هل جربت يومًا تلك الوخزة في صدرك المصحوبة بخفقان شديد بالقلب، وتسارع ضرباته كأنما قد فرغت للتوّ من هدم جبل، أو قطه عشرات الأميال من الجري؟ هل مرّ عليك الشعور بارتفاع درجة حرارة جسدك واحمرار وجنتيك؟ كل هذا لمُجرد رؤيتك لشخص مُحدد ولا يحدث هذا مع سواه، هل شخصت ما تمر به تجاه هذا الشخص بأنه حب لا يقبل الحيرة أو الشك؟ ماذا إن لم يكن هذا الشخص يُبادلك تلك المشاعر، لا يحدث له ما يحدث لك عندما تراه، لا يودّ أن يظل إلى جانبك أو قريبًا منك أو ناظرًا إليك كما تودّ أنت أن تفعل معه؟! فهذا ما يُطلق عليه الحب من طرف واحد.

في هذه الحالة يُقرر العقل أن عليك أن تنأى بنفسك وتبتعد، هذا ما يقوله كل المحيطين بك، الذين يرون المشهد من الخارج، لكن الأمر ليس بهذا السهولة، لن تستطيع بضغطة زر يجعل مشاعرك تتوقف أو تتحول، بل على النقيض رفض الطرف الآخر يُزيد من تمسكك به، ويجعلك غير قادر على اتخاذ قرار البعد، فلماذا يحدث هذا؟ وما هي الأسباب التي تجعلنا نرغب بكامل قوتنا وطاقتنا في الإرتباط بأشخاص لا يبادلوننا الإعجاب، وكيف نتصرف ونتعامل مع هذا الأمر في حال حدوثه؟  

الأمر أشبه بالإدمان

يذهب بعض الباحثين إلى أن الحب هو أحد أشكال الإدمان؛ فالحب من الأشياء التي ينشط مسارات في الدماغ هي نفسها التي يتم تنشيطها من خلال تعاطي المخدرات، فاعتبروا الحب أحد أشكال الإدمان من حيث أنماط سلوكه وآلياته الدماغية.

ولوقت طويل اعتبر العلماء والناس العاديون الحب الرومانسي جزءًا خارقًا من الطبيعة، فكُتبت الآلاف من أغنيات الحب والقصائد والقصص والأوبرا والباليه والروايات والأساطير، وحدثت أيضًا آلاف الحالات من الانتحار وجرائم القتل بدافع الحب الرومانسي الذي يُعدّ شيئًا خارقًا وخارجًا عن السيطرة، وإن كانت الأدلة العلمية لا تدعم هذا المفهوم.

يُظهر الرجال والنساء الواقعون في الحب جميع الأعراض الأساسية للإدمان؛ فالمُحب يُركز بكامل طاقته مع الشخص الذي اختاره، يفكر فيه وفي الاقتراب منه بقلق شديد من عدم تحقق هذا، غالبًا وبشكل قسري يسعى إلى التواصل الدائم معه، يحب أن يراه ويُطيل النظر إليه، يحب أن يتحدث إليه، وفي حال عدم وجوده فهو يُلح في الاتصال به تليفونيًا والتواصل معه صوتيًا أو حتى عن طريق كتابة الرسائل النصية، المهم أن يكون الحبيب موجودًا بأي صورة من الصور، وهذا ما يُشبه تعامل المُتعاطي مع المُخدر إلى حد كبير.

المحبون العاطفيون يُغيرون واقعهم، قد يُشوهونه بشكل كامل، ويُعيدون ترتيب أولوياتهم وعاداتهم اليومية فقط ليكون كل شيء مُناسبًا محبوبهم ومُعدًا لاستيعاب وجوده الدائم، في بعض الأحيان قد يفعل المحبون أشياء غير مُلائمة أو محفوفة بالمخاطر لإثارة إعجاب الطرف الآخر، وكثيرون يكونون على أتم استعداد للتضحية بأنفسهم والموت في سبيل من يحبونهم.

هذا الاندفاع الأولي لابد من تدعيم بالتواصل العميق والمُشاركة، فالعلاقات الرومانسية السليمة هي التي تتطور مع مرور الوقت، وتُحول الاندفاع الكيميائي المبدئي إلى أمر إيجابي يساعد على تنشئة حياة مُزدهرة ومُستقرة ومُنتجة، من خلال اشتراك الطرفين العاشقين في أنشطة عميقة وجوهرية وأهداف خارجية يسعون إلى تحقيقها في تطورهم الفكري والحياتي.

هذا يخلق الحب العميق طويل الأمد، الذي يُحقق الازدهار في الحياة بما له من مردود صحي إيجابي، مثل زيادة المناعة في الجسم ومُقاومة الأمراض والشفاء منها، والقدرة على تحقيق مستويات أقل من الإجهاد، وفترات طويلة من النوم العميق، وانخفاض احتمالية الإصابة بأمراض الشيخوخة مثل «ألزهايمر»، لكن هذا ما لا يحدث في بعض الأحيان.

الحب من طرف واحد.. إدمان سلبي ويُسبب الأذى

يُصبح الأمر مُعقدًا بدرجة أكبر إذا كنا بصدد حالة من الحب من طرف واحد، فالمُحب دومًا ما يشتهي الاتحاد العاطفي والجسدي مع المحبوب، وإذا كان لا يوجد رغبة مُتبادلة في التواصل من الطرف الآخر، فإن الأمر يُشبه في هذه الحالة المُدمنين الذي يُعانون عندما لا يستطيعون الحصول على مُخدراتهم.

وإذا كان المحبوب يرفض العلاقة فإن هذا يجعل المُحب يمر بمرحلة تُشبه مرحلة انسحاب المُخدر من جسد المُدمن، فقد تجده يتعرض لنوبات من البكاء، والخمول، والقلق، والأرق أو فرط النوم، فقدان الشهية أو الإفراط في الأكل، العصبية المبالغ فيها، والشعور بالوحدة.

في حالة الحب من طرف واحد قد يُغامر المحبون بفعل أشياء مُهينة أو خطيرة للحصول على محبوبهم، ولدى تخطيهم للأزمة فإنهم مُعرضون للانتكاس كما المُدمنين أيضًا، عند التعرض لأحداث أو أماكن أو أشخاص أو أغاني مُعينة مُرتبطة بحبيبهم، فإن هذه الأشياء تُحفز الذكريات وتُجدد الرغبة من البدء في الحصول على وصال المحبوب.

في علم الأعصاب أُجريت بعض التجارب باستخدام تقنية الرنين المغناطيسي الوظيفي على أدمغة الأشخاص الذين تم رفضهم خلال علاقات عاطفية، ووجد أن هذا النوع من المشاعر يُحفز مناطق المكافأة بالدماغ، وهي نفس المناطق التي يتم تحفيزها بتعاطي المُخدرات؛ مما يخلق رغبة مُلحة في الحصول على وصال المحبوب، وإذا لم يكن الأمر مُتاحًا فإن المشاعر السلبية تتعقد وتزداد شراستها.

ورغم هذا فإن «إدمان الحب» مثل «إدمان الجنس»، فهما مصطلحان مُتنازع عليهما، ولم يتم ذكر أي منهما في «الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM)» ، الذي نشرته الجمعية الأمريكية للطب النفسي، المنشور في عام 2013، لكن هذا الدليل يُشير إلى المُصطلحين بـ«فرط الجنس».

10 أفلام عليك مشاهدتها إذا كنت تفكر في الزواج قريبًا

 

كيف يُمكن التغلب على هذا الشعور؟

هناك أشياء يجب أن تُدركها وأشياء أخرى يجب أن تفعلها لتخطي شعور الحب من طرف واحد، ومن هذه الأشياء:

– عليك إدراك أنه عليك تغيير الموقف لا نفسك

عندما نواجه حالة حب من طرف واحد فإننا نذهب دومًا إلى البحث عن عيوبنا ونقائصنا، ونقنع أنفسنا بأن الطرف الآخر لديه سبب ما لرفضنا، إما أن هذا السبب يعود إلى الشكل أو أحد الصفات الشخصية التي يجب النظر في تغييرها، لكن الأمر ليس كذلك، السلوك البشري في القبول أو الرفض يخضع إلى تفضيلات صاحبه لا أكثر، فما يرفضه شخص يقبله شخص آخر.

حقيقة الأمر أنه عليك تغيير الموقف والخروج منه؛ لأن هذا الموقف لن يتغير مهما اتهمت نفسك، ومهما سعيت لتغيير أشياء بك.

– لا تسمح لأحد بالسخرية من مشاعرك ولا تتبرأ منها

حينما تشعر بالحب فهذا يعني أن لديك مشاعر إنسانية طبيعية وأنك لا تتصرف بآلية أو مشاعر مُتبلدة، يجب أن تحتفل بهذا الأمر في ذاته، فلا تتهم نفسك بأن مشاعرك غريبة لأنه في بعض الأحيان لا يمكنك معرفة مصدر هذه المشاعر، وفي معظم الأوقات لا يمكنك التحكم فيها، فلماذا تتهم نفسك بسبب شيء لا يمكنك التحكم فيه؟ كذلك فلا مجال لأن يسخر أي شخص من مشاعرك مهما كانت لا معقوليتها.

Embed from Getty Images

– إدراك أن الحب العاطفي هو شكل واحد من أشكال الحب وليس كل الحب

الأفلام السينمائية والأغنيات الرومانسية ساعدت على تعزيز مفهوم أن الحب الرومانسي هو الشكل الأساسي للحب، وهو الشئ الذي يذهب إليه ذهنك بمُجرد ذكر كلمة «حب» أمامك، لكن هذا أمر خاطئ ويُزيد من سوء حالات الحب من طرف واحد، فعليك إدراك الجوانب المُختلفة للحب، وأن هُناك الكثير من الأشياء في حياتك التي تحبها، وهناك الكثير من الأشخاص الذين يُبادلونك الحب، فلديك والداك وأجدادك وإخوتك وأصدقاؤك المُقربون.

في حالة الحب من طرف واحد غالبًا ما تشعر بالخوف من الوحدة، لذلك تُصبح في حاجة إلى سند الأسرة والأصدقاء ومحبتهم، كذلك عليك فعل الأشياء التي تحبها مثل الرياضة أو الموسيقى أو القراءة فهذا يخلق حالتك الخاصة من المتعة، ويُشعرك أنك لم تخرج من دائرة الحب، حتى وإن كان هذا الحب هو حب نشاط بعينه وممارسته.

معاناة لا تنتهي

يمكن رؤية الصورة بشكل أوضح لتتمكن من الإنسحاب حينما ترى سلبيات الحب من طرف واحد بوضوح:

– ليس حبًا ولكنه تعذيب

الشخص الذي يحب من طرف واحد ينتظر شيئًا قد لا يحدث أبدًا، فهو يمعن في النظر إلى شخص لا يراه من الأساس، يفكر في شخص ما ليلًا ونهارًا وقد يكون هو لا يخطر ببال هذا الشخص، ويجعله يتعامل مع شخص بكامل طاقته وحماسه ليواجهه الطرف الآخر باللامبالاة؛ لأنه لا يشعر بنفس الشعور.

–  الأمر أشبه بساحة معركة

الحب من طرف واحد هو معركة تُقاتل خلالها عواطفك وتُصارع ومشاعرك، وتُبارز الواقع الذي لا يُحقق لك ما تتمناه، وتحارب كل ما يقوله المُحيطون بك، لكي تسمح لأوهامك فقط أن تعيش وتنمو، هي معركة لا يمكن الفوز بها، حرب لا تتوقف وتحصد الخسارة فيها مرارًا وتكرارًا، وتستسلم لشيء قادر على تدمير حياتك وضياع وقت طويل قد يصل إلى سنوات.

– الحب من طرف واحد هو تدمير ذاتي

يُدمرك هذا الشعور ذاتيًا؛ لأنه يُشكك في قيمة نفسك كل ليلة، يتساءل دائمًا ما الذي يجعلك لا تكفي ويُعرضك للرفض؟ وليُجيب عن هذه الأسئلة فإنه يُضخم من كل عيب أو نقص تراه في نفسك أو لا تحبه أنت في ذاتك، تُضخم هذا الشيء الذي لا تقبله في ذاتك وترى أنه هو السبب، وهو الذي يُعرضك للرفض، وحقيقة الأمر ليست كذلك.

غمروهن بالقنابل ثم بالحب! قصص اليابانيات المتزوجات جنود أمريكان بعد 1945

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد