في التاريخ، عرفنا عمر بن الخطاب، خليفة المسلمين الثاني، وقد كان واحدًا من أكثر الحكام شهرةً بالعدل عبر التاريخ، وصفه معاصروه بالزهد في متاع الدنيا والتقشف. قالوا عنه قبل إسلامه أنه كان أشد الناس عداوةً للإسلام وللنبي محمد، وبعدما أسلم، أصبح أشد الناس إخلاصًا لدينه الجديد، وأكثر الأشخاص تأثيرًا عبر العصور باعتباره صحابيًا وخليفة، هكذا أخبرنا مؤرخو هذا العصر من العرب المسلمين؛ فماذا عن مؤرخي الغرب؟ وهل تناولت كتب التاريخ الغربية شخصية عمر بن الخطاب بالبحث والدراسة؟ في التقرير سنتناول أربعة من أبرز المفكرين الغربيين وكيف تناولوا شخصية الخليفة الثاني.

1- واشنطن إيرفنج: «خليفة العدل والاستقامة»

«إذا تحدثنا عن الشئون الإدارية، نجد أن عمر قد عُرف عنه الاستقامة والعدل، وفي الحياة الخاصة عُرف عنه الزهد في متاع الدنيا الزائفة؛ إذ كان الماء هو مشروبه الوحيد، أما طعامه فكان بعض البلح، أو القليل من الخبز والملح، وفي بعض الأحيان كان الملح بالنسبة إليه أيضًا رفاهية». *واشنطن إيرفنج عن عمر بن الخطاب

يقول واشنطن إيرفنج -وهو مؤرخ وصحافي وكاتب سيرة ذاتية أمريكي- عن عمر بن الخطاب، أنه كان واحدًا من أشد أعداء النبي محمد والمسلمين في بدايات الدعوة الإسلامية، إلا أنه منذ لحظة تحوله إلى الإسلام، قد أصبح واحدًا من أبطاله المخلصين؛ إذ كان له دور هام في أغلب الأحداث الرئيسية التي اتبعت الدعوة الإسلامية، وكان اسمه حاضرًا في أغلب الغزوات مثل حنين وبدر وأحد وخيبر، كما كان مرتبطًا أيضًا بالفتوحات الإسلامية الأولى، وذلك ما أهله ليكون خليفة المسلمين الثاني بعد أبي بكر الصديق.

وصفه إيرفنج بأنه كان رجلًا أسمر طويل القامة، يستخدم يده اليسرى بنفس براعة اليمنى، وفي عهده بنيت المساجد دون عدد لتعليم القرآن ونشر الدعوة الإسلامية بإخلاص، كما أنشئت السجون لمعاقبة الجانحين. وقد نفذ ابن الخطاب عقائد الإسلام باعتباره جنديًا، وفي تلك الأيام الأولى للإسلام امتاز بتواضعه الشديد إلى درجة إنكار الذات، وزهده إلى درجة الفقر، بحسب إيرفنج.

(وثائقي عن عمر بن الخطاب)

كانت أولى تدابيره بعد أن أصبح أميرًا للمؤمنين هو الجيش في سوريا؛ إذ شكك في ملاءمة خالد بن الوليد لقيادة الجيوش الإسلامية، وعلى الرغم من أنه قد شهد له بالشجاعة والمهارة العسكرية، إلا أنه -بحسب إيرفنج- رآه مغامرًا وجريئًا بطريقة مسرفة، ولذلك قرر أن يأخذ منه قيادة الجيوش، ويضعها بين يدي أبي عبيدة، الذي كان في نظر الخليفة الثاني يستحق تلك القيادة نظرًا لتواضعه واعتداله وتقواه، إلا أنه في الوقت ذاته قد جاءت أخبار انتصارات ابن الوليد في دمشق، ونمت شعبيته بين الجنود حتى كانوا يتغنون باسمه، وعلى الرغم من ذلك ظلَّ ابن الخطاب على رأيه؛ إذ رأى أبا عبيدة رحيمًا وشجاعًا في الوقت ذاته، وسيصبح أكثر رحمةً بشعبه ولن يغامر بحياتهم.

كانت نتيجة ذلك أن نُحّي ابن الوليد عن قيادة الجيوش الإسلامية، وانصاع لأمر الخليفة، ووضع نفسه تحت أمرة أبي عبيدة. وفي عهد ابن الخطاب شهد العالم أكبر الفتوحات الإسلامية، وانتشرت رقعة الإسلام، وقد استمرت خلافته 10 سنوات، حتى قُتل غدرًا على يد أحد العبيد الفرس من المجوس، بثلاث طعنات بخنجر أثناء الصلاة عام 644م.

يقول عنه إيرفنج: «إن تاريخ عمر كله يظهر أنه رجل يتمتع بقدرات ذهنية عظيمة، ونزاهة لم يحد عنها يومًا، وعدالة صارمة، لقد كان هو مؤسس إمبراطورية الإسلام، أكثر من أي شخصٍ آخر، لينفذ بذلك رؤية النبي محمد، كما وضح لوائح حكيمة للإدارة الصارمة للبلاد الإسلامية مترامية الأطراف، وقد كان له من البأس ما أظهره بتعامله بحزمٍ مع أبرز قادة الجيش الإسلامي -يقصد ابن الوليد- ممن لهم شعبية كبيرة بين جنودهم، وقد كان ذلك دليلًا على كفاءته الاستثنائية في الحكم».

2- توماس أرنولد: «كان يحسن معاملة رعاياه»

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان. أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أن لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحدًا منهم». *عمر بن الخطاب

يسرد توماس أرنولد، وهو مؤرخ ومدرس لغة إنجليزية من المملكة المتحدة البريطانية، في كتابه «الدعوة إلى الإسلام: بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية» بعض العهود التي أعطاها المسلمون لأهالي المدن التي استولوا عليها؛ إذ تعهدوا إليهم بحماية أرواحهم وممتلكاتهم وأموالهم، وأطلقوا لهم حرية العبادة وممارسة طقوسهم الدينية، وذلك في مقابل دفع الجزية.

ويشير أرنولد إلى أن خليفة المسلمين عمر بن الخطاب قد وضع بعض هذه العهود عندما سُلم إليه بيت المقدس؛ إذ استشهد المؤرخ بخطبة ابن الخطاب التي وردت في تاريخ الطبري، «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان»، وقد فرض عليهم ابن الخطاب خراجًا قدره خمسة دنانير للأثرياء، وأربعة للطبقة الوسطى، أما الفقراء فقد كان خراجهم ثلاثة دنانير.

يقول توماس أرنولد أن ابن الخطاب قد اشتهر بحسن معاملة رعاياه؛ إذ زار الأماكن المقدسة في بيت المقدس مع البطريرك، وقيل أنه بينما كان في كنيسة القيامة وقد حان موعد الصلاة، طلب البطريرك من عمر أن يصلي هناك، بحسب أرنولد، فكر عمر ثم اعتذر قائلًا: «أخشى أن أفعل ذلك»، وذلك خوفًا من أن يظن أتباعه أنه مكان لعبادة المسلمين. ويصف أرنولد روح عمر الطيبة قائلًا أنه أمر أن يعطى القوم المجذومين من أصحاب الديانات الأخرى من الصدقات، كما لم ينسهم حتى في آخر وصاياه؛ إذ عهد فيمن يخلفه من بعده، بقوله: «وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله، أن يوفي لهم بعهدهم، وألا يكلفوا إلا طاقتهم».

التاريخ يكتبه المنتصر.. كيف رأى المغلوبون الفتوحات الإسلامية؟

يشير أرنولد إلى أنه وفي بعض الأجيال المتأخرة، قد نسبت إلى عمر بن الخطاب بعض القيود التي حالت بين المسيحيين وبين إقامة شعائرهم الدينية بحرية، إلا أن المؤرخين دي غويه (De Goeie) وكيتاني (Caetani)، قد أقاما دليلًا على أنه هذه القيود قد استحدثت في عصورٍ متأخرة. ويضيف أن هذه الوثيقة التي نسبت إلى ابن الخطاب قد جاءت في ذكر ابن حزم المتوفى في القرن الخامس الهجري، وجاء فيها: «عدم التشبه بالمسلمين في لباسهم أو كلامهم، وألا يحملوا السيوف أو شيئًا من السلاح، وألا يظهروا الصليب، وعدم ضرب النواقيس في الكنائس إلا ضربًا خفيفًا»، وغير ذلك من الأمور التي ذكرت.

يشير توماس أرنولد أن هذه الأمور كانت أشبه بالعصور المتأخرة التي كانت أشد تعصبًا وأقل تسامحًا مع أصحاب الديانات الأخرى من عصر الفتوح الإسلامية؛ إذ يستشهد بأن المسيحيين في عصر الفتوحات قلما كانوا يشكون مما يضعف قوة دينهم أو يشير إلى عدم التسامح الديني، مُضيفًا أن نظام الجزية التي كانوا يدفعونها قد أعفاهم من أداء الخدمة العسكرية التي كانت مفروضة على غيرهم من الرعايا المسلمين.

3- ويل ديورانت: «كان شديد التمسك بالدين»

«كان شديد التمسك بالدين، يطلب من كل مسلم ألا يحيد قيد شعرة عن الفضيلة». *ويل ديورانت عن عمر بن الخطاب

يروي ويل ديورانت، وهو مؤرخ وفيلسوف وكاتب أمريكي، في كتابه الشهير «قصة الحضارة: عصر الإيمان» عن الخليفة الثاني للمسلمين، قائلًا إن همه الأكبر كان نشر الإسلام سواء بالسلم أو بالحرب، وأنه كان شديد التمسك بالدين، عادلًا؛ إذ يحكى عنه أنه ذات يوم ضرب بدويًا دون حق، ثم ألح عليه أن يكيل له من الضربات قدر ما كال له هو.

وقد كان ابن الخطاب – بحسب ديورانت- حاد الطباع، إلا أن تبعات الزمن قد أنضجت عقله فأصبح مزيجًا غريبًا نادرًا ما بين حدة الطبع والقدرة على الحكم الهادئ والصادق، يهوى خشونة العيش، لم يملك سوى قميص واحد وجلباب واحد مرقع عدة مرات، وكان ينام على سريرٍ من جريد النخل، ويقال أن أحد ولاة الفرس قد جاء إلى عمر بن الخطاب يعرض عليه ولاءه، فوجد فاتح الشرق نائمًا على عتبة جامع المدينة. الكثير من القصص التي جمعها المؤرخ الأمريكي عن أمير المؤمنين، تشيد بصلابته وزهده وعدله، إلا أنه في نهايتها يقول: «لكننا لا نستطيع أن نجزم بصحة هذه القصص أو غيرها».

يتجه ديورانت فيما بعد إلى السبب الذي من شأنه عزل ابن الخطاب خالد بن الوليد عن قيادة الجيوش، فيقول أن الأخير كثيرًا ما لوث شجاعته بقسوته؛ إلا أنه في الوقت ذاته يشيد بتصرف ابن الوليد، إذ جاء رد فعله  مليئًا بالشهامة، فقد وضع نفسه تحت تصرف أبي عبيدة -القائد الجديد للجيوش- دون قيد أو شرط، وقد كان أبي عبيدة حكيمًا؛ فلم يغفل عن استشارة خالد ابن الوليد فيما يخص شؤون الحرب، تمامًا كما عارض قسوته التي اشتهر بها بعد إحراز النصر.

وفي ذكر فتح بيت المقدس، يقول ديورانت أن البطريرك سفرونيوس كان قد وافق على تسليم مفاتيح بيت المقدس، بشرط أن يأتي خليفة المسلمين للتصديق بنفسه على شرط التسليم، ووافق ابن الخطاب على هذا الشرط، وأتى إلى المدينة المقدسة ببساطته المعهودة، ومعه كيس من التمر ووعاء من الماء، وعندما خرج أبي عبيدة وابن الوليد لاستقباله، غضب من ثيابهم الفخمة المهفهفة، وخيولهم المزركشة، ويُقال أنه نهرهم وألقى الحصباء في وجوههم جراء ذلك.
في الوقتِ ذاته، قابل الخليفة البطريرك مقابلة ملؤها اللطف والمجاملة، بحسب ديورانت، ولم يفرض على المغلوبين سوى جزية قليلة، وأمن المسيحيين على كنائسهم، وبعد 10 أيام عاد إلى عاصمته الصغيرة.

هل كانت الغزوات الإسلامية حروبًا استعمارية؟

امتاز ابن الخطاب بالحنكة السياسية والعسكرية، بحسب ديورانت، في إدارة شئون إمبراطوريته؛ إذ نهى الفاتحين عن شراء الأرض وفلحها، وكان يرجو منهم أن يبقوا خارج جزيرة العرب طبقة عسكرية، كما عهد إليهم، تمدهم الدولة بما يكفيهم من المؤن والعتاد، وذلك حتى يحتفظوا بصفاتهم الحربية، إلا أن أوامره قد أغفلت بعد وفاته، وأثناء حياته، كان سخيًا مع الطبقة العسكرية، يخصهم بأربعة أخماس العائدات المالية، ويخصص الخمس الباقي إلى بيت مال المسلمين، وفي عهده أخذ أشراف قريش، بحسب ديورانت، يشيدون القصور الفخمة في مكة والمدينة.

كان عمر ينظر بعين الحسرة إلى مواطنيه الذين أعماهم الترف. وعندما كان الخليفة على فراش الموت، عين ستة من زعماء المسلمين ليختاروا من يخلفه، فاختاروا الشيخ المسن، والخليفة الثالث، عثمان بن عفان.

4- مايكل هارت: «رقم 52 في الشخصيات الأكثر تأثيرًا في التاريخ»

عندما قام الفيزيائي الأمريكي مايكل هارت عام 1978 بنشر كتابه المثير للجدل «The 100»، والذي تناول فيه 100 شخصية من العظماء على مر التاريخ. كان مقياسه هو الشخصيات الأكثر نفوذًا والتي غيرت مصائر البشرية وكان لها تأثير على نهوض حضارات أو سقوطها. يصف هارت سيرتهم الذاتية التي ساهمت في تغيير التاريخ، وحياتهم المهنية وإسهاماتهم، فقد قام بجمع الحقائق حول أعظم القادة الدينيين والسياسيين والمخترعين والكتاب والفلاسفة، وحاول أن يقدم منظورًا جديدًا لكتابة التاريخ.

ومن بين الشخصيات الخالدة التي تحدث عنها، نجد خليفة المسلمين الثاني، عمر بن الخطاب. فلماذا اختار هارت ابن الخطاب، ليكون من بين الخالدين الذين غيروا في مصائر البشرية؟

كان ابن الخطاب يحتل رقم 52 من بين الشخصيات الأكثر تأثيرًا على التاريخ بحسب هارت، وقد قال عنه: «كان عمر ابن الخطاب هو خليفة المسلمين الثاني، وربما هو أعظم الخلفاء المسلمين، وقد كان أصغر من النبي محمد -إلا أن تاريخ ميلاده ليس معروفًا، وولد مثله في مكة».

يرى هارت أن خارطة العالم قد تغيرت في عهد خليفة المسلمين الثاني والتي استغرقت فترة خلافته 10 سنوات؛ إذ قامت الفتوحات الإسلامية الكبرى تحت خلافته، وغزت الجيوش الإسلامية جزءًا كبيرًا من الإمبراطورية البيزنطية، وهي سوريا وفلسطين، ومن ثم انضمت إليهم مصر، ولم تجئ سنة 642 ميلاديًا، حتى كانت أرض العراق كلها تحت السيطرة التامة لجيوش المسلمين.

قام عمر بن الخطاب بعد ذلك بوضع السياسات اللازمة لحكم تلك الإمبراطورية الشاسعة التي غزتها جيوشه، بحسب هارت، كما ألزم الحاميات العسكرية أن تعيش في الثكنات بعيدًا عن المدن، ولذلك كان ابن الخطاب بعد وفاة النبي محمد هو الشخصية التي نشرت الإسلام في بقاع الأرض، ولولا غزواته لما انتشر الإسلام إلى هذه الدرجة في يومنا هذا.

يقول هارت: «قبل أن يصبح عمر بن الخطاب خليفة المسلمين بوقتٍ قصير، دخلت جيوش المسلمين بلاد العراق، والتي كانت جزءًا من الإمبراطورية الساسانية الفارسية، ولكن الفتوحات العربية في عهد عُمر شهدت الانتصار في معرقة القادسية عام 637 م».

يضيف هارت أنه لم تجئ سنة 642 م حتى كانت أرض العراق كلها تحت سيطرة جيوش المسلمين، واستولت فيما بعد على بلاد فارس، وبعد وفاة ابن الخطاب، لم تتوقف غزوات المسلمين واستكملوا مسيرته من بعده حتى أصبحت بلاد فارس كلها وشمال أفريقيا تحت سيطرتهم.

في نهاية الجزء الخاص بعمر بن الخطاب، يشير هارت إلى أن شخصية عُمر ليست معروفة لدى الغرب مثل شخصية شارلمان ويوليوس قيصر، إلا أنه استحق مكانته بين الشخصيات الأكثر نفوذًا في التاريخ، وذلك بسبب الغزوات التي شنتها جيوشه في عهده، وما تركه من أثر غيَّر وجه التاريخ، ليستحق مكانةً أخطر من يوليوس فيصر وشارلمان.

خالد بن الوليد بعيون 4 من أبرز المحللين العسكريين والمؤرخين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد