أحمد طلب

21

أحمد طلب

21

832

لم يتبق سوى القليل على خطوة السعودية التي ينتظرها الجميع في الداخل والخارج، سواء في سوق النفط أو المستثمرين بأسواق المال العالمية، إذ أن طرح عملاق النفط «أرامكو»، سيكون حدثًا تاريخيًّا بكل المقاييس، ولا شك أن هذا الحدث سيغير كثيرًا من الحسابات بسوق النفط، فمن الصعب أن تبقى الأمور على حالها، وبالطبع هذا التغير سيبدأ بالمملكة، ولكن نتائج التغير لن تكون قاصرة على الرياض فقط، فتأثير السعودية في سوق النفط ليس بالقليل، لذلك فإن أي تغير في السياسات النفطية للمملكة ستكون نتائجه ظاهرة على منظمة «أوبك» أولًا ثم منتجي النفط في العالم ثانيًا.

هل يمكن أن تضحي السعودية بمكانتها في «أوبك»؟

في 28 سبتمبر (أيلول) الماضي، قالت وكالة «رويترز» خلال تقرير لها إن إدراج حصة من أسهم شركة أرامكو السعودية -عملاق صناعة النفط المملوك للدولة- سيغير شكل سياسة الرياض تجاه أوبك، إذ تحدثت مصادر للوكالة عن أن إصرار السعودية على الاتفاق النفطي الأخير لم يكن بهدف ضمان سلاسة تدفق إمدادات الطاقة العالمية فقط، بل كان لأجل دفع أسعار النفط للارتفاع لتعظيم قيمة شركة «أرامكو» قبل طرح أسهمها.

إذًا المملكة على أتم الاستعداد للتضحية بالكثير من أجل إنجاح خطة الطرح العام الأولي لأسهم أرامكو، الذي من المتوقع أن يكون الأضخم من نوعه في التاريخ، وهذا الموقف يمثل تحولاً في الدور الذي لعبته المملكة على مدى عشرات السنين والقائم على المناداة بضبط النفس، وكذلك تحول عن سياستها القائمة على منح الأولوية لحصتها في السوق عن طريق ضخ النفط بأقصى قدرة، إلى تأييد تخفيضات الإنتاج في أعقاب قرار طرح أسهم أرامكو.

عموما يبدو أن سياسة السعودية الجديدة لا تعول كثيرًا على منظمة أوبك، لدرجة أن انسحاب المملكة من المنظمة أمر لم يعد مستحيلًا، ففي أواخر 2016، وقبل اجتماع عقدته منظمة أوبك في فيينا خلال نوفمبر (تشرين الثاني) تحدث المسؤولون السعوديون عن أنه إذا لم يتم التوصل لاتفاق فإن المملكة مستعدة للانسحاب من المنظمة بالكامل، كما أن طرح أسهم أرامكو يثير تساؤلات عن الدور السعودي في أوبك مستقبلا إذ أن المملكة ستصبح العضو الوحيد في المنظمة الذي له شركة نفط وطنية أسهمها مدرجة في الخارج.

يرى المحللون أنه بمجرد طرح أسهم أرامكو ستضطر الشركة لأخذ مصالح المستثمرين الخارجيين في الاعتبار، إذ سيتعين عليها أن تبرهن للمستثمرين أنهم سيستفيدون ماليًا من أي خطوة لها، كما أن قواعد الإدراج ومكافحة الاحتكار، تمنع تحديد الأسعار وهو ما قد تُتهم به أرامكو إذا استمرت في اتباع سياسة المملكة تجاه أوبك القائمة على تعديل الإنتاج للتحكم في الأسعار، وفي ظل نية السعودية على أن تبقى قرارات الإنتاج في يد الحكومة التي ستملك الغالبية العظمى من أسهم الشركة بعد الطرح، ربما تقع أرامكو في ورطة الدعاوى القضائية تلك وغالبًا ستكون عواقبها وخيمة.

يشار إلى أن السعودية تهدف لإدراج حوالي 5% من أرامكو خلال العام القادم 2018، في بورصة الرياض وفي واحدة أو أكثر من بورصات الأسهم العالمية، ومن الأسواق المرشحة لندن ونيويورك وهونج كونج، ويمثل طرح أسهم أرامكو أبرز ما في «رؤية المملكة 2030»، إذ يأمل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن يسفر الطرح عن تقدير قيمة أرامكو بما لا يقل عن تريليوني دولار، لتفاصيل أكثر عن طرح أرامكو، اقرأ أيضا:

من المسيطر الآن على سوق النفط العالمي؟

لم تعد السعودية وأوبك تسيطران – دوغلاس راشلين

هكذا قال المدير العام لمؤسسة «Rachlin Group»، دوغلاس راشلين، في 19 مايو (أيار) 2017، موضحًا أن تأثير أوبك القوي على السوق تضاءل بفعل الازدهار الدراماتيكي للصخر الزيتي الأمريكي، الذي بات لاعبًا عالميًا رئيسيًا في السوق، إذ يستطيع الاستمرار في الضخ خلال تدني أسعار النفط، ما يعني أن أوبك لا يمكنها «التلاعب بالأسعار»، وأن «ثورة الصخر الزيتي غيرت الكثير من الأشياء»، على حد تعبيره.

لا شك أن الظروف الحالية تكشف أن السعودية وأوبك في أضعف حالتهم، فمع تراجع الرياض بات يثار تساؤلات عن مستقبل أوبك نفسها في ضوء أن المملكة هي القوة الدافعة لها منذ إنشائها قبل حوالي 60 عامًا، فالمنظمة التي كانت تسيطر على ثلثي صادرات النفط الخام في العالم وتنظيم عمليات الإنتاج والسيطرة على الأسعار، باتت فاقدة للسيطرة تقريبًا على كل شيء، سواء العرض أو الطلب، وكذلك الأسعار.

ولم يعد إنتاج أوبك يمثل سوى نحو ثلث المعروض العالمي من النفط، وفي مؤشر على هذا الوضع غير المسبوق حاولت أوبك التقارب مع أبرز منتجي النفط الصخري الأمريكي في مارس (آذار) 2017 في هيوستن، وفي الوقت ذاته تحاول السعودية فعل أي شيء لتوجيه السوق لكنها حتى الآن لم تنجح، وبالرغم من أن صادرات السعودية من النفط الخام تراجعت في يوليو (تموز) الماضي، إلى 6.69 مليون برميل يوميًا مسجلة أدنى مستوياتها في 35 شهرًا، بحسب بيانات رسمية صادرة عن مؤسسة (JODI)، لا يبدو أن هذا خفض الرياض للإنتاج بأكثر مما هو مطلوب لمساعدة أوبك في تحقيق الالتزام التام بالتخفيضات ورفع الأسعار، يؤثر كثيرًا على السوق.

وفي نفس الوقت، يؤكد المتخصصون أن تقييم شركة أرامكو سيتأثر بشكل مباشر بأسعار النفط، لذلك يسعى السعوديون للوصول بالأسعار إلى 60 دولارًا للبرميل هذا العام، إذ اقترحت مصادر مصرفية أن يتم توقيت الطرح بحيث يتزامن مع تداول النفط في الأسواق بين 60 و70 دولارًا للبرميل، إلا أن أسعار النفط تأرجحت حول 50 دولارًا للبرميل معظم العام، وتجاوزت هذا الأسبوع 58 دولارًا، وكل هذه المعطيات تكشف أن أوبك والسعودية لم يعد في وسعهما تحريك السوق.

حال بقاء أوبك.. لمن تكون السيطرة بعد السعودية؟

في الثاني من يونيو (حزيران) 2016، قالت إيران خلال تصريح لوزير الطاقة إن أوبك لا يمكنها السيطرة على أي شيء بدون حصص للإنتاج، وفي الواقع هذه الجملة جديرة جدًا بالاهتمام، فإذا لم تتحكم أوبك بالإنتاج فلا داعي لوجودها، وبما أن السعودية ستكون مضطرة للبعد عن لعبة الإنتاج فهي ستكون عاجزة داخل أوبك، وبالتالي سيتراجع دورها كثيرًا، وهو الأمر الذي سيكون بمثابة فرصة لإيران التي كانت عودتها من بعد رفع العقوبات عنها قوية، وكان لها دور فاعل كذلك في الاتفاق النفطي بالرغم من أنه تم إعفائها من الاتفاق.

إذًا في حال فرضنا بقاء أوبك مع تراجع سيطرة السعودية، فيمكن القول إن الفرصة سانحة لإيران لتكون ذات دور أكبر في أوبك، إذ أظهرت مؤخرًا، تقارير أن حجم صادرات النفط الإيراني وصل خلال شهر سبتمبر (أيلول) إلى 3.81 مليون برميل يوميًا بعد أن كان 3.79 مليون برميل يوميًّا خلال شهر أغسطس (آب)، إذ ذكر مسح أجرته «رويترز» أن إيران عززت إنتاجها حيث ارتفع إنتاج إيران من النفط يوميًّا 20 ألف برميل.

وفي الواقع حققت إيران كل ما كانت تريده من سوق النفط في العامين الماضيين، ففي 2015 عندما كانت تضخ السعودية كميات إضافية من النفط في السوق كانت إيران ترغب من السعودية التقليل من الإنتاج لتتمكن من دخول سوق النفط العالمي بعد سنوات من انقطاعها عنها بسب العقوبات التي فرضت على البلاد والتي ارتبطت بالبرنامج النووي، وبالفعل فعلت المملكة ذلك وكان لإيران ما أرادت، ورغم ذلك كانت طهران أكبر العوائق أمام الاتفاق النفطي.

وتملك إيران نحو 60 مليار برميل للنفط، وهذا فقط في الإقليم جنوب غربي البلاد، وكانت التقديرات تشير إلى أن إيران تربح من زيادة إنتاجها بعد رفع العقوبات حوالي 175 مليون دولاراً في اليوم، عند مستوى أسعار عام 2016 التي كانت تقترب من الـ 40 دولارًا، ومع ارتفاع النفط تتزايد الأرباح، وهذه الأرباح الإضافية ستساعد على تقوية الدور الذي تلعبه إيران بالمنطقة وكذلك بأوبك.

يشار إلى أن واردات كبار المشترين في آسيا من النفط الخام الإيراني زادت في أغسطس (آب) الماضي للشهر الثاني على التوالي لتبلغ أعلى مستوياتها منذ مارس (آذار)، إذ أن الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان استوردت معًا 1.64 مليون برميل يوميًا في الشهر الماضي، وزادت واردات الصين الشهر الماضي 5.5% من مستواها قبل عام إلى 786 ألفًا و720 برميلًا يوميًا وهو أعلى مستوى شهري منذ 2006، وفقًا لبيانات رويترز أيكون، بينما قفزت واردات كوريا الجنوبية 46.7% إلى أعلى مستوى في 5 أشهر عند 407 آلاف و323 برميلًا يوميًا.

وفي ظل هذه الفوائد، تهدف إيران لزيادة إنتاج النفط إلى نحو 4 ملايين برميل يوميًا بحلول نهاية العام، وإلى 4.5 مليون برميل يوميًا في غضون خمس سنوات، من حوالي 3.8 مليون برميل يوميًا في الشهور الماضية، مستغلة بذلك إعفائها من اتفاق خفض الإنتاج، وهو ما يعد انتصارًا لطهران التي قالت إنها تحتاج لاستعادة حصتها السوقية التي فقدتها بسبب العقوبات الغربية.