جنود أمريكيون واقفون فوق السور المحيط بمطار كابول بأفغانستان يحاولون التقاط الأطفال الأفغان من أيدي ذويهم ليجلوهم إلى خارج البلاد، مشهد تكرر في أعقاب سيطرة حركة طالبان على العاصمة الأفغانية كابول يوم الأحد 15 أغسطس (آب) 2021، تُظهر هذه الصور مدى اليأس الذي أصاب المواطنين الأفغان ودفعهم إلى الفرار من «حكم» طالبان.

رضيع يُسلم للجيش الأمريكي فوق السور المحيط بالمطار ليتم إجلاؤه، في كابول، أفغانستان، 19 أغسطس

رضيع يُسلم للجيش الأمريكي فوق السور المحيط بالمطار ليجري إجلاؤه، في كابول، أفغانستان، 19 أغسطس (آب). مصدر الصورة: رويترز

استدعى تكرار هذا المشهد في العديد من مقاطع الفيديو والصور المنتشرة عبر الإنترنت مشهدًا قديمًا لإجلاء أطفال فيتنام إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أبريل (نيسان) 1975، في عملية معروفة إعلاميًا باسم «Babylift» والتي تعني «انتشال الأطفال» بالإنجليزية، وتعني الطفل في اللغة الفيتنامية. كانت نهاية بعض أولئك الأطفال مأساوية، بينما تمكن الآخرون من الوصول إلى أمريكا، فماذا حدث لهم بعد ذلك، هذا ما سنحاول الوصول إليه في هذا التقرير.

نهاية الحرب وإجلاء ألفي طفل فيتنامي إلى أمريكا

مع اقتراب نهاية حرب فيتنام، وقبل أن تستولي القوات الفيتنامية الشمالية على مدينة سايجون العاصمة السابقة لجمهورية فيتنام الجنوبية، في 30 أبريل 1975، أعلنت الولايات المتحدة خطة لإجلاء آلاف الأطفال الفيتناميين المشردين.

عُرفت المهمة باسم عملية «babylift»، ففي 3 أبريل 1975 وجهت الولايات المتحدة بإتاحة الأموال من صندوق المساعدات الأجنبية لإجلاء نحو ألفي طفل إلى أمريكا، فقد كان هناك أكثر من 4 آلاف طفل في دور الأيتام الكاثوليكية جنوبي فيتنام.

أقلعت أولى الطائرات الخاصة بالمهمة في اليوم التالي مباشرةً، وقاد الكابتن طيار دينيس بود تراينور طائرة الشحن «C-5A Galaxy»، وعلى متنها أكثر من 300 شخص، بينهم 243 طفلًا يتيمًا فيتناميًا تحت سن الثانية.

نظرًا لكثرة الأعداد، وصغر حجم الأطفال، وُضع الأطفال داخل صناديق من الورق المقوى، وكان هناك على كل مقعد طفلان، بينما وُضع باقي الأطفال في منطقة الشحن على أرضية الطائرات، مثبتين بأربطة البضائع ومحاطين بالوسائد والبطاطين!

عقب إقلاع الطائرة تعطلت أبوب الشحن وانفجرت ومعها جزء من ذيل الطائرة، وفُقد اثنان من الأنظمة الهيدروليكية الأربعة، وعلى بعد ميلين فقط شرق سايجون تحطمت حجرة الشحن حيث يجلس الأطفال، وحاول الناجون من البالغين حمل الأطفال الذين تبقوا في الطائرة.

Embed from Getty Images

نتيجة التحطم، انخفض الضغط بسرعة كبيرة داخل الطائرة، ومحاولًا إصلاح ما حدث والإبقاء على استقرار الطائرة، قطع تراينور كابلات التحكم في الذيل، وأعاد وجهة الطائرة إلى فيتنام، لكنه اضطر إلى الهبوط المفاجئ؛ مما تسبب في تحطم نهاية الطائرة. راح ضحية الحادثة 78 طفلًا، وحوالي 50 بالغًا، بينهم أفراد القوات الجوية، ونجا أكثر من 170 راكبًا.

أكبر عملية تبني في التاريخ.. الأطفال الفيتنام يصلون أمريكا وأوروبا

لم تتوقف عمليات الإجلاء بتحطم الطائرة، لكن بقية أسطول «C-5A» توقف مؤقتًا، وارتفعت حالة التأهب، وخلال الـ24 ساعة التالية، أُجلي حوالي 1200 طفلًا، ووفقًا لوثائقي على قناة «داون كاست DAWNCast»، فقد ساهمت مهمة «babylift» في إجلاء أكثر من 3 ألاف طفل فيتنامي يتيم إلى الدول الغربية، منهم ألفان إلى أمريكا، وحوالي 300 إلى أستراليا، وحوالي ألف في كندا وأوروبا، وهو ما يعد أكبر عمل للتبني في التاريخ.

كان أولئك الأطفال إما فقدوا آباءهم خلال فترات الحرب، أو أن والديهم قد أودعوهم بأنفسهم في دور الأيتام ظنًا منهم أن هذا ينقذهم من مصير أسوأ، كذلك كان هناك العديد من الأطفال الذين لم يتقبلهم المجتمع؛ لأن آباءهم من القوات الأجنبية التي دخلت البلاد خلال فترة الحرب.

ظل الأطفال في صالة ألعاب رياضية خصصت لاستقبالهم في رعاية متطوعي فرقة العمل الخاص في قاعدة «كلارك» الجوية في الفلبين بين 12 و24 ساعة تلقوا خلالها التطعيمات والتغذية والرعاية اللازمة قبل انطلاقهم إلى وجهتهم.

الأطفال في إحدى طائرات عملية babylift

الأطفال في إحدى طائرات عملية «بيبي ليفت». مصدر الصورة: فليكر

عقب وصول الأطفال إلى وجهتهم الجديدة، كان هناك سوار حول معصم كل منهم يحمل اسمه الفيتنامي، وعلى المعصم الآخر اسم وعنوان والديه الأمريكيين الجدد، وغالبًا ما منحوا أسماء جديدة فيما بعد.

استمرت عملية «بيبي ليفت» لإجلاء الأطفال 10 أيام، من 4 أبريل حتى 10 أبريل، ورغم انتهاء الرحلة الأولى بمأساة، إلا أن جميع الرحلات الباقية حدثت دون وقوع حوادث.

أطفال مسلوبون من ذويهم.. الموقف القانوني لأطفال عملية الانتشال

أثناء إجلاء الأطفال، وُضعت مع بعضهم سجلات ميلادهم لتوثيق تاريخهم القصير، بينما ذهب آخرون دون أوراق خاصة، وللأسف كان غياب التوثيق السليم أحد مساوئ الإجلاء السريع في عملية «بيبي ليفت»؛ فقد دخل الأطفال إلى أمريكا بتأشيرة موقعة من الرئيس جيرالد فورد.

وحسبما ذكر موقع «هيستوري»، كان مئات الأطفال لم يزل وضعهم القانوني غامضًا بعد عام من وصولهم إلى الأراضي الأمريكية، وكانت الأسر المضيفة للأطفال لم تزل غير متأكدة بشأن أحقيتهم في تربية الأطفال.

خلال الثمانينات كان هناك تأخير في إجراءات الجنسية لبعض العائلات المتبنية للأطفال؛ وذلك بسبب رفع دعاوى قضائية جماعية ضد الرئيس الأمريكي جيرالد فورد متهمين إياه بجلب أطفال فيتنام ضد إرادة آبائهم. رغم اضطرابات التوثيق الخاصة ببعض عمليات تبني الأطفال، فإن معظمها انتهى بسهولة.

أما الحال في أستراليا، ففور أن علم الأستراليون عن عمليات الإجلاء، سرعان ما تزايدت طلبات التبني؛ ليعيش الأطفال في ظل رعاية أسرية وصحية؛ ليتخلصوا من آثار الحرب التي عانوا منها قبل الإجلاء.

«فيسبوك» يجمع الناجين من تحطم طائرة «babylift» الأولى

بعد مرور نحو 40 عامًا على الحادث المؤسف، أراد الطيار تراينور العثور على الناجين من تحطم الطائرة، فأنشأ مجموعة للناجين على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وسرعان ما انضم الناجون وأفراد عائلاتهم ليصبح عددهم حاليًا أكثر من 750 شخصًا.

موقع تحطم أول طائرة إجلاء

موقع تحطم أول طائرة إجلاء. مصدر الصورة: فليكر

يحرص تراينور على زيارة موقع الحادث من حين لآخر، وذكر أن الموقع قد تغير كثيرًا مع الزحف العمراني، فبعدما كان مجرد حقول للأرز أصبح مليئًا بالمنازل، والمتاجر، والحشود الصاخبة من الناس.

آرين لوكهارت: ناجية من تحطم طائرة فيتنام تجلي الأفغان!

وفقًا لما أبلغها به والداها بالتبني، تعتقد آرين لوكهارت أنها إحدى الناجيات من تحطم الطائرة «C-5». ولدت لوكهارت في فينه لونج في فيتنام، بينما كبرت في ولاية فيرجينيا الأمريكية. ذهبت لوكهارت في رحلة إلى فيتنام، وزارت موقع تحطم الطائرة.

بعد انتشار مشاهد هروب المواطنين الأفغان في مطار كابول الأسبوع الماضي، نشرت لوكهارت عبر صفحتها على «فيسبوك» إحدى هذه المنشورات، مشيرة إلى أوجه التشابه بين ما يحدث وما حدث في عملية «Babylift»، مشيرة إلى أن المفارقة الساخرة أنها تعمل ضمن هذه القوة الجوية التي تجلي المواطنين من أفغانستان.

وفي كتاب بعنوان «Operation Babylift: Mission Accomplished, A Memoir of Hope and Healing» حكت لوكهارت قصة إجلائها في عملية «Babylift»، وأنها كانت على متن الطائرة المحطمة، وشاركتها في الكتابة الراهبة ريجينا أون التي كانت على متن الطائرة ذاتها، والتي أعطت لوكهارت لوالدها بالتبني.

ما بين حنين إلى الوطن أو امتنان إلى «الانتشال».. شهادات بعض الناجين من العملية

خلال التعليقات على منشورات المجموعة المخصصة للناجين من تحطم الطائرة، ذكرت كريستي إيستمان أنها كانت ضمن الناجين من الحادث، وأنها تتمنى العودة إلى فيتنام مع ناجين آخرين والتواصل معهم.

أما كارين كيشورا، فلم تحاول التعمق والبحث عن أصولها الفيتنامية، أو التعمق فيما حدث في ذلك اليوم الأليم، لكنها اكتفت بكونها أمريكية فقط. كانت كيشورا ضمن الأطفال المسافرين في المقصورة العلوية؛ مما منحها فرصة أكبر في البقاء على قيد الحياة.

تمكنت كيشورا من زيارة آخر طائرة من أسطول طائرات «C-5» في قاعدة ويستوفر الجوية الاحتياطية بناءً على دعوة زميلها الدراسي السابق الذي يعمل مشرف صيانة هناك. وقالت كيشورا إنها أحست بالسلام فور رؤيتها للطائرة «C-5A» تقلع وتطير في سلام، لتغادر مدينة ويستوفر بولاية ألاباما متجهة لأداء مهمة في ولاية أريزونا.

فهل يصبح حظ أطفال أفغانستان مختلفًا عن أسلافهم الفيتنام الذين ترى أمريكا أنها «انتشلتهم» من البؤس والشقاء؟ أم أن حظهم سيتقاطع مع حظ أطفال ذيل الطائرة المنكوبة (C-5A)؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد