توقعات ضعيفة بأن تقرر قمة منظمة “أوبك” تقليص إنتاجها، الأمر الضروري لملاحقة تدحرج سعر برميل النفط المنخفض, لكن قرار المنظمة جاء مخيبًا للكثير بعدما قررت استمرار إنتاج النفط بنفس المعدلات المرتفعة مع استمرار الانخفاض في الأسعار التي تهاوت بنحو 30% لتقل عن 75 دولارًا للبرميل.

الخطة التي دعت لها السعودية لتأكدها من قوة موقفها الاقتصادي سببت حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني لمعظم دول الأوبك الـ 12؛ مما يجعلها مضطرة لتصدير النفط مهما كان الثمن من أجل تأمين احتياجاتها الاقتصادية والإنفاق على التسليح لمواجهة تحدياتها في صراعاتها المسلحة مثل ليبيا والعراق، أو العقوبات الدولية كإيران أو الاضطرابات المستمرة كدول الخليج.

فقبل انعقاد مؤتمر أوبك ظهرت الخلافات بين فريقي الأزمة حول إذا ما كان من اللازم خفض إنتاج أوبك, فدافعت دول منها إيران وفنزويلا والإكوادور عن تقليص الإنتاج لوقف هبوط سعر البرميل الذي يضر بإيراداتهم مع سحب الكمية الفائضة من الأسواق لدفع الأسعار إلى الارتفاع خاصة وأن انخفاض الأسعار لتلك المستويات القياسية يحدث ضغوطًا على موازنات تلك الدول, وعلى الجانب الآخر رفضت دول الخليج وعلى رأسها السعودية أكبر مصدري النفط تلك الدعوة بخفض الإنتاج، وأكدت على استمرار حصتها بالأسواق خاصة بالمناطق التي تلقى فيها منافسة عالية مثل أمريكا.

كيف زاد الإنتاج وقل الطلب على النفط؟

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

ركود في السوق وقلة في الطلب مع زيادة مستمرة في الإنتاج هو الوضع القائم الآن في سوق النفط العالمية, السبب من وراء 2.7 مليون برميل يومي زائد عن حاجة السوق أنتجتهم دول أوبك منها 1.8 مليون برميل من خارج أوبك و 900 ألف من أوبك, وهي الزيادة التي ضغطت على الأسعار بقوة، وما زالت مرشحة للانخفاض حتى خفض الإنتاج.

هذا بالإضافة لارتفاع إنتاج النفط الأمريكي من مصادر تقليدية وصخرية إلى 9 مليون برميل يوميًّا فيما اقترب من إنتاج السعودية بـ 9.6 مليون برميل, مع توسيع أمريكا لشبكة النقل بالأنابيب لخليج المكسيك لتزويد مصافيه؛ مما يؤكد استغناء أمريكا عن استيراد النفط من غرب أفريقيا، وهو ما يعني توفر كميات إضافية من النفط الأفريقي ليبحث هو الآخر عن زبائن.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فزاده صعوبة ركود الاقتصاد الياباني والصيني في النمو؛ مما يمنعهما من شراء النفط بنفس المعدلات السابقة، خصوصًا بعد توفر النفط الأفريقي خارج أسعار أوبك. إضافة لهذا ورغم الأحداث الجارية استمر النفط العراقي بالتدفق شمالاً وجنوبًا بمعدلات قياسية تخطت إنتاجه قبل الحرب، مع عودة النفط الليبي لمعدلات إنتاجه الطبيعية رغم صراع حكومتين على الدولة إلا أنهما اتفقتا على تصدير مزيد من النفط, الأمور التي وضعت أوبك أمام حل واحد وهو صيانة حصصها الإنتاجية، وفي مقدمتها المملكة وإيران والكويت والتي تشكل تهديدًا لتلك الدول وسط تباطؤ اقتصاد المنطقة.

أسباب قرار أوبك رغم الضرر الواضح

أسباب كثيرة خلف قرار أوبك الذي جاء في ظل انخفاض سعر برميل النفط مدفوعًا بزيادة العرض المرتبطة بطفرة في إنتاج النفط الصخري الأمريكي، وارتفاع سعر الدولار مقابل قلة الطلب الناتجة عن الركود في الصين وأوروبا, مع وقوع أوبك في مشكلة إلزام كل دولة من الأعضاء بتوحيد سياستها لتهدئة أسعار النفط المنحدرة للأسفل, مع سبب آخر أرجعه البعض لرغبة بعض الدول المستهلكة وخاصة الغربية بعدم تجاوز سعر النفط لحاجة 100 دولار للبرميل، الأمر الذي لن يحدث مع توقعات المحللين بوصول سعر البرميل إلى 60 دولارًا.

السعودية مطمئنة لموقفها كأكبر منتج للنفط

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

ترى إيران وروسيا أن دوافع السعودية للإصرار على عدم خفض إنتاج النفط هي دوافع جيوسياسية, فقد رفضت السعودية خفض إنتاجها تمامًا وأكدت أنها لا تريد الصدام مع أحد حتى قمة أوبك لتشترط خفض الإنتاج في حالة قيام جميع الدول بذلك, ووضعت المملكة هذه السيناريوهات وهي في صدام مع روسيا وأمريكا بتصريحاتها, فبقاء أسعار النفط في مستوى منخفض من المفترض أن يقوض إنتاج الدولتين من النفط ويضعف ميزانية روسيا كثيرًا.

ولا تريد السعودية “التضحية” كما ترى مرة أخرى، فقد أنقذت السعودية دول الأوبك في الثمانينيات وعام 2011 أيضًا عندما خفضت إنتاجها تمامًا للمرور بتبعات الأزمة الاقتصادية، وكررت الأمر في أكتوبر الماضي، وهو ما لا تنوي فعله ثانية في وقت تطلب فيه أوبك تخفيض الكميات التي تضخها الدول في السوق يوميًّا, لتتوقع السعودية أن يشترك باقي الأعضاء في تحمل نصيبهم.

لكن السؤال الآن هل تستطيع السعودية تحمل مثل هذا الانخفاض؟ يبدو أن الإجابة لا, فمع توسع الإنفاق الحكومي في المشروعات العملاقة فضلاً عن المساعدات الخارجية, والتقارير الأخيرة عن الوضع الاقتصادي للمملكة قبل تراجع أسعار النفط فإن السعودية قد تواجه عجزًا في موازنة العام القادم وحتى 2019 بنسبة 7.4% مع تراجع الودائع الحكومية بمؤسسة النقد العربي السعودي, ليظل المكسب الوحيد للسعودية هو تقويض النفط الصخري الأمريكي، وهو مكسب لن يستمر مع توفر تقنيات حفره.

دول الخليج تتأثر اليوم وبعضها آجلاً

بسبب اعتماد ميزانياتها على أكثر من 90 % من إيرادات النفط يظن الكثير أن دول الخليج ستكون أول المتضررين من هبوط أسعار النفط, وتعتبر سلطنة عمان والبحرين أكثر الدول تأثرًا بالسلب, هذا رغم تأييد الكويت لموقف السعودية في الإبقاء على معدلات الإنتاج مرتفعة لقدرة اقتصادها على تجاوز الانخفاض، لكن هذا غير متاح للبحرين وعمان لحاجتهما أن يتخطى سعر البرميل 120 دولارًا كي يتحقق توازن في موازنتهما العامة, أما قطر فتظل بعيدة عن تقلبات أسعار السوق لاعتبار سعر برميل النفط التعادلي الخاص بها منخفض القيمة بسعر 65 دولارًا ويتوقع صندوق النقد ارتفاع سعره.

النفط الأمريكي.. منافس جديد في السوق العالمية

سجلت أسعار النفط الأمريكي خسارة لم تشهدها منذ خمس سنوات في الجمعة الماضة بنسبة 10% مع احتمال تأثر الوقود الصخري الأمريكي أثناء احتياجه لمزيد من الاستثمارات للحفاظ على معدل الإنتاج في ظل انخفاض الأسعار وتحولات المنتجين التقليديين؛ مما يضعف من موقفه أمام الغاز القطري والمتجه لآسيا, وجاء هذا في الوقت الذي دعت فيه السعودية دول “أوبك” لمقاطعة النفط الصخري الأمريكي ومحاربته لطفرته في الإنتاج.

لكن وإن كانت أسعار النفط تؤثر على الاقتصاد الأمريكي فإن التأثير لن يكون سلبي تمامًا فكبرى الاقتصادات العالمية مثل منطقة اليورو واليابان والصين وأمريكا كبلدان مستهلكة للنفط ستتحسن القدرة الشرائية لمستهلكيهم ويرتفع هامش شركاتهم. هذا أمام خاسر كبير أوله مجلس التعاون الخليجي والدول صاحبة الأسواق البترولية الناشئة مثل البرازيل وفنزويلا والتي يعتبر النفط 96% من مصادر العملة الصعبة لها, بالإضافة لروسيا التي بدأت خسارتها بعد ساعات من قرار أوبك بعدم خفض الإنتاج، ليتراجع الروبل أمام الدولار مع انخفاض أسهم أكبر شركة نفط روسية, الأمر الذي سيخلف ارتفاعًا بالأسعار في السوق الروسية مع تشكيل عبء إضافي على إيرادات الموازنة التي تعتمد بنسبة 40% على عائدات النفط.

موقف إيران النووي يتأثر بقوتها الاقتصادية المهددة

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

تعتبر إيران نفسها خصمًا للسعودية وإن قرار أوبك جاء ضغطًا عليها اقتصاديًّا ثم سياسيًّا, فعندما تنخفض عائدات طهران من النفط يتراجع دورها الاقتصادي داخليًّا، ومن ثم يتراجع موقعها في المحادثات النووية ويضعف دعمها العسكري للنظام السوري, ويعاني الاقتصاد الإيراني بالفعل من أزمات بالجهاز المصرفي والموازنات العامة وآليات سعر الصرف ليصبح أي برنامج تحفيزي للاقتصاد قائمًا بالأساس على العائدات النفطية المهددة.

ووفقًا لموازنة العام الجاري ستمر إيران بعجز إذا لم يتخطَ سعر برميل النفط 100 دولار قريبًا، مما قد يرفع معدلات التضخم مرة أخرى والتي تراجعت في سبتمبر الماضي، والتي يعتبرها البعض من داخل الدولة الإيرانية تلاعبًا من طرف الحكومة في مؤشرات الاقتصاد الكلي لتحقيق مكاسب سياسية في الشارع الإيراني, فاستقرار اقتصاد إيران مرهون بالنفط والدولار وتدفقهما المستمر.

المصادر

تحميل المزيد