بعد حوالي 340 يومًا من حياته في بيئة معدمة الوزن بالفضاء، وبعد تعرضه لجاذبية تقدر بأربعة أضعاف جاذبية كوكب الأرض، خلال دخول مركبة الفضاء إلى غلاف الأرض قادمةً من الفضاء، عاد رائد الفضاء الأمريكي سكوت كيلي إلى كوكب الأرض.

عاد كيلي إلى الأرض قادمًا من محطة الفضاء الدولية، بواسطة كبسولة فضائية حملته هو وزميلين روسيين له، إلى السهول الجليدية لدولة كازاخستان، ليتم إدخاله إلى خيمة مجهزة وإجباره على الجري في مضمار.

الفترة التي بقاها رائد فضاء وكالة ناسا الفضائية الأمريكية، تعد واحدةً من أطول الفترات التي قضاها البشر في الفضاء، مع ملاحظة أن الرقم القياسي مسجلٌ باسم رائد الفضاء الروسي فاليري بولياكوف، الذي استمر في الفضاء لمدة 437 يومًا. وتشمل مهام كيلي خلال هذه الفترة التي قضاها في الفضاء، ممارسة عدد من مهامه الروتينية المكلف بها، مثل إصلاح نظام التبريد بالأمونيا، وتوجيه الكابلات لمكان رَسو المركبات الفضائية، والأهم من ذلك هو أن يكون «فأر تجارب» للبشرية من أجل إتمام التجارب الأولية بغرض الوصول إلى المريخ.

ويقول كيلي البالغ من العمر 52 عامًا، إنه وزميله الروسي ميخائيل كورنينكو، كانا تحت العشرات من التجارب الطبية والعلمية خلال فترة إقامتهما في محطة الفضاء الدولية؛ بغرض فحص واستكشاف كيف يستجيب الجسم لحالة انعدام الوزن، وكيفية الاستجابة للإصابة بوابل من الأشعة، وذلك على ارتفاع أكثر من 430 كيلومترًا فوق سطح الأرض.

ما بعد العودة

يشرح كيلي ما تعرض له عند عودته إلى الأرض، قائلًا: «ذهبنا لممارسة ساعة من الاختبارات الميدانية المختلفة، واحدة منها كانت أشبه بسباق قفز الحواجز، كما شملت عمليات الوقوف من وضع الجلوس ثم القفز».

وذكر أحد زملائه في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، أن سبب هذه التدريبات، هو أن يكون كيلي عينةً طبيةً تمشي وتتنفس وتعيش بصورة طبيعية؛ كي يمكن إجراء التجارب عليه، ومعرفة ما تأثر به طوال الوقت الذي قضاه في الفضاء.

والغرض الرئيسي من هذه التجارب، هو معرفة مدى تأثر البشر بحالة انعدام الوزن لفترات طويلة، بغرض تجهيز رواد فضاء للسفر إلى المريخ، في أول رحلة من نوعها لإرسال البشر لسطح المريخ في التاريخ. وشملت الأبحاث التي أُجريت دراسةً مقارنةً بين كيلي وشقيقه التوأم مارك، والذي كان رائد فضاء سابق، من أجل مساعدة ناسا على معرفة والاستعداد للمطالب المادية والنفسية التي يجب أخذها في الحسبان عند سفر طاقم رحلة المريخ، وذلك خلال العقد الثالث من القرن الحالي كأول رحلة مأهولة تتجه صوب الكوكب الأحمر.

كيلي سيحظى باهتمام أكثر بكثير من زميله الروسي بولياكوف الذي قضى نفس الوقت أيضًا على محطة الفضاء الدولية، وذلك نتيجة لوجود توأم له يمكن استخدامه كنموذج لمقارنة التغيرات التي قد تطرأ عليه.

طول الجسم يتغيّر!

عدد من التغيرات تمكن علماء ناسا من معرفتها وتحديدها بالفعل، في انتظار تغيرات أخرى محتملة سيتم اكتشافها عبر دراسة المزيد عن رائد الفضاء كيلي.

أهم ما ظهر من تغيرات على كيلي كانت أنه أصبح أكثر طولًا بمقدار بوصتين (حوالي 5 سنتيمترات) من أخيه التوأم. ويعتقد الباحثون أن حالة انعدام الوزن الموجودة في الفضاء الخارجي، قد تسببت باستطالة في العمود الفقري لكيلي، وهو ما يعني أيضًا أن هذا الطول الإضافي لكيلي سيتم فقدانه بشكل تدريجي.

ولتوضيح هذه النقطة يجدر الإشارة إلى أن أي زيادة طبيعية تحدث في طول الإنسان في مراحله العمرية المختلفة، هي تغيرات ناتجة عن زيادة في عدد الخلايا، إذ تقوم الخلايا الموجودة في نهاية العظام الكبيرة بالتكاثر وإنتاج خلايا أكبر تُحول إلى خلايا عظمية تسبب زيادةً في الطول. لكن في حالة كيلي، فإن الزيادة جاءت نتيجة لاستطالة في الخلايا وليس زيادة في العدد، كأنك قمت بشد شريط مطاطي، فستلاحظ أنه ازداد في الطول، فإذا ما تركته فإنه يعود مرة أخرى لطوله الطبيعي.

وتعلم ناسا الكثير من المخاطر التي يمكن أن تؤثر على الإنسان؛ نتيجة بقائه لفترة طويلة على محطة الفضاء الدولية، ولذلك فإن غالبية رواد الفضاء لا يذهبون إليها لفترات أكثر من ستة أشهر، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الفترة تشهد تغيراتٍ كثيرة في أجساد الرواد.

وأشياء أُخرى

ومن أهم ما يصيب الإنسان نتيجة بقائه لفترة طويلة في الفضاء، ونتيجة لقلة المقاومة والجاذبية التي يتعرض لها، هو الوهن والضعف الذي يصيب جسده تدريجيًّا. إذ لا يستطيع الجسم الحفاظ على قوته بسهولة في ظل هذه الظروف. وهذا يعني أن العضلات والعظام تحديدًا تصبح أكثر ضعفًا مع الوقت. هذا التأثير من الممكن أن يكون خطيرًا على الإنسان عند عودته لكوكب الأرض مرة أخرى.

هذه الخطورة تعود إلى أن العظام تكون أكثر هشاشة بكثير خلال الوقت الذي يقضيه في الفضاء، وذلك لأن خفة وزن الإنسان في الفضاء، تجعل العظام لا تتحمل وزن الإنسان التي كانت معتادة عليه على كوكب الأرض. وبالتالي تصبح العظام ضعيفة وقابلة للكسر بسهولة. ونتيجة أيضًا لقلة الوزن الضاغط على العظام في الفضاء، فإن العظام والجسد بشكل عام يقوم بإطلاق المزيد من الكالسيوم لمعادلة هذا الضعف، مما يمكن أن ينشأ عنه تكون الحصوات في الكلية أو حدوث كسور.

نفس هذا التأثير يمكن أن يحدث أيضًا للعضلات. ونتيجة لقلة استخدام العضلات، ولأن الوزن يكاد يكون منعدمًا، وبالتالي لا توجد مقاومة، فإن العضلات تصبح أكثر ضعفًا؛ مما يتسبب في حدوث إصابات بها عند عودة استخدامها على كوكب الأرض.

الدم والإشعاعات

ومن التأثيرات المباشرة لقلة الجاذبية في الفضاء، هو ميل الدم للدوران والتدفق أكثر في الجزء العلوي من الجسم، وبخاصة الرأس، وبالتالي لا يوجد هنا داعٍ لأن يعمل القلب بكامل قوته من أجل ضخ الدم عكس اتجاه الجاذبية الأرضية، كما كان يحدث على سطح الأرض.

وأيضًا في الفضاء لا يوجد غلاف جوي يحميك من الأشعة الضارة المنتشرة في أنحاء الكون، أو تلك القادمة مباشرةً من الشمس. وبالتالي فإن البقاء لفترات طويلة في الفضاء يؤدي إلى زيادة تعرض الإنسان للإشعاعات. ولنكون أكثر دقة فإن العلماء حتى هذه اللحظة لا يعلمون تحديدًا ما هي تأثيرات التعرض الطويل للإشعاعات الكونية في الفضاء.

وعندما نتحدث عن زيارة المريخ، فهناك العديد من التحديات التي ستواجه طاقم ورواد الرحلة المنتظرة، خصوصًا وأن الجاذبية هناك أقل بكثير من الجاذبية على متن المحطة الفضائية الدولية. لذلك يحاول العلماء الوصول لأقرب تصور ممكن لما سيكون عليه وضع رواد الفضاء خلال رحلتهم تجاه الكوكب الأحمر، وخلال بقائهم هناك لفترة معينة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد