ماذا لو كان هناك نظرية اقتصادية واحدة لتفسير كل شيء؟ نظرية واحدة تحكم كافة النظريات وتضع التاريخ العظيم تحت جناحيها؟

ربما يكون هناك مثل هذه النظرية، وربما يكون مؤلفها هو الكاتب الاقتصادي الشهير بول كروغمان. ففي أحدث موضوعاته، نشر كروغمان رسمًا بيانيًا أطلق عليه “التاريخ القريب في رسم بياني واحد”. وقد أظهر الرسم كيف أن مستوى الدخل قد ارتفع بشدة في البلدان التي تضم طبقة متوسطة صاعدة؛ مثل الصين في العقود الأخيرة القليلة الماضية، بينما لم يتحسن كثيرًا حال الأفراد في الطبقة المتوسطة في الدول الغنية.

ولكن قبل عقود مضت، اخترع كروغمان نظرية محتملة لكل شيء يمكنها تفسير هذا الرسم البياني.

المصدر: https://krugman.blogs.nytimes.com/2015/01/01/recent-history-in-one-chart/?module=BlogPost-Title&version=Blog+Main&contentCollection=Opinion&action=Click&pgtype=Blogs®ion=Body&_r=1

 

النظرية التي نتحدث عنها ليست النظرية الكينزية (التي لطالما امتدحها كروغمان) ولا هي نظرية التجارة الجديدة (والتي حصل بسببها كروغمان على لقب أكاديمي)، بل نتحدث عن النظرية الاقتصادية الجغرافية، التي وضعها كروغمان في التسعينيات مع ماساهيسا فوجيتا من اليابان، وأنتوني فينابلز من المملكة المتحدة.

تتمحور النظرية الاقتصادية الجغرافية الجديدة في جوهرها حول المدن. وفكرتها الرئيسة بسيطة، فالشركات ترغب في علاقات وثيقة مع زبائنها، والعمال يرغبون في علاقات وثيقة مع رؤسائهم. لكن الزبائن والعمال هم نفس الأشخاص! لذا فهناك حافز طبيعي للأشخاص والشركات لأن تكون العلاقات بينهما وثيقة. لنتخيل الآن أن لديها مقاييس اقتصادية، فبدلاً من بناء مليون مصنع صغير، سيكون من المنطقي وجود القليل من المصانع أو المكاتب الكبيرة.

سنحصل حينها على تأثير كرة الثلج. تضع الشركات مصانعها الكبيرة ومكاتبها حيث يوجد الناس، وينتقل الناس حيث يمكنهم الحصول على وظيفة. ستتشكل مدينة، ولكن لا يجب أن تكبر هذه المدينة بشكل مبالغ فيه، لأنها ستحصل على المؤن من مزارع ومناجم وغابات بعيدة (ولأن سعر الأراضي يرتفع بشدة).

هنا تصبح النظرية مثيرة للاهتمام. ستكبر المدن وسيصبح الاقتصاد أغنى وأغنى. وفي نهاية المطاف، عندما نصل إلى حجم حرج، يحين الوقت لبناء مدينة جديدة. وفجأة، تظهر مدينة جديدة في مكان ما آخر وتنمو سريعًا. وفي نهاية المطاف ومع نمو الاقتصاد، ستكون هناك حفنة من المدن ولكن بعضها أكبر من البعض.

إن إحدى مخرجات هذه النظرية هي أنه نادرًا ما تنمو مدينة جديدة ما في منتصف الطريق بين مدينتين قائمتين. إن المدن الكبرى تتاجر مع بعضها البعض بالفعل، وهي في غنى عن ظهور شقيق صغير بقربها.

هنا تصبح النظرية الاقتصادية الجغرافية الجديدة نظرية صالحة لكل شيء. تخيل أن الوحدات الاقتصادية التي نناقشها ليست مدنًا وإنما بلدانًا. تختلف البلدان عن المدن قليلاً لأنه يصعب على الناس تجاوز الحدود، ولكن يسهل على البضائع ورأس المال التنقل. وهذا يشكل آلية مختلفة قليلاً، وهو ما توصل إليه كل من كروغمان وفوجيتا.

إن النتائج مذهلة؛ فسوف ينتشر التصنيع كالفيروس. سيزدهر التصنيع في بلد واحد في البداية، ثم سينتشر إلى البلدان المجاورة، أو إلى البلدان التي لها علاقات اقتصادية قوية مع دول اقتصادية قائمة بالفعل. فكر في كيفية تدشين قطاع التصنيع في المملكة المتحدة، ثم انتقاله إلى فرنسا ثم أمريكا وألمانيا ثم اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان.

في كل مرة تبدأ دولة جديدة فيها رحلتها من حالة الركود إلى أن تصبح قوة صناعية كبرى، يحدث التغيير فجأة. وبمرور الوقت، وظهور المزيد والمزيد من البلدان المتقدمة التي توفر التمويل، فكل اقتصاد صناعي ينمو بشكل أسرع من سابقه؛ مما سيؤدي إلى “نمو إعجازي” أكثر إبهارًا.

ولكن ثمة جانبًا سلبيًّا واحدًا لهذه العملية. ولأن بناء قطاع صناعي ليس عملية سهلة، فكلما أسرعت دولة جديدة في عملية التنمية، تشهد الدول الغنية القائمة بالفعل تباطؤً في النمو.

وهكذا، فربما توفر النظرية الاقتصادية الجغرافية الجديدة جزءًا من التفسير للرسم البياني الخاص بكروغمان، فضلاً عن التباطؤ العام في النمو الذي شهدته الدول الغنية منذ أن انضمت الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2000.

أخيرًا، تحكي النظرية الاقتصادية الجغرافية الجديدة قصة تثير الأمل والغضب في ذات الوقت. فهي تحمل الأمل لأنها تفترض أن حمى التصنيع ستنتشر في كل بلد على وجه الأرض، وكل ما علينا أن نفعله هو الانتظار. لكنها تثير الغضب لأن هذا الانتشار سيستغرق العديد والعديد من السنوات، وحتى لو فعلت الدول كل ما ينبغي، فعليها انتظار دورها في الطابور. كما أنها تقترح أن عملية العولمة ستتسبب بشكل دوري في تباطؤ نمو مستويات الدخل في الدول الغنية بشكل مؤقت، أو قد تنخفض قليلاً حتى قبل أن تواصل صعودها مجددًا. وهذا قد يسبب موجات من الشعور بالخوف؛ مما قد يعرقل عملية العولمة.

على أية حال، إذا كانت نظرية كروغمان صحيحة، ربما تشهد أمريكا ودول غنية أخرى تسارعًا في معدلات نموها، في الوقت الذي تسير فيه عملية نمو القطاع الصناعي الصيني حتى نهايتها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد