» عن أن «شعورًا لدى السعودية يتزايد بالقلق من لوبي تهريب أسلحة إيراني يتواجد في عمان ويساعد على تهريب الأسلحة للحوثيين إلى اليمن، من خلال الطرق البرية والبحرية».

وذكرت الصحيفة حينها: «أن عسكريين سعوديين مقربين من وزير الدفاع محمد بن سلمان رفعوا انتقاداتهم للعلن بعد تحركات قالوا إن لوبي تهريب إيراني يتواجد في مسقط».

كما أشارت معلومات الصحيفة أن مطار صلالة، المدينة الرئيسة في محافظة ظفار، والجزر الصغيرة في المنطقة، تشكل طرقًا وأماكن لتخزين العتاد العسكري الإيراني المتجه إلى المتمردين الحوثيين، وتبدو معلومة استخدام إيران الحدود العمانية لتهريب شحنات سلاح لحلفائهم الحوثيين أميل إلى التصديق في نظر البعض، في ظل ما أوردته «رويترز» بشأن نقل أسلحة إيرانية عبر عمان للحوثيين.

لماذا عمان هي الوسيط الأنسب للأزمة اليمنية؟

يقف أكثر من عامل يدفع بوساطة عمان خطوات إلى الأمام؛ فهي الدولة الخليجية الوحيدة التي تحتفظ باتصالات مُباشرة مع الحوثيين، الفاعل الأول في الساحة اليمنية حاليًا، بل وتتجاوز عمان مسألة الاتصالات المباشرة معهم لتحقق نفوذًا عمانيًا كبيرًا على الأطراف الحوثية، تستطيع من خلاله إلزامهم بأي توصية قد تخرج بها مفاوضات بين كافة أطراف الأزمة.

Embed from Getty Images

اجتماع سابق لوزير الخارجية العماني مع عدد من وزراء الخارجية العرب.

وتحقق هذا النفوذ العماني لدى الحوثيين جراء عدم مُشاركة السلطنة في حرب اليمن مع بقية الدول الخليجية، فضلًا عن كونها البلد الخليجي الوحيد الذي ظل منفذًا وحيدًا لهم وباقي الفصائل اليمنية سواء في علاجهم داخل المستشفيات العمانية، أو نقل إمدادت إنسانية لهم من جانب إيران، وتسيير مئات القوافل العمانية من الإمدادات الغذائية إلى محافظات المهرة وحضر موت ومنطقة شرق اليمن المتاخمة للحدود العمانية.

بالتوازي مع اتصالات عمان مع الحوثيين، فهي تتواصل كذلك مع الأطراف اليمنية المحسوبة على الرئيس عبد ربه منصور هادي، وتحاول تقريب وجهات النظر بين الجانبين، عبر اتصالات دائمة بين وزير الشؤون الخارجية بسلطنة عمان يوسف بن علوي عبد الله مع نائب رئيس الوزراء، ووزير الخارجية اليمني عبد الملك المخلافي.

يدعم كذلك الدور العماني عدد من القوى الدولية؛ فعمان باتت واجهة كافة القوى الدولية على اختلاف مواقفها السياسية من أطراف الأزمة اليمنية خلال الشهور الأخيرة، وفي ذلك مؤشر على إدراك الكافة عدم تمرير أي وساطة أو إنجاح لجهود الأزمة اليمنية دون مرورها على عمان.

يظهر هذا الدعم في الاجتماعات السرية والعلنية التي لا تنقطع مع وزير خارجية عمان لبحث الأزمة اليمنية، وكان آخرها مقابلة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ووزير الشؤون الخارجية في سلطنة عمان، يوسف بن علوي بن عبد الله، في نيويورك، في 29 سبتمبر (أيلول) 2017.

ورصد «ساسة  بوست» على مدار الشهرين الأخيرين، اللقاءات التي برزت فيها عمان وسيطًا في الأزمة اليمنية، حيث التقي وزير الخارجية العماني مع وزير الخارجية المصري في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) بمسقط لبحث عدد من القضايا على رأسها الأزمة اليمنية، كما دعا وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون وزير الخارجية العماني إلى جانب نظرائه في السعودية والإمارات بالإضافة إلى نائب وزير الخارجية الأمريكي للشؤون السياسية توماس شانون والمبعوث الدولي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد لاجتماع في العاصمة البريطانية لبحث تداعيات الأزمة اليمنية وذاك في 28 نوفمبر.

ويبدو استدعاء وزراء خارجية السعودية والإمارات باعتبارهم عناصر فاعلة في الأزمة اليمنية من خلال استمرار هجمات التحالف الذي تقوده كلتا الدولتين تجاه اليمن، على خلاف استدعاء عمان وسيطًا موثوقًا فيه من جانب هذه القوى الدولية، التي تتعامل مع عمان باعتباره ضامنًا لأي تسوية مستقبلية داخل اليمن.

وحسب تصريح للمبعوث الأممي لليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الذي التقي وزير الخارجية العماني منذ شهرين، «فسلطنة عُمان جزء من حل الأزمة اليمنية، ولها دور إيجابي من خلال تسهيل الاتصال مع الحوثيين، إلى جانب استضافتها عددًا من الاجتماعات».

وعلى جانب آخر؛ فقد تبدل منظور إدارة ترامب لأدوار عمان من دولة تتشكك في سياساتها إلي حليف فريد تستطيع من خلاله إنجاز تسوية في أزمة اليمن وإنهاء الأزمات الكُبرى بمنطقة الشرق الأوسط، كما كان الحال في ولاية الرئيس السابق «باراك أوباما» إذ تعاون مع الدولة الخليجية لإنجاز التسوية التاريخية مع إيران، وكانت إدارة ترامب تُشكك في نوايا عمان حيال مواقفها المتمايزة عن مواقف أغلب الدول الخليجية، وتقاربها السياسي والاقتصادى مع إيران، فضلًا عن دعمها لنظام بشار الأسد.

حسب تحليل منشور لجورجيو كافيرو، المدير التنفيذي ومؤسس شركة Gulf State Analytics الاستشارية المختصة بالشأن الخليجي، بموقع «المونيتور الأمريكي»: «مع القلق العميق في واشنطن إزاء مستقبل مجلس التعاون الخليجي، يبدو أن البيت الأبيض قد بدأ ولو ببطء بتقدير قيمة عمان حليفًا فريدًا من نوعه يمكن أن يساعد إدارة ترامب على بلورة الوضع في الشرق الأوسط».

هل يخدم مقتل «صالح» دور عمان في الأزمة اليمنية؟

بعد مقتل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، الذي كان طوق النجاة الأخير للتحالف الذى تقوده السعودية والإمارات لحسم المعركة تجاه الحوثيين؛ أشارت تقارير صحافية إلى ارتداد هذا الحادث على إضعاف التحالف في مواجهة الحوثيين الذين اتسع نفوذهم عسكريًا، وباتت سيطرتهم واسعة علي أغلب المدن اليمنية خصوصًا بعد انضواء أعداد كبيرة من قوات صالح إليهم بعد مقتله.

Embed from Getty Images

وليس أدل على إضعاف التحالف السعودى الإماراتي عمومًا بعد مقتل «صالح»، أكثر من التراجع القطري علي المصالحة وفقًا للبنود المُتفق عليها مُسبقًا على خلاف ما أشيع عن التراجع السعودي الإماراتي، بحسب ما نشره رئيس تحرير جريدة «المصري اليوم»، الذي حضر القمة الخليجية الأخيرة بالكويت، وأوضح في مقاله الأسبوعي «أن مقتل صالح غيَّر موازين القوى، وجعل قطر تتراجع كثيرًا في المطالب التي اتفقت عليها مع كُل من السعودية والإمارات».

ونقل رئيس تحرير الجريدة المصري عن مسئول خليجي مُطلع أكد له: «أن لهجة قطر تعدّلت بمقتل صالح، ثم تلاشى الحديث عن «المصالحة»». بينما أشار تحليل منشور بجريدة الإيكونومست البريطانية، في معنى مشابه للمذكور سابقًا: «أن مقتل صالح يمثل إحراجًا للسعودية، خصوصًا لولي العهد محمد بن سلمان، الذي يعاني من فشل متكرر في سياسته الخارجية».

وفي خطاب متلفز بعد مقتل صالح، أكد على هذا المعني زعيم جماعة «أنصار الله» الحوثية، قائلًا «إن اليمن لم يعد الآن تابعًا للسعودية؛ فالجمهورية في المراحل الماضية كانت تابعة للملكية السعودية، والمستقبل حرية واستقلال اليمن».

الحرب التي بدأت قبل عامين، وكلفت السعودية وحليفتها الإماراتية مليارات الدولارات، لم تُحقق ما أعلن عنه سابقًا من أهداف، ومنحت الحوثيين مساحة نفوذ جديد لها، تتحرك من خلالها بوصفها فاعلًا مؤثرًا في الأزمة اليمنية، يُحتم على أي تسوية التواصل معه لاعتبارات تتعلق بنفوذه على الأرض، وكونه القوة الرئيسة على الواقع.

من واقع ذلك؛ يبدو استدعاء عمان وسيطًا سياسيًا، هذه المرة، ربما يجد قبولًا من جانب السعودية والإمارات، بعدما تراجع ثقلهما على أرض الواقع بمقتل صالح، خصوصًا في ظل الضغوط الدولية عليهما بأنه لا سبيل لإنهاء الأزمة اليمنية سوى بالحل السياسي.

المصادر

تحميل المزيد