الإرتداد إلى التراث وهو ما يفيد أننا بلغنا تقدم ما نعود منه إلى تراثنا، نرى ونقرأ ونعرف ونحلل ونخبر ما كان من أمر من سبقونا وكيف يفيد التاريخ فنرتد به إلى حاضرنا. فلانكون قد فقدنا مقومات حديثنا ولاجهلنا المعرفة بحيثيات قديمنا، واستطعنا في ضوء ما تلقيناه أن نكمل مسيرة التطوير والتجديد متكئين على الإرث الحضاري الذي تركه الأجداد.

العودة إلى المفهوم

عن سياسي محترف أنه قال : مادمتُ ضعيفا فسأطالب بحقوقي وفقاً لمبادئكم ، ويوم أصبح قوياً سأحرمكم من حقوقكم وفقا لمبادئ أنافرانك هربرت

 

يتداخل الماضي بالحاضر بصورة تجعل من المستحيل علينا أن نفهم الموقف السياسي في البلدان المتحضرة دون الرجوع إلى مواقف لم يعد لها وجود. التاريخ هو ما يفسر لنا كيفية حدوث ما يحدث. فنحن نبحث عن تاريخ ما، اندافعاً وراء رغبتنا في فهم ماهو حادث الآن من خلال ما حدث في الماضي.

ولذلك صار من المسلم به أن السياسة في الفترة الراهنة وفي أي فترة بشكل عام تطلب إلماماً بالحقائق، شأنها في ذلك شأن كل فرع من فروع دراسة العلاقات الإنسانية، وبما أن الحقائق ليست منفصلة عن غيرها في الزمن فلابد لأبطال الميدان السياسي بشيء من التاريخ، فالمؤرخ يقدم الحدث في ضوء ما توافر إليه، بينما تقوم السياسة بالحكم الأخلاقي على هذه الحقائق، ولن يتأتى ذلك دون معرفة خاصة بالأخلاق. السياسة هي التي تبحث في رغبات الإنسان وتشبعها، هي التي تسعى تجاه الحرية والعدل في الحقوق والواجبات دون أن يكون لهذه الرغبات قيمة اقتصادية بحتة. ولكي نعي هذا المفهوم لابد من عقول فاهمة وصدور صافية وشفافية تامة في القول والفعل، لكن في حالة مثل :

الإعلام الرسمي

 

كما هو معروف بأساليبه الكلاسيكية : الدعاية بالتكرار والمطرقة والمبالغة والإسفاف والمديح ، محاولة إيهام الجماهير بأنها تتمتع بأحسن وصاية ، وأنها هي التي تمكننا من تحقيق مطامحها المشروعة والعملية، وهو مبني أساسا على إرادة التضليل والتعتيم والتمويه، لحمل هذه الجماهير المخدوعة على الإيمان بأن هناك توافق بين مصالحها ومصالح الفئة الحاكمة  .حينها يكون الحمل الثقيل كله ملقى على من مازال من النخبة ينبض ضميره ويعتمل على صالح البلاد. وليست تلك النخبة الفاسدة التي اختارت أن تكون في أذيال السلطة، وسيرتها عقدة ستوكهولم، في انتظار ضوء الكشاف الذي يسلطه الإعلام على أناس ويحجبه عن آخرين لفترة ما، وأحيانا للأبد، فيختلط الحابل بالنابل وتنزع الأقنعة. يوم تقبح وجوه وتشرق أخرى. حينها سيكون المصير في يد هذه الثلة القليلة من المخلصين والمتيقظة عقولهم وضمائرهم، الفئة القليلة من الأدباء والمفكرين. مما يحيل إلى التفكير بــ ..

مصير الفن؟

(يتساءل بعض الناس كيف لايستطيع أدباؤنا أن ينتجوا مثل الغرب؟ وأنا أتساءل كيف استطاع أدباؤنا أن ينتجوا أصلاً؟! إن الوضع مؤسف للغاية، في كل العصور كان معروفاً أن الأدب يرعاه تشجيع طبقة من الطبقات، تجتذبه الدولة ويلتف حوله النخبة والعامة على السواء، لكن اليوم مصير الأدب والأدباء مثير للشفقة فهو حائر بين أرستقراطية لاوجود لها، وإن وجدت فلاشأن لها بالأدب ولا الأدباء، وبين ديموقراطية اسمية في شعوب لم  يتم تعليمها، فهي لاتهتم بأدباء ولاغيرهم. فينتجون وهم يعلمون أن إنتاجهم لايهم حكام ولامحكومين!!)

توفيق الحكيم – من البرج العاجي 1941م

على مر التاريخ والعالم تسيره عقول الفلاسفة وتقوم حضاراته على الفنانين والمفكرين، أما في العصر الحديث وإن ما زال البعض يقدر للفنان أهمية، إلا أنه عُزل عن الحياة فصارت وظيفته غير محددة، دوره ليس واضحاً، صار مسخة الزمن الفائت، وسخرية المهمشن الذين عزلوه عنهم عندما اختار فعل الكتابة. إن نوع الشعب هو الذي يحدد نوع الفن، وإن إهتمام شعب من الشعوب بفن من الفنون هو الذي يرغم الدولة على الإحتفاء به. فلانعجب من الإلتفاف حول صناع الفن المرئي والمسموع وهجر رواد الكلمة والكتابة، سواء في كافة وسائل الإعلام أو حتى الإحتفالات الرسمية والتكريمات التي تقوم بها الدولة. صدق من قال شعب لايقرأ وإن قرأ لايفهم.

فصار الفنانون المخلصون مجرد ببغاوات مرددون لصيحات في الهواء، أو تقوم الدولة على تشويه/تهميش من يقع تحت أيديهم فيصير في أعين المجتمع الذي اختاروا أن يدافعوا عنه ويتحدثوا باسمه مجرد سفلة مهرطقون!!

ولماذا نذهب بعيدا؟ إن كانت هذه تحديات المرحلة الراهنة، فلابأس، في البدء كانت الكلمة والكلمة فكرة والفكرة لاتموت، وسيظل شاهداً للأجيال القادمة ماحدث، ستبقى التماثيل والكتب واللوحات وستتكشف حقيقة معركة الفرسان المغامير الذي عمل النظام والمجتمع معاً في فترة ما على عزلهم ليس عن ميدان التحدث ولكن عن الحياة بأسرها ..

 لكن..

على مر التاريخ نجد أن الذين يغرقون في عقيدة دينية ما، شديدوا التمسك بتراثهم الديني، متساهلون في التفريط في تراثهم الثقافي الذي انتخبته لهم الأرض والتاريخ بشتى صوره وأشكاله. وكم من حضارة ضاع من كنوزها وأسرارها للأبد بسبب تعصب أعمى وجهل قبلي. بينما الذين يتمردون على الإنتماء لعقيدة دينية بشكل وثيق، نجد أن مفهوم التراث عندهم يتسع عن مفهوم القبيلة والأمة إلى مفهوم الإنسانية بأسرها، وهذه هي الروح التي ترتوي بالفن.

لكن بَلوَرة مفهوم “منغلق” للتراث، نابع من مجتمع اتكالي، نفعي، لايسعى إلا لإرضاء احتياجاته الغريزية فقط من الأكل والإنجاب والزواج. ومن دولة تساهم في ذلك لخدمة مصالحها التسلطية والمحافظة على إقصاء الجماهير العريضة عن التدخل في أمور الحكم وإلهائهم في صراعات حُسمت في تاريخ العالم كله منذ آلآف السنين. ولذلك نرى مثلاً محاولات عديدة لتشويه الإرث الحضاري الذي تركه لنا الأجداد، ومحاولة إقحام آراء تعفنت في مزبلة التاريخ وإكسابها من خلال الدين شرعية العيش في زماننا الحاضر فتوقف أي خطوات تتحرك متعارضة مع هذه الأراء. فمحاولة تغطية التماثيل وحرق المجمع العلمي والكتب أمام صمت العالم بأسره وتشويه رموز الفكر والأدب، واغتيالهم على أرض الواقع على يد جهلة أميون لايعرفون القراءة أصلاً! ليس إلا مجرد طيش أهوج من مجتمع تسيره القبلية، يصم أذانه عن أي فكرة تكشف له مدى سوء حاله. فارتجاج المدخلات الكلية لايحدث إلا نفي اندفاعي هدفه التمظهر بالقوة معتزاً بالتملك بأفكار طواها الزمن وتناستها التجربة.

يبدو..

أنه هناك نزوع طبيعي للإستقرار ليس في مقدور الثوري نفسه أن يقاومه إلا قليلا، فهو قد يندد بالنظام القائم يوماً كاملاً. ومع ذلك فهو لايستطيع إكمال حياته، دون أن يؤيد الأوضاع كما هي، ولهذا سيكون من الحلم أن نشهد بأم أعيننا انقلاباً كاملاً في البناء الحالي للمجتمع.

ومن ناحية أخرى هناك نزعة إلى التغيير ليس في قدرة المحافظ على القديم أن يقف أمامها، فهو يقلد أجداده تقليداً أعمى يتعصب لتاريخهم ويعظم من منجزاتهم بالقدر الذي يجعله يفقد الشعور بالزمن ولابالتغيير الذي يسلبه طريقة لبسه وأكله ومشيه وتواصله. وحتى اللغة التي يستعملها في الإشادة بالأيام الخوالي الحُلوة، تتغير معانيها دون أن يحس. إن للنزعات الطبيعية نحو الإستقرار ونحو التغيير وجودا مستقلاً، لاتتأثر لما تبذه الدولة أو النظام من جهود!

التغيير يبدأ من أسفل الهرم وبإرادة ذاتية بحتة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد