كان تهديد أردوغان الذي أعطى فيه نظام الأسد مهلة حتى فبراير (شباط) الماضي، بالنسبة للمعارضة السورية الأمل الوحيد الذي سينقذهم ومناطقهم من مصير محتوم ومماثل لمناطق أخرى مثل درعا وحمص والغوطة الشرقية وحلب وغيرها، حيث كانت أرتال الجيش التركي التي دخلت خلال الشهر الماضي، والتهديدات التركية المتواصلة والمرتفع سقفها، تؤكد نية أردوغان وقف تمدد النظام السوري على أقل تقدير، ولم يكن يتوقع الكثير من المحللين أن تتطور الأمور لهذا الحد الذي وصلت إليه اليوم، إلا أن مقتل الجنود الأتراك الـ33 بغارة جوية من طائرات تابعة للنظام السورية غير كل التوقعات، لنصل إلى ما سماه النظام التركي معركة «درع الربيع».

دولي

منذ شهر
هذه هي الأوراق التي يملكها أردوغان لعملية عسكرية في إدلب

اعتقد أكثر المحللين بعد تهديدات أردوغان أن الأمور ستتجه إلى توافق سياسي يضمن مصالح تركيا على الأقل، وذهب بعضهم أن تركيا لا تستطيع أصلًا مناكفة روسيا ما سيؤدي في النهاية إلى تراجعها عن الملف السوري، إذ كانت سرعة سيطرة جيش الأسد على مدن وبلدات إدلب إشارة على عدم جدية أنقرة في تهديداتها، ولم تأخذها روسيا ولا النظام السوري على محمل الجد على ما بدا، وظن الكثير أن تركيا تجعجع فقط دون طحين، ولكن كان لأردوغان رأي آخر تمثل فيما سماه معركة درع الربيع.

«درع الربيع».. ماذا يجري على الأرض في إدلب؟

شنت فصائل المعارضة خلال الشهر الماضي عدة هجمات على مواقع تابعة للنظام بدعم وتمهيد مدفعي من قبل الجيش التركي، إلا أن جميع هذه الهجمات باءت بالفشل الذريع، ولكن قبل تسعة أيام تحديدًا يوم الاثنين 24 فبراير الماضي، شنت المعارضة السورية هجومًا واسعًا بدعم تركي غير مسبوق أسفر عن السيطرة على بلدة النيرب تلاها سقوط عدة بلدات وقرى وتراجع قوات النظام السوري، إلى أن أتى الخميس الماضي وأعلنت الفصائل عن سيطرتها الكاملة على مدينة سراقب الإستراتيجية التي تعتبر عقدة الوصل بين طريقي (إم 4 و إم 5) الدوليين.

في ذات اليوم الذي تمكنت فيه المعارضة السورية من بسط سيطرتها على مدينة سراقب، حدث شيء غيّر كل التوقعات باتجاه التصعيد، حيث شنت طائرة حربية يعتقد أنها تابعة للنظام السوري غارات جوية استهدفت مبنى تجمع فيه عناصر من الجيش التركي في بلدة بليون جنوب إدلب، قتل فيه 33 من الجنود الأتراك وجرح عدد آخر مماثل، وشكل هذا الحادث منعطفًا خطيرًا للعلاقات الثنائية بين أنقرة وموسكو، ولكنه في نفس الوقت صب في صالح المعارضة السورية.

انتقامًا لمقتل الجنود الأتراك أعلن خلوصي آكار، وزير الدفاع التركي، أن العملية العسكرية ضد النظام السوري التي تم إطلاق اسم «درع الربيع» عليها، أسفرت عن قتل ألفين و557 عنصرًا من قوات النظام السوري، بالإضافة لإسقاط مقاتلتين حربيتين ومروحيتين وتدمير ست مروحيات أخرى كانت رابضة في المطارات، وطائرتين مسيرتين، و135 دبابة، وخمس منصات دفاع جوي، و16 مضاد طيران، و77 عربة مدرعة، وتسعة مستودعات ذخيرة، وأيضًا إخراج مطار النيرب بريف حلب عن الخدمة بشكل كامل.

وأضاف خلوصي أن «عملية درع الربيع تتواصل بنجاح وفق المخطط لها، مؤكداً أن القوات المسلحة التركية ردّت وسترد بالمثل وبشكل أقوى على جميع الاعتداءات، والتي تأتي في إطار عملية درع الربيع التي تمثل الدفاع المشروع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات أضنة وسوتشي وأستانة، بهدف توفير الأمن والاستقرار في المنطقة، وحماية حدودنا وشعبنا وإنهاء المأساة الإنسانية في المنطقة».

وهنا يجب أن نذكر أنه قبل الطائرات التركية المسيرة «بيرقدار» في عملية «درع الربيع»، على طول التسع سنوات السابقة لم يألف عناصر النظام السوري أي قصف جوي يستهدفهم «عدا الإسرائيلي»، وكانوا دائمًا لا ينظرون إلى الأعلى، أما ومع التدخل التركي المباشر فأعينهم إلى السماء شاخصة، حيث استهدفت المسيرات التركية عشرات المواقع والآليات بدقة ودمرتها بشكل كامل، كما أنها مهدت الطريق أمام فصائل المعارضة للتقدم والسيطرة على عشرات البلدات والقرى، وهذه أيضًا هي المرة الأولى التي تشعر فيها عناصر المعارضة بنوع من الحماية في معاركهم.

 

ولكن ما تزال روسيا المسيطرة، فحسب مصادر خاصة من إدلب لـ«ساسة بوست» قالت: إن موسكو استقدمت يوم أمس قوات تعتبر النخبة من المليشيات الإيرانية و«حزب الله» اللبناني إلى جبهة سراقب، لتدور بداخل أحيائها معارك عنيفة جدًا وسط غارات جوية عنيفة من الطائرات الحربية الروسية تستهدف المعارضة.

 في المقابل توجد غارات جوية من الطائرات المسيرة التركية التي تستهدف القوات المهاجمة، ولكن بسبب القوة الجوية لروسيا واكتفاء النظام التركي باستخدام المسيرات، فقد تمكن النظام من بسط سيطرته على كامل المدينة الإستراتيجية ووسع سيطرته على محيطها، وسيطر أيضًا على قرى جوباس، وترنبة، وداديخ، وكفر بطيخ، وعلى الأرجح سيعطي هذا التقدم على الأرض بوتين كعبًا أعلى في المفاوضات، خاصًة بعد إعلان روسيا نشر قواتها العسكرية في مدينة سراقب؛ ما يعني أن روسيا ستمنع المعارضة من استعادة السيطرة على المدينة في أي وقت لاحق، إلا إذا كان لأردوغان رأي آخر يستطيع تطبيقه على الأرض.

هل تأخرت تركيا في معركة إدلب؟

الآن وبعد جردة الحساب هذه، نطرح السؤال أو الفرضية عما لو كانت تركيا دخلت منذ اليوم الأول لمعركة إدلب، هل كانت روسيا ستكون المنتصرة هنا، أم أنها ستكون الخاسر الأكبر؟ في الحقيقة يبدو في نظر المعارضة السورية بالتحديد أن تركيا تأخرت كثيرًا في تدخلها العسكري المباشر، وتأخرت أكثر في دعم المعارضة بالسلاح النوعي، خاصة مضادات الطيران التي أسقطت بها طائرتين مروحيتين، ومن الصعوبة بمكان إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، كما أنه من الصعب إعادة النظام المدعوم من روسيا إلى ما وراء مناطق اتفاق سوتشي، ولكنه في نفس الوقت ليس بالمستحيل، خاصة مع ما يبدو من إصرار تركيا على ذلك.

لا يحتاج الأمر لعملية حسابية حتى نعرف من هو المنتصر في إدلب، فالوقائع على الأرض تتكلم بنفسها، فروسيا ملكت زمام الأمور منذ اليوم الأول لمعركة إدلب، وفتحت الطريق بطائراتها وصواريخها أمام تقدم جحافل النظام السوري والميليشيات الإيرانية التي بدورها سيطرت على عشرات المدن والبلدات والقرى، وأجبرت فصائل المعارضة على الانسحاب منها، في ظل عجزها التام عن إيجاد أي حلول لمواجهة قوة روسيا الجوية وأيضًا التابعة للنظام.

«نحن في بداية إظهار قوتنا الحقيقية والخسائر التي تكبدها النظام السوري هي المرحلة الأولى، وأطلب من روسيا الإبتعاد عن طريقنا»، هذا ما قاله الرئيس التركي أردوغان يوم أمس، وهنا نطرح السؤال ماذا يمكن أن تكون المرحلة الثانية أو الثالثة؟، وما هو الذي من الممكن أن تقدمه تركيا أكثر مما قدمته؟ وهنا وعلى ما يبدو أن أردوغان ما يزال يطمح لدعم أمريكا والناتو، في مواجهة روسيا.

زار وفد رفيع المستوى أنقرة يوم أمس يضم مبعوث ترامب الخاص إلى سوريا جيمس جيفري ومندوبة الولايات المتحدة الأمريكية في الأمم المتحدة كيلي كرافت، وذكرت صحيفة أمريكية أن «جيفري طالب بإرسال بطاريات صواريخ باتريوت، إلى تركيا، ولكن مسؤولي البنتاجون قلقون من التداعيات العالمية للخطوة ويرونها متهورة»، في الوقت الذي صرح وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر إن بلاده لن تقدم الدعم العسكري الجوي لتركيا في إدلب، وعلى الرغم من ذلك تبقى التصريحات التركية ثابتة ولا تظهر تراجعًا.

 أردوغان أم بوتين.. المشهد العام في صالح من؟

وبالنظر إلى المشهد بشكل عام، يمكن القول إن تركيا تركت وحيدة لغاية اللحظة في مواجهة روسيا، وتحاول من خلال فتح حدودها للاجئين الضغط على أوروبا لتحصيل الدعم الذي تريده، وفي الحقيقة أن تركيا لم تفتح أبوابها بشكل كامل للاجئين بعد، وهذا تدركه الدول الأوروبية جيدًا وتشعر بالقلق حياله، فهناك الملايين ينتظرون أن تفتح تركيا حدودها الجنوبية حتى تغرق أوروبا بهم، وهذه الورقة ما يزال أردوغان يلوح بها.

أما ما يخص العلاقات بين روسيا وتركيا ، فإن بوتين تعامل مع المشهد بهدوء، إذ إنه لم يصرح شخصيًا برأيه في الأحداث الدائرة في سوريا مؤخرًا، واكتفى بتصريحات الكرملين ووزارة الخارجية الروسية بهذا الشأن، وكانت برودة الدب الروسي واضحة أكثر حين تلاعب بعقد قمة رباعية بينه وبين نظرائه التركي والفرنسي والألماني، ليعود عنها فيما بعد، ومن ثم تم الاتفاق على عقد لقاء بينه وبين أردوغان في انقرة ليعود أيضًا عنها، وأخيرًا اتفقا على عقد لقاء ثنائي يوم الخميس القادم في موسكو، هذا التلاعب أظهر أن العلاقة التركية الروسية ليست على ما يرام، ويمكن أن تصل لما هو أسوأ.

في نظر العديد من المراقبين ربما لم تعد تكفي «مساحيق التجميل الدبلوماسية» التي يستخدمها الأتراك والروس لتحسين صورة علاقتهم التي بلغت أدنى مستوى لها حتى منذ إسقاط تركيا الطائرة الروسية عام 2015؛ إذ وجه أردوغان كلامه لروسيا وإيران أنه «لا توجد أي مشكلة معهم، بل مشكلتنا مع النظام السوري فقط»، أما وزير دفاعه قال «لا نفكر في الدخول بمواجهة مع روسيا ونرغب في حمل النظام السوري على وقف مجازره».

على جانب آخر علق وزير الخارجية الروسي «سيرجي لافروف»، قائلًا: «إن روسيا لديها علاقات جيدة جدًا مع تركيا، ولكن ذلك لا يعني أن نتفق على كل شيء»، ومن الواضح أن التصريحات الروسية على المستوى الرسمي تحاول خفض التصعيد وعدم جر الأمور إلى حرب شاملة، على الأقل حتى الآن. 

 

وفي النهاية فإن المشهد يبدو أنه ولأول مرة منذ وقت طويل، في صالح الشعب المعارضة السورية، وربما ليس في صالح النظام التركي الذي لا يزال يقف وحيدًا في موقفه دون عون واضح، وليس في صالح روسيا التي ربما ستخسر حليفًا مهمًا مثل أردوغان إذا ما تطورت الأمور، وبالتأكيد لن يكون في صالح الأوروبيين الذين تتجه عيونهم إلى الحدود اليونانية المليئة باللاجئين، أما أمريكا فلم تخسر شيئًا وربما لن تربح أيضًا، أما من المنتصر في معركة ادلب أو «درع الربيع»، سيكون من يتحمل أكثر، ويستطيع أن يحول مكاسب الأرض والقتال إلى مكاسب على طاولات المفاوضات ويلعب بأوراقه كلها بشكل جيد، وهذا ربما ما ستكشفه الأيام التي تلي لقاء الثنائي الروسي والتركي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد