صدَّقت الحكومة الأردنية على طلب بجعل جماعة الإخوان المسلمين جماعة خيرية محلية مُرخصًا لها، ممهدةً الطريق للفصل بين الفرع الأردني للجماعة والمنظمة الإقليمية التي يقع مقرها في القاهرة. إلا أن هذا التحرك لقي مقاومة، ليس من جانب الحكومة، وإنما من جانب مجلس شورى الجماعة. فقد رفض المجلس القرار واعتبره تدخلًا في الشئون الداخلية لأكبر حركة إسلامية، بما يوضح تعمق الانقسام بين الجماعة والدولة، وأيضًا داخل الجماعة نفسها.

 

وقد قاد هذا التحرك قادة سابقين في الجماعة تحت ظل مبادرة سميت “مبادرة زمزم”، والتي تهدف إلى التصريح للجماعة على أنها جماعة أردنية، ولا تنزوي تحت لواء الجماعة الأم في مصر. لكن مجلس شورى الجماعة قاوم تلك التغييرات باستمرار، بل ولجأ إلى طرد العديد من القادة البارزين في الجماعة بسبب جهودهم مع مبادرة زمزم.

 

يقول مجلس شورى الجماعة إن أولئك الأعضاء السابقين، الذين يوصفون بالإصلاحيين، يقوضون أكبر حركة إسلامية في الأردن، بينما يعتقد مطلقو مبادرة زمزم أنهم ينقذونها. إن التحديات التي تواجه كلا الفصيلين، بما فيها التحديات الوجودية، كبيرة جدًا. لكن هذا الصدع الذي يصيب الجماعة ليس جديدًا، فعلى مدى سنوات طويلة، كان ينظر إلى الحركة الإسلامية على أنها منقسمة بين الصقور والحمائم. فالصقور، أصحاب السياسات الأكثر تشددًا، ثابتون على تعاطفهم مع فلسطين وعلاقات الإخوان بحماس. أما الحمائم، الأكثر اعتدالًا وذوو التوجهات الداخلية الأكبر، قلقون من أن العلاقات مع حماس تقوض موقف الإخوان المسلمين داخل الأردن. وقد تعقدت تلك الانقسامات بسبب سياسات الهوية الأردنية، حيث يعتبر العديد من الأردنيين ذوي الجذور الفلسطينية أنفسهم صقورًا، بينما يعتبر العديد من الإسلاميين الأردنيين الشرقيين أنفسهم حمائم. لا يجب الإفراط في التأكيد على هذا المنظور، لكنه حقيقي وعادة ما يستخدم كحربة للهجوم من قبل معارضي الجماعة.

 

يعود تاريخ جماعة الإخوان إلى تاريخ استقلال الأردن في عام 1946. بدأ الإخوان نشاطهم في الأردن كمنظمة خيرية مرتبطة بالتنظيم الأم في مصر. وفي عام 1953، منحت الجماعة صفة قانونية بوصفها مجتمعًا إسلاميًّا، وفي عام 1992، أضافت حزبًا سياسيًّا، جبهة العمل الإسلامي، إلى هيكلها التنظيمي. لكن الحملة الإقليمية العنيفة التي شنت ضد جماعة الإخوان المسلمين منذ سقوط محمد مرسي في مصر هزت بعنف أسس الجماعة.

 

وعلى المستوى الدولي، تقارب الأردن مع تحالف عربي يشمل مصر والسعودية والإمارات للتصدي للجماعات الإسلامية المسلحة. فقد حظرت الدول الثلاثة الأخيرة جماعة الإخوان، وتمارس ضغوطًا على الأردن لفعل المثل، إلا أن الأردن ما زال يقاوم هذا التوجه. ورغم الانشقاقات والمشكلات التي تواجهها، تظل جماعة الإخوان أكبر حركة معارضة وأفضلهم تنظيمًا في الأردن. وبالنسبة لمن في الحكم ويرغبون في إحداث توازن بين قوى المعارضة، تعتبر جماعة الإخوان قوة منافسة للعلمانيين اليساريين والسلفيين المتعاظم نفوذهم.

 

يخشى الإصلاحيون في الجماعة من أنهم إن لم يتصرفوا الآن، سيمنحون النظام ذريعة للسير على خطى حلفائه العرب بحظر الجماعة. ولهذا هم يستخدمون لغة تشبه لغة الحكومة، بالتأكيد على جذورهم الأردنية، في محاولة منهم للحفاظ على الحركة الإسلامية، ولقطع العلاقات مع حماس وأفرع الجماعة في مصر ودول الخليج.

 

ربما يكون الإسلاميون الأردنيون في موقع دفاعي ولكنهم لم ينهزموا. ويبقى السؤال على المدى الطويل هو عن العلاقة بين الإخوان المسلمين والدولة. ولكن على المستوى الداخلي، يبقى السؤال على المدى القصير هو الأكثر إلحاحًا: أي نوع من المنظمات تود جماعة الإخوان المسلمين أن تصبح عليه؟ وكيف ستتعامل مع الضغوطات الإقليمية والداخلية والتحديات من رفقائها من الإسلاميين؟ وحتى تعطي الجماعة إجابات شاملة وموحدة على تلك التساؤلات، ستبدو وكأنها جماعتين وليست جماعة واحدة.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد