ومنهم من ينتظر

في الصفوف الخلفية، وفي الزحام، من لا همّ له إلا أن يؤدي مهمته دون سعي أن يذيع صيته، أو أن يقف في المقدمة، في الصفوف أصوات تعلو يكاد صوتها يصل إلى السماء دون أن تعرف مصدر الصوت، في الصفوف أبطال في ثوب عادي، لا تكاد تعلم أنهم أبطال من فرط إخلاصهم في ألا يرى سعيهم إلا الله.

أحد هؤلاء الأبطال، وكثيرًا ما أغبطني أن تسنت لي الفرصة أن أرى أحدهم، بعد أن ظننت أن زماننا يفتقر لهم، ويشيع فيه الراكضون وراء الكاميرات، رأيت هادي عبد الله – لمن لا يعرفه هو شاب صحفي سوري أكثر من صعد نجمه في تغطية الثورة السورية- عبد الله كان يعمل على الحصول على درجة الماجيستير في تمريض غرفة الطوارئ، عندما نشأت الثورة السورية عام 2011، مما اضطره لترك دراسته لينضم إلى غيره من الناشطين، الذين غطوا ودعموا الحراك المدني في سوريا.

لو كنت ممن عايشو بداية الثورة السورية، مؤكد أنك التقيت به ذات يوم في حديث، أو رُبما في خبر ما عنها على لسانه، ستراه وهو شاب مُقبل على الحياة كل ما فيه يوحي بذلك، يُظهر كيف يشارف تحقيق حلمه ويحاول لمس السماء. ثم ترى كيف عكست درجات السلم الذي كان يصعده الثوار، فترى صدى ذلك أيضًا عليه؛ فترى كيف هزل جسده، وكيف أكل الشيب رأسه، وكيف أن حياته أصبحت سلسلة من الفقد، ففي السابع عشر من يونيو (حزيران) يصاب هو وصديقه المصور خالد العيسى بجروح خطيرة، من جراء انفجار عبوة ناسفة قرب شقتهما في حلب. وقد عانى هادي من كسور في ساقه اليسرى والفك والعين، بينما كان خالد العيسى في غيبوبة بعد إصابته في البطن والرأس. ونقلوا إلى مستشفى في تركيا لتلقي العلاج. وقد توفي خالد العيسى في 24 يونيو 2016.

كنت أقرأ دائمًا رثاءه خالدًا وأقول لِمَ لم يعد من هذا الطريق؟ ما الجدوى سوى فقدٍ جديد كل يوم؟ رُبما ليس كل ما يُفقده إياه الطريق أشخاصًا، رُبما يودع ابتسامة، وربما يصاحبه بدلًا منها الخوف والفزع، ما العائد الذي يجنيه من الاستمرار؟ لربما لو تحرك من مكانه هذا لانهالت عليه الفُرص المريحة، خاصة بعدما عرفه تقريبًا العالم كله.

ألا يتمنى أن يودع الخوف ويحل محله بعض الأمان؟ ثم أقول رُبما من كثرة ما عانى من الفقد والخوف أصبح لا يخاف الخوف، رُبما هؤلاء هم فقط من فزع الأيام آمنون.

نحن هنا في جلستنا آمنون إلى حدٍ كبير، لا يد لنا إلا أن نُحيطكم بالدعاء في الساعات القصوى التي نستيقظ فيها على مذبحة أو محرقة، ثم نغفو في سُبات عميق، ننتظر الضربة القادمة كي تنهال معها دعواتنا إلى السماء مرة أخرى.

إلا أنّ هذا جزء في قلوبنا الذي ينتفض لكم، هو الأصدق على الإطلاق هو الذي يتمنى أن يستضيفكم فيه، ويربت على قلوبكم، ويمسح عنكم كل أذىً كما فعلتم أنتم من قبل.

يا هادي تابعت سلسلة فقدك، سلسلة رثاءاتك، وكل مرة أتمنى أن تكون هذه المرة الأخيرة لأن تنعي أحبابك، أن تكون في معزلٍ من حمل الثوب الأبيض، لتستجمع قوتك وصبرك وقلبك فلا أَجِد إلا أن الله يُرينا أنّ الأبطال ما زالوا على الأرض، وأن أساطير ما تُدون ها هُنا، وأن هناك من قضى نحبه وآخر يودعه في صبر وتؤدة وينتظر بثباتٍ وعزة، لا تجعلنا سوى أن ننحني أمامها.

يا هادي بعدما لحق خالد صديقاك الصحفيان أيضًا، أتذكر أنك ألحقت صورة جمعتهم كلهم، كتبت معها أنك رحلت يوم رحلوا، هذه الجملة تُلاحقني دائمًا.

أتعلم هذا الثبات كان أصدق من قول كثير الشيوخ، هذه الدماء أطهر من لحى شيوخ السلطان، هذه النفوس أزكى من صمتِ دعاة الدين.

أنت ورفاقك كنتم أقدر على الدعوة إلى الإسلام من هؤلاء، أنتم خدمتم الدين بصدقٍ وعزة، وغيركم عاش يقتات من دعوته للإسلام، ثم حين واجهته معارك حقيقية نكص على عقبيه.

أتمنى أن يزورك النور، أن تجني حصاد كل ما زرعته هنا، يوم وفاة عبد الباسط الساروت كان النصيب الأكبر من الدعاء لك أن يربت الله على قلبك، أن يمنحك القوة لتكمل السير، ألا تنهار وتقاوم، أما هو فلا نزكيه على الله، وإنما علم مقعده بصحبة النبيين والشهداء، بُصحبة كل من ودعتهم فلا خوف عليهم.

إنما أنت الأمل ومن خلفك الأطفال والشيوخ، يرون فيك الأمل كله، ولو سقطت لسقطوا، رأينا فيك الحلم، الصبر يسير على قدمين، وكل القصص البطولية التي سمعناها يومًا ولم نلمسها.

أعلم أنك طِقت ما لم يُطق، وأنّ ما أخفي عنَّا من نبأ سوريا ومن نبأ ما عشتم أعظم بكثير، رغم أننا لم نتحمل والله القليل الذي ظهر. أتعلم رُبما حين تُذكر الثورة السورية بعد أجيالٍ طويلة ستُربَط في الأذهان بصورتك، كما ربطنا حرب البوسنة والهرسك باسم «أسعد طٰه».

تذكر أنك ورفاقك دائمًا في أذهاننا النور الذي ينتشلنا من غياهب الظلم والظلام. أسأل الله السلام بحجم كل ما فقدت وألا تأسى ولا تشقى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد