«إنه شعور غريب، هذا الوعي المزدوج، شعور النظر دومًا إلى النفس عبر أعين الآخرين، شعور قياس الروح عبر شريط عالم ينظر إليك باحتقار وشفقة. أشعر دومًا أنني شخصان؛ فأنا أمريكي وأسود، لي روحان وعقلان، وطريقان لم ينتهيا بعد، ومثل وقيم متحاربة متصارعة في جسدٍ واحدٍ مظلم، يمنعه عناده الشديد من أن يتقطع إربًا».

الاقتباس السابق منقول عن «دبليو إي بي دوبوا»، وهو مفكر أمريكي أفريقي صاحب مفهوم »الوعي المزدوج»، الذي ذكره في عمله الكلاسيكي الشهير «روح رفيق أسود». يشير «دوبوا» هنا إلى حالة جيل من الأمريكيين الأفارقة بعد نهاية عصر العبودية، خاصة حالتهم الثقافية.

يصف »دوبوا» بشكل رئيسي حالة من الهيمنة الفكرية من قبل النخب البيضاء، الذين أجبروا السود على أن ينظروا إلى أنفسهم عبر ثقافة من يقومون بقمعهم، مما يخلق حالة من جلد الذات والعنصرية يوجهونها نحو أنفسهم وعرقهم. فيشاركون بشكل أو بآخر في قمع أنفسهم.

أتذكر هذا الاقتباس وأنا أراقب رد فعل النخب في العالم العربي على الهجمات الإرهابية التي وقعت في باريس. لم يكن الأمر مجرد إدانة للهجمات، ولكن أيضًا إدانة للعرق والثقافة العربية بوصفها السبب الرئيسي في وقوع تلك الهجمات. ولكن في جوهره، إنه يمثل نسخًا لخطاب اليمين الأوروبي الذي يختزل مشكلة معقدة؛ فيلخصها ببساطة في الفرق بين «المتحضرين» و«الهمجيين».

إلا أن المنتسبين للطبقات المتوسطة تلك لا ينظرون إلى أنفسهم كجزء من ثقافتهم، بل يضعون أنفسهم ضمن مستوى أعلى على مقياس التطور، وفوق زملائهم المواطنين. كما أنهم يتبعون منطق الحاجة إلى انتهاج العنف لمواجهة هذا التهديد، بينما ينظرون إلى التهديد الذي يحيط بأبناء نفس البلد الأقل تمدنًا على أنه تهديد وجودي للحضارة. لم يكن هجوم باريس مجرد تهجم على الدولة الفرنسية، كما زعم الرئيس أولاند، ولا حتى كان هجومًا على حرية التعبير، كما زعمت وسائل الإعلام؛ لكنَّ العرب المنتمين للطبقات الوسطى نظروا إليه أيضًا كدعم منطقي لوجهة نظرهم المعادية للديمقراطية والحاجة إلى قمع معارضيهم.

وبقدر ما وقعت تلك النخب تحت سيطرة الثقافة الغربية، فلا زالوا يكرهونها بشدة. أما أولئك الذين لديهم صلات بها، فيكنون إعجابًا كبيرًا نحو الغرب، لكنهم أيضًا على دراية تامة بأن عزل أنفسهم عن شركائهم في الوطن لا يجد صدى عند المركز المهيمن. وكرد فعل على ذلك، فهم يحاولون عزل أنفسهم عن شركائهم في الوطن بشكل أكبر حتى يثبتوا أنهم «متحضرون» بينما البقية ليسوا كذلك.

ومن هنا، تبرز حالة «الوعي المزدوج»، حيث النخب العربية على دراية كاملة بحالة عقدة النقص التي تتملكهم أمام الغرب، وفي نفس الوقت يتملكهم إحساس باحتقار أنفسهم وثقافتهم وبني وطنهم.

وقد نتج عن ذلك اعتبار العالم العربي غير متحضر بطبعه وعالقًا في الماضي. فيتمسكون بنفس المعتقدات التي حملها أجدادهم منذ القرن السابع الميلادي.

هذه ليست ببساطة فكرة مجردة، بل إن لها بعض الآثار الحقيقية جدًا على طبيعة النظام السياسي العربي ومستقبل الديمقراطية في العالم العربي. لا بد أن نتفهم سبب «عنصرية العرب تجاه بعضهم البعض» قبل أن نحاول أن نفهم آثارها.

هذه الأيديولوجيا الاستشراقية الخاصة بالنخب، مثل كل الأيديولوجيات الأخرى، لا بد أن تقوم بوظيفة اجتماعية وسياسية، وإلا فإنها لن تنتشر. تستخدم النخب أيديولوجيا ورثوها عن أساتذتهم المستعمرين كتبرير أيديولوجي لقمع الجموع. بعبارات أخرى، إنها تستخدم كحجة لقمع المعارضة، بالزعم بأن تثبيت نظام سياسي سيقود إلى فقدان السيطرة على الجموع غير المتحضرة.

كما استخدمت هذه الحجة لنفي صفة الآدمية عن المعارضين لتلك النخب، بزعم أنهم إما غير متحضرين، كما في حالة المعارضة الإسلامية، أو أنهم سذج، كما في حالة نقاد الطبقة الليبرالية/الوسطى الذين يساعدون «غير المتحضرين» بشكل مباشر. وتستخدم هذه الحجة أيضًا كأساس لتبرير القمع السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

في العالم العربي، تنظر الغالبية العظمى من النخب بهذه النظرة للطبقات الأدنى. على سبيل المثال، ثمة اعتقاد سائد بأن كل العاملين كسالى ومهملون بطبعهم، ولهذا يجب تطبيق وفرض قيود صارمة عليهم. وينظر إلى أي مطالب عمالية على أنها غير منطقية، لأن حقيقة شغلهم لوظيفة كافية، بصرف النظر عن أوضاع العامل.

كما يستخدم نفس السبب لتبرير جمع ثروات هائلة من قبل أقلية من النخب في الدولة. فالجموع «غير المتحضرة» لا يمكنها إدارة الثروة. كما أن العنصرية تصبح أيضًا منهجًا للقمع الاقتصادي للعامل، ومبررًا لاتباع سياسات تروج للمحسوبية ولسوء الإدارة الاقتصادية.

أما القمع الاجتماعي، حيث تستخدم هذه الأيديولوجيا لقمع الحراك الاجتماعي، فإنه يخلق بنية اجتماعية مشوهة. وهذا يعني أن أشخاصًا من خلفيات اجتماعية بعينها يتم استبعادهم بشكل تلقائي من وظائف أو مناصب معينة بسبب خلفياتهم الاجتماعية. وتساعد هذه البنية الاجتماعية الجامدة على الإبقاء على هيمنة النخب وتساهم في عملية «استنزاف العقول» عبر الطرد المستمر للأشخاص ذوي القدرات الأعلى بعد السماح لهم بالتواصل مع النخب في العالم العربي. ويشهد على ذلك هجرة الجموع إلى الطبقة الوسطى المحترفة.

وأخيرًا، يمكن للمرء أن يجادل بأن هذه الظاهرة ليست داخلية، ولكنها نتاج التفاعل مع أيديولوجيا الاستعمار والصلات الوثيقة بين النخب العربية والغربية. وهكذا، يتم تعزيز قمع الجموع العربية من قبل أصحاب الاتجاهات اليمينية في الغرب، ويستخدم بفعالية من قبل الاستبداديين العرب لتعزيز هيمنتهم.

كما أن الهدف من وراء ذلك هو أن تتسرب هذه الأيديولوجيا بشكل عميق في المجتمع ويستشعر المواطن العربي العادي عقدة النقص في نفسه، حتى يبقى تحت رحمة الهيمنة الأيديولوجية لتلك النخب، ويصرح هو نفسه بأن ثمة حاجة لقمع الجموع وأن تتركز الثروة في البلاد بشكل حصري في يد تلك النخب. وهذا يقلل الحاجة إلى قمع سياسي مباشر. إن قمع الجموع لذاتها سيقمع المعارضة، وسيتصدى لأية مقاومة للوضع الراهن.

ومن هنا يأتي القمع المباشر لمن يجرؤ ويتحدى هذه الأيديولوجيا من جانب المواطنين، وينمو شعور بالحاجة إلى «رجل قوي» للتعامل بقسوة مع الحركة العمالية، بما أن الجموع «غير المتحضرة» يتعين ألا تمتلك القوة لإفساد المجتمع. ولهذا لا يحتاج القمع اليوم فقط لأن يكون وسيلة، بل يجب أيضًا أن يكون أيديولوجيا لتبريره؛ إن تلك الأيديولوجيا هي «عنصرية العرب تجاه بعضهم البعض».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد