تم تحرير هذا المقال بناء على المعلومات الواردة بتحقيق مؤسسة أنجازا للكاتبين نزار مانيك وجيرمي هودج

 

فتح الصندوق الأسود للأموال القذرة في مصر، محققون يلاحقون 9،4 مليار دولار حولت إلى حسابات سرية، والشرطة متهمة بسرقة سجلات تفصح عن فسادها الداخلي، ووزارة المالية تتحايل لإخفاء هذا الفساد.

 

في أحد أيام شهر مارس الماضي، قام بعض المدققين الحكوميين بالذهاب إلى مبنى وزارة الداخلية، بهدف كشف مخالفات من السجلات المالية لوزارة الداخلية، بعد مزاعم استنزاف عدد من المسؤولين في الوزارة أموال الدولة لصالحهم، والتي تقارب الـ12 مليون دولار كمكافآت ومزايا مالية، وقبل أن يقوم المدققون بمراجعة الحسابات، تم إلقاؤهم خارج مبنى الوزارة.

بعد ثمانية شهور اشتكى رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، هشام جنينة إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي بسبب أن عناصر وزارة الداخلية قاموا بالسطو على غرفة يتردد دائمًا عليها المدققون التابعون لجهاز المحاسبات، حيث قام عناصر الداخلية بالاستيلاء على سجلات التحقيق وأجهزة كمبيوتر محمولة، وقال جنينة للسيسي أن الداخلية بررت هذا العمل تحت باب “الحرب على الإرهاب”، مدعين أن الطريقة التي تُنفق فيها أموالُ الدولة يجب أن تبقى سرًا.

إن ما حاول المدققون البحث عنه هو مجرد غيض من فيض، فوفقًا لسجلات رسمية لم يكشف عنها سابقًا، هناك حوالي 9.4 مليار دولار خبئت في حوالي 6.700 حساب بنكي غير خاضعة للتدقيق في البنك المركزي المصري، وبشكل غير قانوني في عدد من البنوك التجارية المملوكة للدولة، تم صرفها في آخر السنة المالية 2012/2013، هذه السنة التي سبقت الانقلاب العسكري الشهير الذي صاحبه تدفق مساعدات الخليج إلى البلاد، وأصبح واضحًا خلال الشهور الأخيرة، أنه تم إيداعها داخل حسابات مدارة من الجيش في البنك المركزي.

ما هي الصناديق الخاصة؟ وكيف نشأت في مصر؟

الصناديق الخاصة هي أوعية موازية في الوزارات أو الهيئات العامة، وتنشأ بقرارات جمهورية، لتستقبل حصيلة الخدمات والدمغات والغرامات وغير ذلك من الموارد لتحسين الخدمات التي تقدمها الهيئات العامة، هذه الحصيلة لا تدخل إلى خزينة الدولة ولا علاقة للموازنة العامة بها، وبالتالي لا يناقشها مجلس الشعب، ولكنها تخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات.

ونشأت فكرة الصناديق الخاصة أول ما نشأت بعد نكسة 1967 كمحاولة من الحكومة لتخفيف العبء نتيجة عدم القدرة على سد بعض الاحتياجات في الموازنة العامة للدولة. إذ كانت أول سابقة في هذا المجال هي إصدار القانون رقم (38) لعام 1967 الذي أقر إنشاء صندوق للنظافة في المحليات تم تمويله من خلال فرض رسوم نظافة محلية.

لكن النشأة الرسمية لـ«الصناديق الخاصة» أو «الحسابات الخاصة» كانت في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات من خلال القانون رقم (53) لسنة 1973 بشأن الموازنة العامة للدولة. فقد أباح هذا القانون إنشاء«صناديق خاصة» و«وحدات ذات طابع خاص» في المادة (20) منه التي تقضي بأنه يجوز بقرار من رئيس الجمهورية إنشاء صناديق تخصص لها موارد «معينة» لاستخدامات «محددة»، ويعد للصندوق موازنة خاصة خارج الموازنة العامة للدولة وتتبع الجهات الإدارية كالجهاز الإداري، الإدارة المحلية، الهيئات العامة الخدمية والاقتصادية، وغيرها من الأشخاص الاعتبارية العامة.

أما في عهد مبارك، فقد تشعبت تلك الصناديق وانتشرت في كل الوزارات والمحافظات والشركات القابضة. ففي هذه المرحلة صدرت سلسلة من القوانين تعطي الحق للعديد من الجهات في إنشاء صناديق خاصة، مثل قانون التعليم رقم (139) لسنة 1981، وقانون الجامعات رقم (49) لسنة 1992.

لكن تقول عناصر مطلعة، أن هذه الحسابات دائمًا ما يخبأ فيها أموال الدولة المسروقة التي لا يتم تحويلها إلى خزينة وميزانية الدولة، لكنها في المقابل كانت بمثابة حصالات بنكية للجنرالات والمسؤولين الكبار في أجهزة الدولة البيروقراطية، هذا سمح لهم تجميع مكافآت بعيدًا عن أعين المراقبين والأجهزة التنظيمية ومرؤوسيهم، فيما يعرف باسم “الصناديق الخاصة”.

وبعد ترشيحه بوقت قليل طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي من المنظمين التحقيق في هذا الأمر في أقرب وقت، في الوقت الذي كانت تعاني فيه الدولة من عجز هائل في الميزانية، لم يمر كثيرًا من الوقت حتى تبعه رئيس الوزراء، إبراهيم محلب، حيث أعلن عن “إستراتيجية جديدة لمحاربة الفساد”، حيث قام بهذا الشكل برصف الطريق للسيسي بالذهاب إلى المنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس”، بلاط المستثمرين الأجانب.

ما هي تقسيمة توزيع الأموال داخل الصناديق الخاصة؟

السيسي: نحتاج 10 يوضعون في حساب الجيش، هذه العشرة عندما ننجح سيتم تشغيلهم لصالح الدولة، ونريد من الإمارات 10 مثلهم، ونريد من الكويت 10 مثلهم، بالإضافة إلى مبلغ يوضع في البنك المركزي ويكمل حساب سنة 2014.

السيسي: لماذا لا نفتح مكتبًا هناك؟

كامل: حتى يكونوا قادرين على الإيداع في الحساب؟

السيسي: نعم.

**من تسريبات مكتب السيسي

تتنوع تقسيمات الصناديق الخاصة وحساباتها إلى ثلاثة أنواع:

حسابات شرعية

(1)على الأقل 5.729 حساب في البنك المركزي المصري في نهاية 2012/2013.

(2) عدد 208 حسابات خاصة لـ”هيئات اقتصادية” مقدر لها أن تجمع حوالي 4،9 مليار دولار عبارة عن إيرادات تتضمن عائدات قناة السويس وقطاع البترول للعام المالي 2010/2011.

(3) عدد 201 حساب خاص للأجهزة الإدارية للدولة، من المقدر لها أن تجمع حوالي 880 مليون دولار في صورة أنشطة ائتمانية لتلك السنة المالية، وتتكون الأجهزة الإدارية للدولة من العشرات من الكيانات الإدارية الصغيرة، تتضمن هيئة الرقابة الإدارية، وهيئة مكافحة الفساد، والمؤسسات البيروقراطية المصرية.

(4) عدد820 حساب خاص تحتوي على مبالغ مالية تقدر قيمتها بأكثر من مليار دولار، مكونة من عملات مختلفة مثل الدولار الأمريكي والجنيه البريطاني والريال السعودي والدينار الكويتي والين الياباني… إلخ.

حسابات غير شرعية

(1) عدد 644 حساب خاص في بنوك حكومية مع نهاية 2012/2013.

(2)عدد 242 حساب في البنك الوطني المصري، و229 حساب في بنك مصر، 88 حسابًا في بنك القاهرة، و85 حسابًا في بنك الاستثمار الوطني.

حسابات غير معلومة

(1) حسابات خاصة تابعة للقوات المسلحة، ووزارة الداخلية.

(2) حسابات غير معلومة مدارة من قبل القوات المسلحة، بجانب حساب مخصص للأموال التي تأتي من الدول العربية.

ما هي قصة الفساد المالي للصناديق الخاصة؟

أنت تمتلك أموالًا قذرة، يستطيع الناس الصرف منها وتوزيعها على أنفسهم. -وزير المالية السابق سمير رضوان.

(1) بلغت حصيلة الصناديق الخاصة 14.1 مليار دولار في بداية السنة المالية 2010/2011 بنهاية عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك.

(2) بلغت هذه الحصيلة مبلغ 9.4 مليار دولار في بداية العام المالي 2012/2013، وفقًا لإحصاءات الجهاز المركزي للمحاسبات مع نهاية فترة حكم المجلس العسكري، بما يعني أن 4.7 مليار دولار من حصيلة هذه الصناديق قد تم فقدها.

(3) في أغسطس الماضي 2014، ادعى وزير المالية، هاني قدري دميان، أن الحجم الكلي لأموال الصناديق الخاصة لم تزد على 3.8 مليار دولار، لكنه فشل في توضيح حقيقة الـ5.6 مليار دولار التي فقدت من إجمالي حجم أموال الصناديق الخاصة للسنة المالية 2012/2013 (المقدر بـ9.4 مليار دولار).

(4) وصف هشام جنينة شبكة الأموال الهائلة بـ”الباب الخلفي للفساد، التي من خلالها يتم تبذير أموال الدولة بأسوأ طريقة”، هذه الأموال الممتدة بين وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، والتي كان يرأسها السيسي قبل توليه الرئاسة، ويقول جنينة أنه تعرض لتهديد لفظي من قبل اللواء خالد ثروت، الرئيس السابق لقطاع الأمن الوطني.

(5) وفقًا لتحقيق موقع أنجازا، فإن بعض العناصر داخل وزارة الداخلية أبلغتها، حصول كبار الضباط على جزء من الأموال المسروقة، قادمة من سلسلة من حسابات بنكية سرية تستخدم في إخفاء الأموال التي يتم جمعها بواسطة الوزارة مقابل خدمات مثل المخالفات المرورية ومبيعات لوحات أرقام السيارات… إلخ، هذه الأموال التي يتم جمعها تستخدم في تغطية نفقات الوزارة بما فيها شراء الملابس الرسمية والطعام والمعدات.

ووفقًا لعناصر داخل الوزارة، فإن أكبر سبعة مسؤولين في الداخلية قد سرقوا من الأموال المخصصة للمعاشات التي تستقطع من مرتبات الضباط الصغار الهزيلة، وقال أحد عناصر الداخلية لأنجازا، أن هذه الحسابات تدار داخليًا بواسطة موظفين قليلي الخبرة ولكن موثوق فيهم والذين تم ترقيتهم لهذه المناصب بالمحسوبية، ليقوموا بإخفاء بعض الأرقام.

أين تذهب أموال الصناديق الخاصة؟

التقديرات التي وضعها البرلمان المصري السابق ووزارة المالية حول حجم الصناديق الخاص تتراوح ما بين 25 مليار جنيه (3.56 مليار دولار)، إلى 40 مليار جنيه (5.69 مليار دولار)، والتي تعد قريبة من الرصيد الكلي للصناديق الخاصة سواء في بداية أو نهاية العام المالي 2010/2011 (مع نهاية عهد مبارك)، هذه الأرقام تظهر الأرصدة النهائية التي تراكمت على مدى عدة عقود، ولكنها تتجاهل العائدات التي جمعت وأنفقت من الأموال على مدار السنة، وهي مؤشر أكثر دقة على حجم الصناديق الخاصة، وقدرتها على المساعدة وإيقاف عجز الميزانية الآخذ في الاتساع، والذي هو مبلغ الإيرادات السنوية لجمع الصناديق، والتي يمكن إدراجها وصرفها كجزء من ميزانية مصر وتطوير الدولة، أو صرفها أيضًا على مدفوعات فاسدة.

في 2010/2011، كان الرصيد الكلي 14.1 مليار دولار، وفقًا لسجلات البنك المركزي، لكن يبدو أنه انخفض إلى 9.4 ملياردولار مما يعني فقدان 4.7 مليار دولار مع حلول العام المالي 2012/2013، وفقًا لتدقيقات الجهاز المركزي للمحاسبات والتي اعتمدت على المعلومات من البنك المركزي ووزارة المالية.

في يناير 2012، أصدر وزير المالية المصري مرسومًا يدعو أصحاب الصناديق الخاصة لتحويل ما يستطيعون من أموال بشكل شهري إلى ميزانية الدولة. في العام التالي، أقر البرلمان المصري قانون الموازنة العامة، والذي دعا إلى تحويل 10% من الإيرادات الشهرية إلى الميزانية، لكن يبقى من غير الواضح ما إذا كان أصحاب الصناديق قد امتثلوا لهذه التدابير.

وبحلول أغسطس 2014، ادعى وزير المالية الجديد، هاني قدري ديميان أن إجمالي حجم أموال الصناديق الخاصة يقدر بـ3.8 مليار دولار، ولم يحدد ما إذا كان هذا تقدير رصيد نهاية السنة أم النشاط الائتماني السنوي. إذا كان هذا الرقم الأخير صحيحًا فهذا يعني نقل 5.6 مليار دولار من الصناديق الخاصة إلى الموازنة العامة خلال العام المالي 2013/2014 (بخلاف الـ4.7 مليار دولار الأولى) والتي تمثل الفارق من عهد مبارك، وهو رقم أكبر بكثير من نسبة الـ10% التي سبق وأن أقرها البرلمان عام 2012، ما يفتح بابًا للتساؤل حول مصير هذه المبالغ المالية.

** تم استخدام مادة تحريرية من مؤسسة أنجازا بموجب تصريح من الموقع لصالح ساسة بوست. و يجيز التصريح ترجمة أو تعديل المادة التحريرية جزئيا أو كليا مع الحفاظ على بنية التحقيق و سلامة المعلومات، و الإشارة للمصدر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد