من وقت لآخر يسألني أحد قُرائي هل يمكنني أن أقدم لهم بعض الأخبار السارة، ودائمًا ما أجيب: إذا فعلت ذلك، سأكون كاذبًا.

 

كثيرا ما يسألني أحد قُرائي ما إذا يمكنني أن أقدم لهم بعض الأخبار السارة، ودائما ما أجيب: إذا فعلت ذلك، سأكون كاذبًا تمامًا مثل حكوماتكم وإعلامها الرسمي. وإذا ترغبون في تلقي “أخبار سارة مزيفة”، فيمكنكم اللجوء إلى عالم مزيف كعالم “الماتريكس” لتنقادوا في النهاية إلى دمار مالي شامل وتحل نهاية العالم بنكهة نووية.

فقد ظهرت قضيتا غزو غرناطة وتمويل حركات “الكونترا” المناوئة للنظام في نيكاراغوا بدفع من المحافظين الجدد، وهم مجموعة صغيرة من دعاة الحروب قد شكّلت تحالفًا قويًا مع المُجمع العسكري والصناعي وإسرائيل، وكان الرئيس “ريجان” قد طردهم، بل وتمت مقاضاتهم، إلا أن خليف “ريجان” وهو “جورج بوش الأب” عفا عنهم فيما بعد.

وعاودت جماعات المحافظين الجدد الظهور مرة أخرى في عهد الرئيس “كلينتون” في ظل سيطرتها على بيوت الخبرة وبالطبع حماية إسرائيل والمجمع العسكري والصناعي لها، فعملت على تفكيك يوغوسلافيا وإشعال حرب ضد صربيا وتوسع الناتو ليصل إلى حدود روسيا.

كما سيطر المحافظون الجدد على نظام جورج بوش الابن، إذ احتلوا المناصب القيادية بالبنتاجون ومجلس الأمن القومي الأمريكي ومكتب نائب الرئيس وغيرها، ليأتي المحافظون الجدد بواقعة 11 سبتمبر ونشر بعض التمويهات بشأنها، وغزوي العراق وأفغانستان، وبدايات زعزعة الاستقرار في كل من باكستان واليمن، وتأسيس القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا، وغزو أوسيتيا الجنوبية من قِبل جورجيا، وإنهاء معاهدة الصوايخ المضادة للأسلحة الباليستية، والتجسس غير الدستوري وغير القانوني على المواطنين الأمريكيين دون أي ضمانات، وفقدان الحمايات التي يكفلها الدستور، فضلًا عن التعذيب وغيرها من التصرفات غير المسؤولة التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية والكونغرس والسلطة القضائية فيما يتعلق بالقانون. ويمكن القول أن المحافظين الجدد قد وضعوا الأساس لبناء الدكتاتورية وإشعال الحرب العالمية الثالثة.

أما نظام “أوباما”، فلم يلق اللوم على أي شخص بشأن الجرائم التي ارتكبها نظام “بوش”، وبذلك فإنه يؤكد على أن السلطة التنفيذية فوق القانون، بل إن نظام “أوباما” أقدم على مقاضاة كل من رفع النقاب عن جرائم الحكومة.

ولا يزال المحافظون الجدد يتمتعون بتأثير كبير داخل نظام “أوباما”؛ فعلى سبيل المثال، عيّن “أوباما” المحافظة الجديدة “سوزان رايس” في منصب مستشار الأمن القومي، والمحافظة الجديدة “سامانثا باور” في منصب سفيرة الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، وعيّن كذلك المحافظة الجديدة “فيكتوريا نولاند” في منصب مساعد وزير الخارجية. وكان الانقلاب الأمريكي في أوكرانيا قد تم تحت إدارة وإشراف مكتب “نولاند” الذي يعمل يدًا بيد مع وكالة الاستخبارات الأمريكية والمنظمات غير الحكومية التي تمولها واشنطن.

يعد مذهب المحافظين الجدد المذهب السياسي الوحيد الذي لا يزال ماثلًا على الرغم من رجعيته، وهو المذهب الذي يقوم على مبدأ “أمريكا فوق الجميع”، فيظن المحافظون الجدد أن التاريخ قد اختار الولايات المتحدة لتفرض هيمنتها على العالم، وبالتالي تحتل الولايات المتحدة مكانة “حيوية” و”استثنائية”. وقد ذهب “أوباما” نفسه إلى هذا الحد في تصريحاته. ويمنح هذا المبدأ المحافظين الجدد قدرًا كبيرًا من الثقة والتحفيز، تمامًا مثل الأفكار التي توصل إليها “كارل ماركس” والتي تقضي بأن التاريخ اختار العمال ليصبحوا الطبقة الحاكمة، فمنحت كذلك الشيوعيين الثقة والتحفيز فيما مضى، إلا أن هذا القدر من الثقة والتحفيز يضفي صفة التهور على المحافظين الجدد.

وعملًا على تنفيذ مخططاتهم، يُروّج المحافظون الجدد أفكارهم وسط الشعب الأمريكي والدول التابعة لواشنطن، فتلك الصحافة العاهرة تقدم أكاذيب المحافظين الجدد للجمهور الذي يستقبل الأخبار بحسن نية ومنها: إقدام روسيا على غزو الأراضي الأوكرانية وضمها إلى أراضيها، بوتين ينوي إعادة بناء الاتحاد السوفيتي، روسيا دولة يحكمها مجموعة من المجرمين بلا ديمقراطية، روسيا تشكل تهديدًا لدول البلطيق وبولندا بل وكافة الدول الأوروبية، بالإضافة إلى التأكيد على أهمية بناء قوة عسكرية على الحدود الروسية مؤلفة من القوات الأمريكية وقوات الناتو، وكذلك أهمية احتواء التحالف الصيني الروسي بالأساليب العسكرية من خلال القواعد الأمريكية البحرية والجوية التي تم بناؤها مؤخرًا حول الصين وتتحكم في ممرات الصين البحرية.

كما أوضح المحافظون الجدد و”أوباما” تمام الوضوح أن الولايات المتحدة لن تقبل بأن يكون لكل من روسيا والصين كيان مستقل ذات سيادة وتتمتع بسياسات اقتصادية وخارجية بعيدًا عن المصالح الأمريكية. لا يمكن القبول بروسيا والصين إلا باعتبارهما دولًا تابعة للولايات المتحدة تمامًا مثل أوروبا واليابان وكندا وأستراليا.

من الواضح أن المعادلة التي يسعى المحافظون الجدد لتحقيقها هي معادلة الحرب الأخيرة. والبشرية جمعاء تواجه الخطر الذي يشكله حفنة من الرجال والنساء الأشرار الذين يحتلون مراتب عُليا بواشنطن.

وتلك الدعاية المعادية لروسيا قد ذهبت إلى أبعد مستوياتها بالإشارة إلى “بوتين” بوصفه “هتلر الجديد”. وكما نقل “دانييل زوبوف” عن المؤتمر المشترك الذي عقده ثلاثة من بيوت الخبرة الأمريكية، فقد وجه هذا المؤتمر اللوم إلى روسيا على الإخفاقات التي ارتكبتها واشنطن فيما يتعلق بسياستها الخارجية. حتى إن “هنري كيسنجر” نفسه لم يسلم من الهجوم عندما أقر بالحقيقة البائنة وهي أن مصالح روسيا في أوكرانيا مشروعة. فقد كانت أوكرانيا جزءًا من روسيا لفترة طويلة فيما مضى وتقع في النطاق الذي يحق لروسيا التدخل به.

ومنذ نظام “كلينتون”، وواشنطن تتحرك ضد المصالح الروسية. وكما يشير الأستاذ “مايكل شوسودفسكي” في كتابه المقبل (عولمة الحرب: حرب أمريكا الطويلة ضد الإنسانية) حيث يقدم تحليلًا واقعيًا يفيد بأن الولايات المتحدة ستأتي بنهاية العالم من خلال حربها النووية:

“عولمة الحرب ما هو إلا مشروع يرمي إلى الهيمنة، إذ يجري تنفيذ عمليات عسكرية ومخابراتية كبيرة في الوقت ذاته في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وجنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا ووسط آسيا والشرق الأقصى، فالمخططات العسكرية الأمريكية تجمع بين عدد من العمليات الحربية الكبيرة والعمليات السرية التي ترمي إلى زعزعة الاستقرار بالدول ذات السيادة.

“وتحت مظلة أجندة عسكرية عالمية، فالعمليات التي ينفذها التحالف العسكري الغربي (المكون من الولايات المتحدة والناتو وإسرائيل) في أفغانستان وباكستان وفلسطين وأوكرانيا وسوريا والعراق يجري تنسيقها لها من جانب أعلى المراتب العسكرية، وبذلك فإننا لا نتحدث عن عمليات عسكرية ومخابراتية عابرة. فلم تُقدِم إسرائيل على شن هجومٍ على غزة من أبريل حتى أغسطس خلال العام 2014 إلا بعد استشارة الولايات المتحدة والناتو. وفي المقابل، تزامنت العمليات التي تم تنفيذها في أوكرانيا مع ذلك الهجوم الدامي على غزة.

“كما تم التنسيق لهذه العمليات العسكرية في خضم الإعداد لحرب اقتصادية والتي لا تقتصر على فرض عقوبات على الدول ذات السيادة، بل تقضي أيضًا بزعزعة الاستقرار عن عمد داخل الأسواق المالية وأسواق العملة بهدف تقويض الاقتصاد القومي للأعداء.

“كما شرعت الولايات المتحدة وحلفاؤها في مغامرة عسكرية من شأنها أن تهدد مستقبل البشرية. وحتى تلك اللحظة، فقد انتشرت قوات الناتو والولايات المتحدة في أوروبا الشرقية، فضلا عن التخدل العسكري الأمريكي في الصحراء الجنوبية الكبرى في أفريقيا بنازع إنساني. كما توجه الولايات المتحدة وحلفاؤها تهديدًا إلى الصين في إطار ما أسماه الرئيس أوباما “محور آسيا”.

“وفي الوقت ذاته، يجري عدد من المناورات العسكرية على أعتاب روسيا والتي قد تؤدي في النهاية إلى تصاعد الأحداث.

“أما الضربات الجوية الأمريكية التي بدأت خلال شهر سبتمبر 2014 والموجهة ضد العراق وسوريا بادعاء استهداف الدولة الإسلامية، فليست إلا جزءًا من السيناريو الذي يرمي لتصاعد الموقف العسكري من شمال أفريقيا مرورا بالساحل الشرقي للبحر المتوسط ووصولا إلى وسط آسيا وجنوبها. والتحالف العسكري الغربي على أهبة الاستعداد الآن، وكذلك هو الحال بالنسبة لروسيا”.

وكما أوضحت من قبل، فالشعب الأمريكي لا يبالي لأي شيء، أو بالأحرى لا يدركون حقيقة الأمر. وحتى إذا كانوا يدركونها، لنفترض أن الشعب بأكمله يعي خطورة الموقف، فهل بإمكانهم فعل أي شيء، أم إن هذا الشعب غير المبالي يخطع لسيطرة الدولة البوليسية التي خلقتها الإدارة الأمريكية لهم؟

لا أظن أنه بإمكاننا أن نضع آمالًا كبيرة على الشعب الأمريكي، فإنهم لا يميزون بين القيادة الحقيقية والزائفة، خاصةً وأن النخب الخاصة الحاكمة لن تسمح للقادة الحقيقيين بالظهور. وفضلًا عن ذلك، لا يوجد حركة واحدة منظمة لمعارضة المحافظين الجدد.

ولكن الأمل الحقيقي لا يكمن في النظام السياسي، بل يكمن في بيت الورق والأسواق المتلاعبة التي أسسها صانعو القرار، وذلك مع إمكانية تحقيق انهيارات وسط طبقة الأثرياء التي تشكل واحدًا بالمائة. ويشير “ديفيد ستوكهولم” أن هذا الناتج متوقع بنسبة كبيرة. وهذا الانهيار الذي يراه “ستوكهولم” وشيكًا هو الانهيار نفسه الذي حذر منه، بل إن عدد الأشرار الذين يمكنهم صنع هذا الانهار يفوق عدد الأشرار الذين أشار إليهم “ستوكهولم”. وتشعر بعض المنظمات المالية بالقلق إزاء نقصان السيولة بسبب الدخل الثابت (السندات) وأسواق المشتقات المالية، ولذلك تسعى “باربرا نوفاك” المؤسسة المشاركة لشركة “بلاك روك” جاهدةً لإنشاء آلية تكفل المشتقات المالية.

وسيتساءل الكثيرون ما إذا كانت طبقة الأثرياء التي تشكل واحدًا بالمائة معرضة لأي انهيار اقتصادي، فهل يمكنهم شن حرب لحماية هذه الثروة مع إلقاء اللوم على روسيا والصين بشأن المصاعب التي قد يمر بها الشعب الأمريكي؟ سأجيب أن هذا الانهيار الذي أتوقعه ويتوقعه “ستوكهولم” وغيرنا سيضع الحكومة في حالة من التأرجح على المستوى الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، مما يجعل من الدخول في حربٍ أمرًا مستحيلًا.

ونظرًا لأن واشنطن لا تواجه أي ضغوطات من جانب الشعب الأمريكي العاجز أو الدول الأوروبية التابعة لها، فهذا الانهيار الاقتصادي قد يأتي بثورات بل وبنهاية النظام الحالي.

وكلما صعُبت تداعيات هذا الانهيار على الشعب، زادت فرصه في النجاة عن تلك المتاحة أمامه في حالة اندلاع حرب نووية.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد