في عام 2008 أسس الكندي فينس راموس شركة فانتوم التي تعمل على إنتاج هواتف آمنة تسمح بالتواصل المشفر بين الأشخاص، إذ كانت الشركة تستخدم هواتف بلاك بيري وتضع عليها برنامج «فانتوم سكيور» الذي يلغي خدمة «GPS» على الجهاز، وبالتالي لا تسمح بتعقبه، وكذلك يلغي الميكروفون، والكاميرا الخاص بالهاتف، فلا يُسمح كذلك بالتنصت عليه، أو إجراء المكالمات الهاتفية.

عوضًا عن كل هذا، كان بإمكان الجهاز إرسال رسائل بريد إلكتروني مشفرة فقط، والتي لا يمكن فك تشفيرها إلا بواسطة مستلم الرسالة، وبهذا اعتُبر جهاز فانتوم أحد أقوى الأجهزة التي يمكن استخدامها بأمان.

لاحقًا وخلال مقابلة جرت في لاس فيجاس بين راموس وأحد شركائه كان مكتب التحقيقات الفيدرالية على أهبة الاستعداد لإلقاء القبض على الأول، الذي كشف فيما بعد أن فانتوم كان يُستخدم من قبل العصابات الإجرامية للتواصل فيما بينهم، ولتنفيذ عمليات قتل، وجلب، وتهريب مخدرات. 

أوضح «إف بي أي» أن هواتف فانتوم كان بإمكانها التواصل مع بعضها البعض مكونة شبكة خاصة بها فقط، لا يمكن إرسال أو استقبال أي رسائل بريد إلكتروني من غيرها – أي هواتف أخرى عادية – وإن حدث ووقعت أيٌ من هواتف فانتوم في يد أحد أفراد الشرطة أو أي شخص غير مالكه يقوم الجهاز بتدمير كل البيانات الموجودة على الهاتف.

وعليه أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي في عام 2018 إغلاق خدمة فانتوم، إلا أن تطبيقًا آخر كان قد بدأ في الانتشار بين أفراد العصابات، متخطين بذلك أزمة غلق خدمة فانتوم. 

ظهر تطبيق «Anom (أنوم)» عام 2018، وأصبح بديلًا لهواتف فانتوم؛ إذ كان يعمل على تبادل الصور، والمحادثات، ومكالمات الفيديو، وكان مثبَّتًا على هواتف تُباع في السوق السوداء، واستُخدم التطبيق على نطاق واسع من قبل العصابات الإجرامية؛ إذ حظي التطبيق بترويج كبير في تلك الأوساط. 

«عملية درع طروادة».. فخ الخدمة البديلة

في 8 يونيو (حزيران) الماضي أعلن اليوروبول – وكالة تطبيق القانون الأوروبية – أنها وبالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالية، و16 دولة أخرى قادت أكبر حملة لإنفاذ القانون، وأكثرها تطورًا، ونتج عنها الإيقاع بالكثير من أفراد العصابات والمافيا حول العالم. 

وكشف اليوروبول أن تطبيق «أنوم» كان «فخًا»، إذ إنه كان من اختراع مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتنسيق مع الشرطة الفيدرالية الأسترالية!

فبينما كان يعتقد المستخدمون أن رسائل «أنوم» مشفرة، قام مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالات إنفاذ القانون الآخر ببناء «مفتاح رئيس» للتطبيق؛ مما يعني أنه يمكن لمسؤولي الشرطة فك تشفير وتخزين أي رسائل مرسلة دون علم المستخدم، إذ أطلق مكتب التحقيقات الفيدرالي على الخطة اسم «عملية درع طروادة».

Embed from Getty Images

جاءت الفكرة بعد القضاء على خدمة فانتوم، عندما بدأ أفراد العصابات يبحثون عن بدائل يمكن استخدامها بدلًا عن فانتوم، فقامت الإف بي أي بإنشاء «Anom» وترويجه عبر مخبرين لديها بين أفراد العصابات؛ ما منح أفراد العصابات الثقة في استخدامه، في الوقت الذي كانت الشبكة بأكملها في الواقع مجرد خطة متطورة يديرها مكتب التحقيقات الفيدرالي بالتنسيق مع الشرطة الأسترالية.

«أنوم».. الضربة الأكبر على الإطلاق 

في النهاية رُوج التطبيق على نطاق واسع بين العصابات الإجرامية؛ مما أدى إلى بيع أكثر من 12 ألف جهاز لأكثر من 300 عصابة إجرامية تعمل في أكثر من 100 دولة. كما قام مكتب التحقيقات الفيدرالي بتحليل المعلومات الاستخبارية من 27 مليون رسالة متعلقة بأساليب شحن وإخفاء المخدرات، وغسيل الأموال، وصفقات المخدرات، والتهديدات العنيفة، والتي حصل عليها «إف بي أي»، وقام بمراجعتها على مدار 18 شهرًا، بينما كان يناقش مستخدمو «أنوم» أنشطتهم الإجرامية. 

بناء على ذلك نُفِّذت سلسلة من إجراءات إنفاذ القانون على نطاق واسع خلال الأيام الماضية في 16 دولة، «أسفرت عن أكثر من 700 عملية تفتيش للمنازل، واعتقال أكثر من 800 فرد من تلك العصابات، وضبط أكثر من ثمانية أطنان من الكوكايين، و22 طنًا من الحشيش، وثمانية أطنان من العقاقير (من بينها الأمفيتامين، والميثامفيتامين)، و250 سلاحًا ناريًا، و55 مركبة فاخرة، وأموال تساوي حوالي 48 مليون دولار، بعملات مختلفة من بينها عملات إلكترونية مشفرة». 

كما أعلنت وزارة العدل الأمريكية أن العملية أدت إلى إغلاق ما لا يقل عن 50 معملًا سريًا للمخدرات، وتعطيل أكثر من 100 جريمة قتل محتملة. 

في الإطار نفسه كانت الشرطة الفرنسية، والهولندية، والبلجيكية قد استطاعت كشف وتفكيك منصتين مشفرتين تستخدمها العصابات الإجرامية في هذه البلاد، خلال عامي 2020 و2021؛ ما جعل الطلب يزيد على تطبيق «أنوم» في تلك البلاد، وهو ما ساهم في تتبع واعتراض هؤلاء الأفراد ووقف عملياتهم الإجرامية ضمن إطار الحملة التي قادها مكتب التحقيقات الفيدرالي. 

ولم تزل الحملة في أوج قوتها؛ إذ أعلن اليوروبول أنه «سيتم تنفيذ عدد لا يحصى من العمليات الفرعية في الأسابيع المقبلة»، والتي تشمل المهنيين المتورطين في تسهيل هذه الأعمال الإجرامية، والذين من بينهم المصرفيين الذي سهلوا تحويل هذه المبالغ الضخمة للعائدات غير المشروعة لأنشطة تلك العصابات، كما يشمل المتورطين في تلك الأعمال من خارج أفراد تلك العصابات، والذين أصبحوا مدانين من خلال الأدلة التي جمعتها قوات إنفاذ القانون من ملايين الرسائل التي حصلت عليها. 

في هذا السياق قال رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون: إن العملية «وجهت ضربة قوية للجريمة المنظمة» في جميع أنحاء العالم. في حين قال كالفين شيفرز من قسم التحقيقات الجنائية في مكتب التحقيقات الفدرالي: إن العملية مكنت وكالات الشرطة من «قلب الطاولة على المنظمات الإجرامية»، فقد جرى جمع هذه المعلومات الاستخباراتية لمنع جرائم القتل وتهريب المخدرات وعدد من الجرائم الأخرى. وأضاف: «تمكنا بالفعل من رؤية صور لمئات الأطنان من الكوكايين كانت مخبأة في شحنات من الفاكهة».

Embed from Getty Images

وجدير بالذكر أن هذه الحملة شارك فيها حوال 9 آلاف ضابط شرطة في العالم، وذلك بالتنسيق بين مكتب التحقيقات الفيدرالي، وهيئات إنفاذ القانون بالدول التي اشتركت في هذه الحملة. 

أكاديمية «إف بي آي» وبناء الشراكات الدولية 

بالرغم أن «مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي أي)» معنيٌ في المقام الأول بقضايا الفساد داخل الولايات المتحدة، وتبقى مهمة الاستخبارات خارج الولايات المتحدة على عاتق «وكالة المخابرات المركزية (سي آي آيه)»، إلا أن مكتب التحقيقات الفيدرالي يحظى بعلاقات قوية بهيئات ومؤسسات إنفاذ القانون في العالم.

إحدى هذه الطرق القوية التي يبني «إف بي أي» بها الشراكات الدولية اللازمة؛ هي الأكاديمية الوطنية لمكتب التحقيقات الفيدرالي، ويجمع هذا البرنامج قادة إنفاذ القانون من جميع أنحاء العالم للتعلم والتدريب معًا لمدة 10 أسابيع، ليس من أجل رفع مستويات الخبرة فقط، ولكن أيضًا لبناء روابط صداقة تستمر لسنوات، والتي تسمح لمكتب التحقيقات الفيدرالي الحصول على المساعدة والتعاون من قبل تلك القادة الأمنيين في حملات مشتركة، مثل الحملة الأخيرة أو «عملية أنوم».

Embed from Getty Images

وقد تأسست الأكاديمية الوطنية عام 1935 باسم «مدرسة تدريب الشرطة»، وكانت تضم ضباطًا من الصين، وكندا، وبريطانيا العظمى، وكان يقبل فيها «إف بي أي» عددًا قليلًا من الضباط في كل جلسة، إلا أن عدد الطلاب الدوليين بدأ في الارتفاع في أغسطس (آب) 1962، عندما وقًّع الرئيس كينيدي مذكرة عمل الأمن القومي لتعزيز تدريب الضباط الأجانب في الولايات المتحدة. 

نتيجة لذلك بدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي بقبول ما يصل إلى 20 مسؤولًا تنفيذيًا دوليًا لإنفاذ القانون في كل جلسة من جلسات الأكاديمية الوطنية. أما اليوم فتضم كل جلسة عادة ما بين 27 و30 طالبًا دوليًا. فيما تخرج ما يقرب من 3500 من القادة الدوليين من أكثر من 170 دولة من الأكاديمية الوطنية؛ الأمر الذي يُسهّل بالتبعية عمليات التواصل، وتوحيد الجهود في مكافحة الجرائم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد