في عام 1856 أقام البارعون في فنون التجارة والأعمال «ليون أوروزدي» leonOrosdi و«هيرمان باك» Hermann Back أول فرع في مصر من سلسلة محلات البيع بالتجزئة الشهيرة «أوروزدي – باك» Orosdi – Back في شارع «عبد العزيز»، الذي كان جزءًا من عملية تطوير لاحقة قام بها «الخديوي إسماعيل» بهدف تحويل هذه المنطقة إلى تحفة حضارية تضاهي وتنافس أجمل مدن العالم، حتى إنها اشتهرت آنذاك بـ «باريس الشرق». ولم يزال مبنى هذا الفرع موجودًا ـ حتى الآن ـ في نفس المكان.

أما ليون وهيرمان فهما يهوديان، من أصول نمساوية ومجرية، عُرفا بالحِنكة والعبقرية في إدارة أعمالهما؛ كدأب معظم العائلات اليهودية في مصر في هذه الحقبة. توسعت شركة «أوروزدي – باك» توسعًا كبيرًا في مصر، وكانت الخيار الأول للسكان الأوروبيين في مصر، وكذلك للعائلات الأرستقراطية المصرية الثرية، والإقطاعيين: ملاك الأراضي. وكانت الشركة توفر أغلب احتياجات هذه الفئات من «الماركات» الأوروبية ذات الجودة العالية. ولمع نجم الشركة، وأصبحت من أشهر السلاسل التجارية للبيع بالتجزئة في العالم.

تغيير الاسم من «أوروزدي – باك» الى «عمر أفندي»

بيعت الشركة في العام 1920؛ بعد الحرب العالمية الأولى؛ بسبب اضطهاد الإنجليز المحتلين مصر ـ في هذا الوقت ـ لكل ما هو مجري أو نمساوي. وتغير اسمها إلى الاسم الحالي «عمر أفندي» من قِبل ملاكها الجُدد.

أما سبب التسمية بهذا الاسم، الذي أصبح ـ فيما بعد ـ من أشهر العلامات التجارية في الشرق الأوسط، والعالم، فيرجح أنه كان لـ «عمر أرناؤوط» وهو من أصول «ألبانية» كان يعمل في محلات «أوروزدي – باك»؛ حيث كانت مصر تستقبل أعدادًا كبيرة من «الألبان» في هذه الحقبة، وكان يُعرف عنهم أمانتهم وصرامتهم في تنفيذ الأعمال، وبالتالي تبوءوا المواقع التنفيذية، وعمل الكثير منهم «نظَّار عزب» الإقطاعيين في مصر.

وسمي «عمر أرناوؤط» بالأفندي؛ لأنه كان يرتدي ملابس الأفندية آنذاك أي «البدلة والطربوش». كان محبوبًا، ومسوقًا وبائعًا مبدعًا يجذب الزبائن، والذين أطلقوا عليه «عمر أفندي».

وبعد بيع الشركة في 1920، كان ملاكها الجدد لا يقلون دهاءً عن سابقيهم؛ إذ غيروا اسم الشركة إلى «عمر أفندي» من ناحية؛ ليستغلوا العلاقة الوطيدة التي كونها «عمر أفندي» بالزبائن، ويُقال إنه دخل معهم في شراكة بالاسم التجاري، ومن ناحية أخرى تفاديًا للبطش الانجليزي، الذي كان يمقت أي شيء له علاقة بالمجر أو النمسا.

وتوسعت الشركة بشكل أكبر في مصر، وانتشرت فروعها في كل مدينة وبلدة كبيرة في مصر، من شمالها إلى جنوبها، ومن ثم هيمنت على تجارة البيع بالتجزئة، وتميزت منتجاتها بالجودة العالية؛ إذ كانت على أحدث «الموضات» العالمية، وبأسعار معتدلة.


سطوع فأفول .. قصة الانهيار!

حتى هذه اللحظة، كانت السلسلة التجارية الأشهر في الشرق الأوسط في أوج تألقها وتفوقها، ثم حدثت ثورة 1952، واستولى «جمال عبد الناصر» ورجالاته على مقاليد الحكم في مصر. وبدأ فكر العسكريين ينضح على الأمور الاقتصادية في الدولة؛ فقام الرئيس عبد الناصر، ذو التوجه الاشتراكي، بالعديد من عمليات «التأميم» سنة 1957 للمشروعات الخاصة، التي كان يملكها المصريون والأجانب، وكان من بينها «عمر أفندي».

وسرعان ما بدأت هذه الأيقونة الاقتصادية في التدهور والخفوت، منذ هذا الوقت، لتتحول، سنة 1967، إلى شركة مساهمة مصرية، تتبع «الشركة القابضة للتجارة»، والتي تحولت ـ فيما بعد ـ إلى «الشركة القومية للتشييد والتعمير» و«الشركة القابضة للسياحة».

وذلك تماشيًا مع التوجه الاشتراكي السائد آنذاك، والذي يعتنق فكر مركزية الاقتصاد والعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي، من إنتاج كل شيء، «من الإبرة إلى الصاروخ»، ونتيجة لعدم القدرة على تحقيق ذلك، ظهرت السوق السوداء للبضائع الأوروبية، وكان المسافرون العائدون من الخارج يحملون من الهدايا والبضائع الكثير.

نتيجة لهذا التوجه رزحت الأوضاع في البيروقراطية، وعدم الكفاءة والفساد، ولم تكن «عمر أفندي» بمنأى عن هذا المستنقع، الذي انعكس على رداءة البضائع المعروضة في فروعه، وقله الأصناف المنتجة محليًا، وإهمال البنية التحتية، وساد فكر «الموظف» الرتيب، الذي يفتقر لأدنى مهارات البيع والتسويق، على العاملين فيها. ومن ثم تراجعت مبيعات «عمر أفندي» وانخفضت أرباحه.

تبنَّى نظام«حسني مبارك» بعد ذلك سياسة «الخصخصة»؛ لبيع شركات «قطاع الأعمال العام»، التي تجاوزت أكثر من 140 شركة. وعندما تحدث «الخصخصة» في جو مُشبْع بالفساد؛ فحتمًا هي خصخصة مُهدِرة للمال العام بشكلٍ فج.

بدأت أولى محاولات النيل من هذا الكهل الاقتصادي المُنهَك الذي يملك 82 فرعًا و 68 مخزنًا، في أفضل المواقع في مصر، في أواخر عهد حكومة «عاطف عبيد»، في 2004؛ إذ قامت وزارة «قطاع الأعمال العام» التي كان يتولاها آنذاك الدكتور «مختار خطاب»، قامت بطرح فروع «عمر أفندي» للمشاركة الكاملة من قِبل القطاع الخاص؛ ونتج عن هذا الطرح:

فرع الفيوم آل لصالح شركة «النساجون الشرقيون»

فرع الجامعة العمالية آل لصالح شركة «الخزف والصيني»

فرع 26 يوليو آل لصالح «المركز المصري للهندسة والتجارة»

فرع ثروت آل لصالح شركة «مصر إيطاليا للملابس الجاهزة جوباي»

ويُذكر أن الدكتور مختار خطاب كان قد صرح في 2008 أن «الخصخصة سياسة عليا .. وأسماء الشركات المقرر بيعها تأتي من أعلى».


صفقة البيع المشبوهة!

كانت الضربة الثانية للقضاء على هذا الكهل؛ للتربح من ورائه، بأكبر قدر ممكن من الأموال؛ إذ باعت حكومة «أحمد نظيف»، في 2005، شركة «عمر أفندي» إلى شركة «أنوال السعودية»، التي يملكها رجل الأعمال «جميل القنبيط»، بقيمة 655 مليون جنيه، في حين كانت أصول الشركة متجاوزة للـ 5 مليارات جنيه. في صفقة بيع مشبوهة، ومريبة للغاية. التقت رغبات الطرفين على حساب المال العام في مصر؛ إذ يستفيد النظام المصري، وبعض المرتزقة من ورائه، من العمولات والمكافآت، خلف الستار، بشكل غير قانوني، وغير مشروع، ويحصل «القنبيط» على الشركة المحملة بعقارات تجاوزت الـ 5 مليارات جنيه؛ في مقابل دفع مبلغ زهيد بشكل رسمي. هكذا كان الاتفاق الحقيقي.

قطع «القنبيط» على نفسه الوعود أثناء إتمام عملية الشراء، بالمحافظة على عُمَّال الشركة، وتطويرها، وزيادة مبيعاتها، وتعظيم أرباحها إلى أضعاف وضعها الحالي، وإعادتها إلى سابق عهدها. وبعد إتمام الصفقة، لم ينجز أيًا من وعوده، باستثناء بعض «الرتوش»، كتغيير العلامة التجارية للشركة، وتركيب مصاعد، وسلالم كهربائية في بعض الفروع. كما قام بالتخلص من نسبة كبيرة من العمال. وبدأ مسلسل من الإهمال المتعمد لأشهر وأكبر وأقدم علامة تجارية في الشرق الأوسط والعالم؛ وذلك بهدف تمهيد الطريق، وإعطاء الحجة، في صورة أن الشركة لم تعد مجزية اقتصاديًا، ولا تحقق العائد، وبالتالي فهي مفلسة؛ لذا يجب البدء في بيع عقاراتها. ثم ماذا؟ ثم تحقيق أرباح بالمليارات. هكذا كان يجري تحضير هذا السيناريو.

بل رهن 16 فرعًا من فروع الشركة، رهنًا حيازيًا لـ«البنك الأهلي المتحد» و«بنك عودة» و«مؤسسة التمويل الدولية»؛ مقابل حصوله على قروض، وتسهيلات بنكية، بنحو 462 مليون جنيه. إلا أن «الرياح جاءت بما لا تشتهي سفنه»؛ إذ قضت محكمة القضاء الإداري، في حكم تاريخي في 2011، بإلغاء وبطلان عقد البيع بين الحكومة المصرية، وشركة أنوال، التي يمثلها رجل الأعمال جميل القنبيط، وبطلان شرط التحكيم الوارد في العقد، وإعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد.

وذكرت المحكمة أن«الشركة القابضة، نيابة عن الدولة، ممثلة فى وزارة الاستثمار، وكذا المجموعة الوزارية للسياسات الاقتصادية، تصرفت في شركة عمر أفندي، ليس باعتبارها صرحًا تجاريًا، ساهم على مدار تاريخه الطويل، من خلال فروعه العديدة المنتشرة فى أرجاء البلاد، في تلبية الحاجات الأساسية لقطاعات عريضة من الشعب، ولكن باعتبارها رجس من عمل الشيطان، يجب التطهر منه بأى ثمن.. وهو الأمر الذى يثير الشك والريبة حول حقيقة التصرفات التي قام بها جميع المسئولين عن إتمام تلك الصفقة؛ إذ بلغت تلك التصرفات حدًا كبيرًا من الجسامة يصل إلى حد شبهة التواطؤ؛ لتسهيل تمرير الصفقة، بكل ما شابها من مخالفات».
وذكرت أيضًا أن القنبيط حوَّل شركة «عمر أفندي» من شركة رابحة، في ظل قطاع الأعمال العام، إلى شركة خاسرة؛ ففي عام 2005، أي قبيل عملية الشراء، كان الفائض المرحل 54 مليون جنيه، بخلاف أرباح سنوية 2.1 مليون، وبلغت الخسائر في 2009 نحو 613 مليون جنيه.

عادت «عمر أفندي» إلى الحكومة المصرية من جديد، ممثلة في «الشركة القابضة للتشييد والتعمير»، ولكن في وضع أكثر سوءًا من ذي قبل، محملة بديون كبيرة، وبوضع مزر للعاملين فيها، وبفروع مغلقة، وأخرى شبه فارغة. ومنذ صدور حكم المحكمة، في 2011، إلى هذه اللحظة جرت محاولات غير جادة من الحكومة المصرية لانتشال الكهل الاقتصادي من تدهوره، ولكن لم يحدث أي تقدم ملحوظ في هذا الاتجاه.

يعمل في الشركة الآن حوالي 2700 موظف، أكثرهم من كبار السن، وبسبب تردي أوضاعهم؛ فقد شكلوا مؤخرًا ائتلافًا يسمى «ائتلاف منقذي عمر أفندي»؛ للضغط على الحكومة، وطرح حلول عملية؛ من أجل سرعة التحرك؛ لإعادة تشغيل الشركة بكفاءة، واستغلال كنوزها الدفينة، وتحسين أوضاعهم المالية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد