منذ 30 عامًا أو يزيد تدور حرب شرسة، لم يلاحظها الكثيرون، معاركها غير معتادة، وعتادها أدوات لم ينتج مثلها من قبل، وميدانها فسيح لدرجة أن الفضاء نفسه قد يكون أضيق من أن يقاس به. تلك الحرب دائرة حتى الآن، ولم تنته، وعلى الأرجح لن تنتهي قبل أن يصبح هناك فعلًا أخ أكبر يراقب الجميع والكل يأتمر بما يقول ويحذو حذو ما يفعل، قد يكون هذا الأخ الأكبر هو فيسبوك أو جوجل أو حتى خليطًا منهما، فيكون «فيسجول» أو «جوجبوك»، لا أحد يدري ما الذي سيفسر عنه المستقبل.

الخمسة الكبار و30 عامًا من كل شيء و617 كيانًا مندمجًا

منذ عام 1985 بدأت رحى الحرب بين الخمسة الكبار الذين يتقاسمون ما يحدث الآن على ساحة الإنترنت والتكنولوجيا ولا يبدو أنهم سيكتفون قريبًا فشركات جوجل (التي أصبحت الآن ألفابايت) وأمازون وأبل ومايكروسوفت والعملاق الجديد المنضم حديثًا ليكمل أضلاع الخماسي الأكبر وهو فيسبوك، قاموا بالاستحواذ على 617 شركة فيما يقرب من 30 عامًا دون احتساب الصفقات الثلاث الجديدة لأمازون التي تنظر للشرق الأوسط نظرة حالمة.

استحوذت جوجل على ثلث المجموع كله، فقامت بشراء وضم وإعادة هيكلة 215 شركة، بمعدل 12 شركة كل عام أي ما يساوي: استحواذًا جديدًا كل شهر، كل هذا لشركة وليدة وعتيدة في صناعة تتعلق بالتكنولوجيا أو حتى صناعات متعددة؛ جوجل التي تتوسع كل يوم دون أن يدرك حتى العاملون فيها الحجم الذي تصل إليه الشركات كلها معًا فهناك بعض النطاقات والمشروعات التي يعمل عليها أفراد وأطقم معينة في ألفابيت لا يدري عنها باقي الشركات في المجموعة حتى.

اقرأ أيضًا: 194 شركة استحوذت عليها جوجل.. هذه أبرزها

إجمالي الرقم المعلن للصفقات المعلنة قيمتها، يقترب دون احتساب سعر الصرف ومعدلات التضخم للسنوات الماضية من رقم يتخطى 128.5 مليار دولار. تتصدر مايكروسوفت بصفقتها الفريدة من نوعها وقت استحواذها على شبكة لينكد إن العملاقة بمبلغ 26 مليار دولار لتكون مايكروسوفت صاحبة الاستحواذ الأغلى والأعلى في مجال التكنولوجيا ولتصبح الأضخم في معدل الإنفاق على الاستحواذات الذي اقترب من 66 مليار دولار من أصل المبلغ الإجمالي لكل الاستحواذات للشركات الخمس معًا.

اقرأ أيضًا: قائمة «ساسة بوست» لأبرز 10 أحداث اقتصادية في العالم لعام 2016

شهد عام 2014 غزارة من الشركات الخمس معًا، في كم ما تم الاستحواذ عليه، حيث تم الاستحواذ على 68 شركة في ذلك العام وحده كما شهد أيضًا الاستحواذات الأعلى قيمة لثلاثة من الكبار، فاستحوذت أبل فيه على بيتس واستحوذ فيه فيسبوك على واتساب صاحب الكلفة التاريخية في وقتها بمبلغ 19 مليار دولار واستحوذ فيه أمازون على تويتش في صفقته الأعلى قيمة على الإطلاق.

الصفقات الثلاث الأعلى قيمة في تاريخ الاستحواذات

أشرنا لاستحواذ مايكروسوفت الأعلى تكلفة على مر التاريخ وشرائها للشبكة العملاقة لينكد إن بمبلغ 26 مليار دولار وسنناقش في السطور القادمة ما الهدف من وراء قيامها بذلك، وهل تستحق تلك الصفقة فعلًا أم لا، وسنستكمل الآن الحديث عن باقي الاستحواذات الهامة وباهظة الثمن.

كانت ثاني أكثر الصفقات تكلفة هي صفقة فيسبوك واستحواذه على واتساب في 2014 بمبلغ 19 مليار دولار، الأمر الذي يؤكد نظرة مارك الزئبقية نحو المستقبل وليكمل عقد صفقات فيسبوك التي لا تنتهي ولن تنتهي قريبًا على الأرجح، وكانت ثالت أكبر الصفقات هي صفقة جوجل التي استحوذ فيها على شركة الهواتف والتقنية العملاقة (موتورلا) في عام 2011 بقيمة 12.5 مليار دولار، في حين جاءت أعلى صفقة لأبل كما ذكرنا في استحواذها على بيتس بقيمة ثلاثة مليارات دولار في 2014 ثم كانت أكبر صفقة تكلفها أمازون هي صفقة استحواذها على تويتش بقيمة 970 مليون دولار في نفس العام 2014.

ما الذي كسبته مايكروسوفت من الصفقة الأكثر كلفة على الإطلاق؟

السؤال الجدير بالذكر الآن في حالة مرورنا على واحدة من أعجب وأكبر الصفقات الخاصة بالاستحواذ في التاريخ، هو ما الذي جنته مايكروسوفت من الاستحواذ على لينكد، فما الذي يميز لينكد إن لتلك الدرجة التي تجعل مؤسسة تنفق كل تلك الأموال في سبيل الاستحواذ عليه؟ هل فعلًا يمثل لينكد إن مستقبل مايكروسوفت كما أشارت بعض التقارير؟ ببساطة بعد استحواذ مايكروسوفت الضخم على لينكد حدثت بعض التغييرات الجذرية حتى في نموذج  التربح والتعامل مع لينكد إن.

 أشارت تقارير منشورة ومنسوبة للينكد إن إلى أن أرباح لينكد ارتفعت في عام 2016 مقارنة بعام 2015 بنسبة 35% ومتوقع أن تزيد النسبة هذا العام، فمع إيرادات تقترب من حاجز المليار دولار للربع الثالث من 2016 ترى مايكروسوفت أن رهانها أثمر ونجح، فقد زدات نسبة أعداد المشتركين في الحسابات المدفوعة في لينكد إن خصوصًا بعد طرح الحساب التعليمي، وهو الخيار الأرخص للحسابات المدفوعة في لينكد إن، فببساطة زيادة عدد المشتركين في الحسابات المدفوعة معناه ببساطة زيادة الإيرادات التي تأتي من هذا المنتج.

اقرا أيضًا : لماذا قامت «مايكروسوفت» بشراء «لينكد إن» مقابل 26 مليار دولار؟

وبنظرة ثانية فتغيير نموذج التربح وإضافة الخيار التعليمي معناه أن يقضي زوار الموقع وقتًا أطول في الموقع؛ الأمر الذي يزيد من فرص زيادة الإعلانات المطروحة على الشبكة، وهو ما تحقق بالفعل في العام الماضي، فقد زادت نسبة الإعلانات تقريبًا بنسبة الضعف أو أكثر، إضافة إلى المنتج الثالث المتعلق بالتوظيف المباشر والمدفوع الذي زادات إيرادته بنسبة مهولة خلال نفس العام، وهو ما يعكس توجه مايكروسوفت بأن تبقي على كيان لينكد إن كما هو، لأن رؤيتهم في البداية في استحالة دمج الشبكة وضمها لمايكروسوفت كان خيارًا صائبًا تمامًا، في نظر العديد من المراقبين.

الحرب المقبلة في مجال التسوق الإلكتروني

في هذا العام بدأت أمازون بداية مختلفة حيث استحوذت في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي على شركة هارفست وهي شركة مختصة بتتبع الدفع الإلكتروني وتصيد عمليات التحايل وضمان المعلومات الحسابية وعمليات الدفع، ثم أتبعت تلك الصفقة بصفقة أخرى في فبراير (شباط) واستحوذت على بيفورت المتعلق بتحليل الأسواق المالية في الشرق الأوسط وعمليات الشراء على الإنترنت لتكمل أمازون عتادها وتستحوذ في الشهر الحالي على موقع سوق دوت كوم الإماراتي الأصل برقم فاوضوا فيه كثيرًا ليصل إلى 650 مليون دولار في منافسة كانت شبه معدومة مع الشركة التي تراهن على منصة نون للتسوق التي سيتم إطلاقها قريبًا على حد قولهم.

اقرأ أيضًا: «بنحو 20 مليون منتج».. هل سينافس متجر «نون» أمازون و«علي بابا»؟

قبل استحواذات أمازون تلك، كان لديها جيش سابق من الشركات التي تعمل في مجال التسوق الإلكتروني حيث قامت بالاستحواذ على 22 شركة منذ عام 2011، الأمر الذي يعكس نشاطها المحموم والسريع نحو تأسيسها كيانًا يمكن أن يشكل منافسة ضد العملاق جوجل الذي قام بالاستحواذ على 19 شركة في ذلك المجال في آخر خمس سنوات منهم 17 شركة قام بالاستحواذ عليهم في عام 2011 وحده.

ما الذي قد يقدمه أمازون لسوق دوت كوم وما الذي يمكن أن يحدث في المنطقة العربية؟

مع دخول عملاق مثل أمازون بتقنياته وشركاته وخبرته المهولة في التسوق عبر الإنترنت سيقدم أمازون ببساطة لسوق دوت  كوم كل شيء يمكنه من استكمال النسبة الناقصة من عملاء الشراء عبر الإنترنت والتسوق (الأونلاين)، الأمر الذي قد يرفع تلك النسبة التي يسيطر عليها سوق دوت كوم من 78% لنسبة أعلى؛ خصوصًا مع زيادة عدد المنتجات من ثمانية ملايين منتج لأي عدد يستطيع أمازون توفيره للعملاء في المنطقة العربية التي تشهد دخول منافس جديد شرس يعلن أنه سيقوم بتوفير 20 مليون منتج في انطلاقته التي يقول إنها ستكون قريبة جدًا.

يبشر دخول أمازون ومنصة نون دوت كوم الأمر، بأنه ستكون هناك زيادة مهولة في أرقام من يقومون بالتسوق عبر الإنترنت والشراء أونلاين ببساطة لتعدد الخيارات والتنافسية العالية في ذلك المجال وسرعة التسليم والأمور التي سيحرص المتنافسون على توفيرها في حرب قادمة ستؤدي على الأرجح إلى التوفير والترفيه على المستهلك العربي في المقام الأول.

قد تشهد المنطقة حراكًا شديدًا في الفترة المقبلة نظرًا لتغير طباع المستخدمين والمستهلكين إضافة إلى أن الحلبة في ذلك المجال تستحق أن ينضم إليها لاعبون أكبر وأكثر، فقد نشهد تواجد جوجل بكثافة أكثر وفي مجالات أوسع من تذاكر الطيران والخدمات التي تقوم بها بشكل طفيف، كما يمكن أن يكون فيسبوك يعد عدته في المتاجر الإلكترونية التي لا تحتاج لأي موقع إلكتروني ولا تحتاج حتى أن تخرج من فيسبوك ويمكن لأصحاب المتاجر أن يستلموا دفعاتهم ومستحقاتهم عن طريق حسابهم البنكي؛ الأمر الذي يبشر بدخول العملاق فيسبوك تلك المنقطة قريبًا خصوصًا مع المنافسة الشرسة التي ستبدأ بعد اكتمال عملية دمج أمازون وسوق دوت كوم وانطلاق منصة نون دوت كوم.

قد يكون مفيدًا أن تقرأ أيضًا: كيف يبدو مستقبل التسوق عبر الإنترنت حول العالم؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد