لقد أحدث الشعراء العرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين ثورةً على مستوى بناء القصيدة وموضوعاتها، ونمتْ اتجاهاتٌ مختلفة متأثرة بالمدارس الشعرية الأوروبية بنزعاتها المتنوعة، غير أن واحدًا من هؤلاء الشعراء لم يحظَ بالحضور الجماهيري والشعبي بقدر ما حظي به نزار قباني، فربما كتبَ معاصروه الكثير من القصائد التي لقيت استحسانًا على مستوى النقاد ومتذوقي الشعر، وربما تفوقوا على نزار في خلق آفاقٍ جديدة للقصيدة العربية عبر الشكل والمضمون، غير أن واحدًا منهم لم يحظَ بالحضور الشعبي الذي حظي به نزار، حتى أصبحت معظم قصائده مغنَاةً، يغنيها مشاهير المغنين والمطربين العرب، ويتلقفون كلماتها السلسة بإيقاعها المميز لكي تحقق أغانيهم أقصى حضورٍ ممكن لدى الجمهور، هذا عدا عن اختلاف النقاد حوله، وكون قصائده مثار جدلٍ لم ينتهِ حتى بموته، فمن هو نزار قباني؟ وكيف حاز هذه الشهرة؟

نزار قباني: بيتٌ كقارورة عطر وأختٌ عاشقةُ حتى الموت


في 21 مارس (آذار) 1923، ولد نزار قباني في دمشق، وهو يتحدث عن هذه المصادفة في كون تاريخ ولادته هو ذاته تاريخ بداية فصل الربيع كقدرٍ لا يمكن تجاهل دلالاته، ويرى أنه كانقلاب الفصول، وأن ولادته كانت كربيعٍ هطل على الأرض بعد جفاف.

كان والده توفيق قباني يعمل في محل لبيع الحلويات، وقد شارك في مقاومة الانتداب الفرنسي، أما أمه فقد كانت امرأة متدينة مشغولةً بالعبادات والأولياء؛ يشبِّه نزار الطبيعة النفسية لأمه وأبيه بالماء والنار، ويقول -على الرغم من تعلقه بأمه التي ميزته عن سائر إخوته بحنانٍ خاص- إن نار أبيه جذبته أكثر من ماء أمه.

على الرغم من الفترة التاريخية الحرجة التي ولد خلالها نزار، وعلى الرغم من أن ساحةَ بيته كانت مكانًا لاجتماع الثوار ضد الانتداب الفرنسي، إلا أن نزوعه الجمالي احتفظ بذكرياتٍ أخرى عن طفولته، كان جمال البيت الدمشقي يسيطر على مخيلته، وحين حاول وصفه لم يجد شيئًا يشبهه به سوى قارورة العطر، لقد وُلِد مفتونًا بجمال الياسمين والنارنج والنوافير والعصافير، إن هذا الانجذاب الأول للجمال، وسماع صوت النافورة دون خطابات الثوار كان ينبئ بهذه الروح المدللة العاشقة للجمال ومتعته.

درس في مدرسة تحت الإدارة الفرنسية، مما أتاح له الاطلاع على أشعار الفرنسيين وحفظها، إلى جانب الاطلاع على التراث الشعري العربي، وهو ما يفسِّر غنى معجمه الشعري، ثم التحق بكلية الحقوق، وفور تخرجه عمل بالسفارة السورية في مصر 1945، وكان عمره آنذاك 22 عامًا فقط، وقد أتاح له عمله الدبلوماسي فيما بعد فرصة للسفر إلى بلادٍ كثيرة، كانت تزداد فيها تجاربه ومغامراته، ونتاجه الشعري بالطبع.

إن هذا الرفاه الطفولي الذي أكثر نزار من الحديث عنه في مذكراته ومقابلاته لم يخلُ من المأساة، كانت المأساة التي ذكرها على عجالة في وسط سردٍ طويل لجماليات البيت الدمشقي هي انتحار أخته الشابة «وصال»، بسبب عدم زواجها ممن تحب.

يقول نزار واصفًا هذا المشهد دون أن يفصِّل فيه: «صورة أختي وهي تموت من أجل الحُبّ محفورة في لحمي»، لكنه لا يخبرنا إن كانت قد انتحرت بسبب رفض عائلته، أم بسبب خيانة حبيبها، ولا ندري إن كان مشهد الانتحار القاسي هذا هو سبب تعلقه بالمرأة والحب في شعره طوال رحلته مع الكتابة، أم لا.

نزار قباني.. «شاعر النهود»!

لقد كانت المرأة، وجسدها، وأدوات زينتها، ومغامرات قباني العاطفية والجنسية معها هي الهاجس الجماليُّ الرئيس، وشبه الأوحد، الذي ملأ دواوينه، منذ ديوانه الأول «قالت لي السمراء» 1944، وحتى «أبجدية الياسمين» 1988، حتى إن الناقد فؤاد دوارة خصص فصلًا في كتابه «شعر وشعراء» بعنوان: «نزار قباني.. شاعر النهود»، درس فيه التكرار اللافت لكلمة النهد في قصائده، ودلالاتها، وإيحاءاتها النفسية.

وعلى الرغم من أن قصائده خرجت بين مرحلةٍ وأخرى عن هذا الموضوع إلى موضوعات أخرى كانتقاد الأوضاع العربية، وهزيمة النكسة على سبيل المثال، إلا أنَّ الحديث عن نزار لا يمكن أن يتمَّ إلا بالحديث عن علاقته بالمرأة؛ إن المرأة هي مدخله الرئيس وبوابته الأوسع.

لقد لقبت الصحافة العربية نزار قباني بشاعر المرأة، وشبَّهه بعض النقاد بالشاعر العربي عمر بن أبي ربيعة، وكانت صورته الدائمة هي الدفاع عن حقوق المرأة العربية، وانتقاد ظلم الرجل لها في مجتمع ذكوري لا يرحم، ولا يمنحها حقها في الحياة الكريمة، وقد بلغ تعاطفه هذا معها ذروته في قصيدته «يوميات امرأة»، والتي تقمص فيها صوت امرأة خاضعةٍ للتقاليد العربية تسرد يومياتها المملة، وما تعاني منه من حرمان عاطفيِّ وجسديّ، وفي نظر بعض النقاد فإن من يقرأ القصيدة لا يشكُّ للحظة واحدة أن كاتبتها امرأة بالفعل.

(قصيدة يوميات امرأة)

ولكن هناك الكثير من الأسئلة التي قد تراود قارئ أعمال نزار حول حقيقة هذا التعاطف، وما إذا كان نزار قد تخلص بالفعل من «آثام» الرجال التي صوّرها على لسان نسائه الحبيسات المظلومات، في هذا التقرير نطرح بعض هذه التساؤلات حول علاقته المربكة بالمرأة.

حين وصف نزار علاقته بالمرأة، أرجع طبيعة هذه العلاقة المتطرفة بالمرأة إلى جيناته الوراثية، فقال باختصار إنه «من عائلة تمتهن العشق»، وإنه كأي فردٍ في هذه العائلة الضعيفة أمام مغريات الجمال، يعشق في الحادية عشرة، ويسأم في الثانية عشرة، وفي الثالثة عشرة يعشق من جديد، وهكذا، في دورة للقلب لا تشيخ ولا تكبر، لأنه قلبٌ مولعٌ بالجمال، فقد كان أبوه ينتفض كعصفور إذا مرت به امرأة فارعة –حسب وصفه-، ويبدو أنه ورث هذا الأمر عنه.

في بدايات مغامراته النسوية، لم يتردد قباني في التردد على بيوت الدعارة، والمساهمة في مآسي النساء اللواتي تحدث لاحقًا عنهن كنساءٍ بائسات، وكان كل ما يشعر به هو تأنيب للضمير يشعر به تجاه نفسه، لا تجاه النساء اللواتي ضاجعهن، يقول: «كنت أخرج من مخدع بغيِّ أعتذر لجسدي، وأبكي أمامه كطفلٍ مذنب علَّه يسامحني».

في مراحل لاحقة، تطورت هذه العلاقات إلى علاقات أكثر تعقيدًا، وأصبحت قصصًا كبيرة، لا ندري مدى حقيقتها، غير أن نزار أكَّد في أكثر من موضع أن نساءه وقصصه غالبًا حقيقية في أصلها، أما التفاصيل وتصويرها فهي نصيب الإبداع.

في قصيدته يبدو أحيانًا كأيٍّ من الرجال الذين ينتقدهم، فهو -على سبيل المثال- وكأي رجل عربي يقدِّس بكارة الجسد، ويعتبر المرأة مجرد دمية فقدت سرَّ جاذبيتها المطلق بعد أول تجربة، يقول ساخرًا من حبيبته، التي ينعتها بالرخيصة، حين تقرر أن تهجره:

«أتهددين بحبك الثاني.. وزند غير زندي؟

إني لأعرف، يا رخيصةُ، أنني ما عدتُ وحدي

هذا الذي يسعى إليكِ الآن لا أرضاه عبدي

فليمضغ النهدَ الذي خلَّفتُه أنقاض نهدِ

يكفيه ذلًا أنه قد جاء ماء البئر بعدي».

وهو لا يخرج في تصوره عن المرأة عن التصور التقليدي لها، والذي يجعل مهمتها في الحياة محصورة بالزواج والإنجاب، فتسقط منه بعض التشبيهات التي تدل على جوهر نظرته للمرأة، حين يقول: «إن خوفي الحقيقي على الشعر هو الخوف من العبودية، فالعبودية امرأة عاقر، أما الحرية فامرأة تطرز العالم بالشعر والحب والأطفال». هل يوجد ما هو أقسى على المرأة التي يدافع عنها من تشبيه العبودية بامرأة عاقر، والحرية بامرأة تنجب الأطفال؟

وحين أراد تصوير الأحوال المتردية للقصيدة العربية في نهاية القرن التاسع عشر، لم يجد تشبيهًا مناسبًا لرداءتها سوى «المرأة العانس»، يقول: «والواقع أن القصيدة العربية وصلت في نهايات القرن التاسع عشر إلى سن اليأس، وتحوَّلتْ إلى عانس فقدت أملها بالزواج والإخصاب».

ولا يكتفي بهذه الصورة النمطية للمرأة، بل يزيد من حصره لجاذبية المرأة في جسدها ونضارته، حين يكتب قصيدة لامرأة عجوز -هذه العجوز عمرها أربعون عامًا- يروي نزار أنها حاولت إغراءه، فيقول شاعرًا بالقرف من جسدها:

إني قرفتك ناهدًا متدليا ** وقرفتُ تلك الحلمة المتهرِّئةْ

أنا لا تحركني العجائز فارجعي ** لكِ أربعون وأي ذكرى سيئة؟

ولا يبدو أنَّ هذه الأبيات هي أبياتٌ عارضة، بل هي قناعة مترسخة، فهو في قصيدةٍ أخرى يحث حبيبته على الإقبال على الاستمتاع بجسدها قبل أن يهرم ويغدو غير ذات فائدة، يقول:

وغدًا سيذوي النهد والشفتان منكِ.. فأقدمي

وتفكري بمصير نهدكِ بعد موت الموسمِ

إن مذهب نزار في الحب هو مذهب المتعة، إذ لا يكون الحب مصدرًا للألم والعذاب، بل مصدرًا للجمال والسعادة والنشوة، لذا فهو يتخذ موقفًا سلبيًّا من الحب العذري في التراث الشعري العربي، فحبيبته الجريئة، فاطمة، تنقلب على تاريخ العلاقة بين الرجل والمرأة في الشرق، وتضع في السجن كل معتقليها وسجانيها، من ضمنهم قيس بن الملوح وجميل بثينة، بل وكل الشعراء العذريين العرب.

لكن هذا التوجه نحو الشغف بالاستمتاع يصل بنزار أحيانًا إلى حالةٍ من الاضطراب والشعور باليأس، يحاول وصفه لصديقته قائلًا:

لو تعرفين مرةً بشاعة الإحساس بالدوارِ..

حين يعود المرء من حريمهِ

منكمشًا كدودة المحارِ

وتافهًا كذرة الغبار

حين الشفاه كلها..

تصير من وفرتها

كالشوكِ في البراري

حين النهود كلها

تدق في رتابة كساعةِ الجدار.

وهو ما يفسر تعاطفه مع شخصية شهريار؛ إذ لا يراه مجرمًا قاتلًا، بل هو «بريء من كل الجرائم المنسوبة إليه. على ضوء علم النفس سيتبين أن الرجل لم يكن قاتلًا، وإنما كان مضطرًا إلى القتل بدافع الملل؛ ملله من حريمه، وملله من حاشيته، وملله من عشرات الأجساد التي كانت تحمل إليه كل ليلة كما تحمل أطباق المشهيات، إن شهريار كان فنانًا وإنسانًا».

إن المرأة التي يحبها نزار في شعره هي امرأة متحررة تلبي رغباته، وهي امرأة نمطية وبسيطة في ذات الوقت، هذا التصور المضطرب الذي يطلب من المرأة أن تكون كل شيءٍ للرجل: متعته وشهوته وحضنه وأمانه وشبابه الدائم، وحين يكتب تصوره عن المرأة التي يمكن أن يحبها، يشترط فيها أن تشبهه، وأن تكون أمه، وأن تتفهم همومه الشعرية، دون أي مزايا أخرى أطال الحديث عنها أثناء تنظيره لتحرر المرأة، يقول:

وأحلم بالحب كالآخرينْ

وزوجٍ تخيطُ ردائي

وطفلٍ ينامُ على ركبتيَّ

كعصفور حقلٍ، كزهرة ماءْ

في قصائده يبدو نزار أنه أحب نساءً كثيرات، لكنه في الواقع يعترف بأن النساء اللواتي أثَّرن فيه بالفعل لا يتجاوزن عدد أصابع اليد الواحدة مع كثرة مغامراته الجنسية والعاطفية، ولكن حتى صيغة هذا الحب صيغة ملتبسة وغير مفهومة، فبعد وفاة زوجته الأثيرة بلقيس الراوي كتب نزار قصيدة من أكثر قصائد الرثاء حزنًا، وبدا وكأنه اتخذ قرارًا بهجر الشعر، فقد قال في هذه القصيدة: «نامي بحفظ الله أيتها الجميلة، فالشعر بعدكِ مستحيلٌ والأنوثة مستحيلة».

غير أنه لم تمرَّ على هذه الحادثة أعوامٌ قليلة حتى أصدر ديوان «الحب لا يقف على الضوء الأحمر»، يتحدث فيه عن مغامرات جديدة وعشق جديد، لامرأة جديدة سمَّاها فاطمة، قال لها في إحدى قصائده:

هل عشقت امرأةً قبلك يا فاطمة؟

إنني لا أتذكر..

هل سأهوى امرأة بعدك يا فاطمة؟

إنني لا أتصور.

بعد كل الرثاء المرير لبلقيس في القصيدة المكتوبة في ديسمبر (كانون الأول) 1981، تأتي هذه القصيدة بعدها بأقل من خمسة أعوام، ليتساءل نزار عما إذا كان عشق قبلًا، ثم يجيب بأنه لا يتذكر، هل تبدو النصيحة بعدم الزواج من شاعر ذات معنى إذن؟ إن تجربة نزار في الحب تجعلها نصيحةً جديرةً بالتأمل.


وبشكلٍ عام، فإن علاقة نزار بالمرأة علاقةٌ مضطربة، إنه يريدها متحررة من كل قيد لتمنحه النشوة، وفي ذات الوقت يريدها أمًّا طهورية، ويريدها بسيطة وزوجة عادية تنجب له الأطفال، كما يريديها متمردةً من كل قيد، وخارجةً من الصور النمطية، يحب جسدها وشهواته، لكنه أحيانًا يشعر بالامتلاء وعدم القدرة على الاستمتاع به أكثر.

نزار قباني.. المتعب بعروبته

حين تقرأ شعر نزار لا بدَّ أن تلاحظ هذا الكم من جلد الذات العربية عبر استخدام مصطلحاتٍ تشير إليها، فهو يرى أن العالم العربي حتى لحظته التي عاش فيها ما زال يعيش بنظام القبيلة، والسلطان، والعنتريات الأسطورية ذات البلاغة الجوفاء، وهو لا يترك فرصةً لنقد هذا التاريخ الذي يختزله بهذه المظاهر البدوية التي لم تستطع تأسيس حضارة، يقول مثلًا: «هل من أمةٍ في الأرض إلا نحن نغتال القصيدة؟»، والاستفهام مع الاستثناء يقصر فعل اغتيال القصيدة على الأمة العربية.

إنه وسط حالة الحزن الشديدة التي رافقت موت زوجته العراقية بلقيس الراوي، إثر تفجير السفارة العراقية في بيروت، لا يستطيع قراءة واقع الحرب الأهلية في لبنان، بل يعود للأصول العربية، وتاريخ شبه الجزيرة العربية؛ ليفسِّر حالة الحرب القائمة، وكأن كل شرٍّ في الحياة السياسية مردُّه إلى جينات متوارثة في العرق العربي، يقول:

أين السموأل والمهلهل والغطاريف الأوائل

فقبائلٌ أكلت قبائلْ

وثعالبٌ قتلت ثعالبْ

وعناكبٌ قتلتْ عناكبْ

ويقول: نحن الجريمة في تفوقها.. ما العقد الفريد، وما الأغاني؟ ثم يرى أنَّ: جميع أشياء الجمالِ، جميعها، ضد العرب.

وفي قصيدةٍ أخرى يصف فيها شعوره أثناء لقائه بفتاة عربية في باريس، يقول:

ما كان في حسابي

أن أدخل في تفاصيل التاريخ العربي

فلقد تخانفت مع تاريخي

وجئت إلى باريس.. لألغي ذاكرتي.

والحقيقة أن نزار كان بالفعل قد تخانق مع ذاكرته وتاريخه إلى حدِّ جلد الذات في كل موضع، حتى تلك المفاخر لم تعد مفاخر لدى نزار، يقول:

لا تسافر..

بجوازٍ عربيٍّ يسن أحياء العربْ!

فهم من أجل قرشٍ يقتلونك.

وهم -حين يجوعون مساءً- يأكلونكْ

لا تكن ضيفًا على حاتم طيّ

فهو كذابٌ ونصاب

فلا تخدعك آلاف الجواري وصناديق الذهب.

لقد حمَّل نزار القومية العربية أكثر مما تحتمل في نظر البعض، وانتقد واقع الأمة العربية انتقادًا لاذعًا، بلغ ذروته في قصيدة «خبز وحشيش وقمر»، والتي أثارت النخب السياسية ضده، ومن ثم قصيدة «هوامش على دفتر النكسة» التي منعت من النشر في مصر في بداية الأمر، ثم سمح جمال عبد الناصر بنشرها بعد أن أرسل له نزار قباني رسالةً يوضح فيها ما جاء في قصيدته، وربما تكون قصيدته «متى يعلنون وفاة العرب» هي أكثر قصائده تعبيرًا عن أزمته مع هويته العربية، التي انتقد فيها العرب كعرق وتاريخ، لا كواقع فقط.

 (قصيدة متى يعلنون وفاة العرب بصوت نزار قباني)

نزار.. صوتٌ وحيدٌ ومنفرد

لقد عاصر نزار قباني السيابَ ودرويش وصلاح عبد الصبور وغيرهم، إلا أنه ظل محتفظًا بتفرده واعتزال الموجة الشعرية التي اتبعها معظم شعراء القرن العشرين، لم يكن هذا التفرد نابعًا من عدم تجديده –كما معظم الشعراء الكبار- في شكل القصيدة العربية ككتابة قصيدة التفعيلة أو حتى قصيدة النثر لاحقًا، ولا من عدم تجديد لغته الشعرية أو صوره، على العكس تمامًا؛ فقد ساير نزار حركة تطور الشعر العربي على مستوى شكله وألفاظه وموسيقاه، غير أنه ظل متمسكًا بالوضوح والسلاسة، وإبعاد الشعر عن الأسئلة الفلسفية والوجودية، والصور المعقدة المؤدية إلى الغموض في نظر البعض.

ففي الوقت الذي أصبح فيه شعر التفعيلة لدى كبار الشعراء يعتمد على عنصرين فنيين مهمين؛ وهما: الأسطورة والرمز، كان نزار قباني ما زال يتمسك بخفة الموسيقى التي جعلت قصائده صالحة للغناء في كل أحوالها، عدا عن حفاظه على سلاسة الألفاظ ورشاقتها، بل وإدخال بعض التراكيب اليومية داخل بناء القصيدة معتمدًا بلاغة البساطة وخفة الإيقاع.

غالبًا سيشعر القارئ أن نزار ومحمود درويش عاشا في زمنين منفصلين، على الرغم من أنهما عاشا في زمانٍ واحد، بل ومكان واحدٍ أيضًا، إذ التقيا في بيروت في فترةٍ ما، غير أنه في الوقت الذي كان فيه درويش ينثر «يوميات الموت العادي» كان نزار ما زال مشغولًا بالمرأة وجسدها وشؤونه.

كان انفصال نزار الجزئي عن قضايا السياسة التي عايشها من جهة، وانفصاله التام عن تحديث القصيدة العربية المعتمد على بلاغة الغموض من جهة ثانية دورًا كبيرًا في جعله حالة منفردة، لا يمكن دراستها ضمن أي مجموعة من الشعراء الذين عاصرهم، بل وتجعل أمر تخيل أنه عاصرهم بالفعل أمرًا لا يخطر بالبال حين القراءة له.

ومهما يكنْ من أمر هذا الشاعر وشعره، فإنه استطاع أن يكسب قلوب الآلاف من العشاق الذين ما زالوا يرددون قصائده الملهمة في الحب، ويغنون أغانيه، وهو ما راهن عليه نزار قباني بالفعل، لقد راهن على جمهوره.


تعليقات الفيسبوك