لم يغب يومًا عن تفكير الأسد ونظامه الطائفي أنهم كانوا ولا زالوا أقلية، فكانوا ورغم إحكامهم القبضة أمنيًا وعسكريًا على سوريا، نلمح في عيون أعوان النظام خوفًا خفيًا، وربما كان هو السبب الأساسي في شدة هذه القبضة الأمنية لنظامٍ كان منذ لحظاتهِ الأولى طائفيًا، وقائمًا على هذه الفكرة، وكان سعي حافظ الأسد منذ بدايات حكمه لإيجاد توازن ديمغرافي قائم على الرعب الأمني، وثم استلام مفاصل الدولة وجيشها بشكل كامل من قبل طائفته وأعوانها، لإيجاد نوع من التوازن يوازي التوازن الديمغرافي للعرب السنة في سوريا، فكان أي أحد منا ليشعر عند دخولهِ إلى أي دائرة أو مؤسسة حكومية، بالنظر إلى نسب الموظفين، وكأن طائفة الأسد هي صاحبة الأكثرية المطلقة ديمغرافيًا في سوريا.

عدا عن حركة هجرة كبيرة لهذه الطائفة من الأرياف إلى المدن الرئيسة، وبالأخص دمشق وحمص، وانتشار ظاهرة التشيع بحرية، عن طريق النشاط الإيراني، وعن طريق جمعية المرتضى التي ترأسها جميل الأسد. يضاف إليها حالات الضعف الاقتصادي والفساد والبطالة، وانحصار التوظيف بنسبة كبيرة بين أبناء طائفته، مما دفع الشباب من باقي الطوائف إلى سيل من الهجرة باتجاه دول الخليج والغرب.

هذه الممارسات التي اتبعها الأسد الأب، وكانت تشكل لنا حركة تغيير ديمغرافي غير مباشرة، كون التغيير المباشر غير ممكن وقتها، والذي ظهر بشكل ما خلال أحداث حماة عام 1982 من خلال حرب إبادة طائفية استهدفت آلافًا من أبناء حماة، وخلال أقل من شهر واحد، تحت مسميات طائفية.

واستمرتْ هذه الإجراءات أيام الأسد الابن، والذي وجد في اندلاع الثورة عام ،2011 فرصة ذهبية لتحقيق الحلم التاريخي لعائلته وطائفته، في تغيير وجه سوريا التاريخي، والذي على ما يبدو لم يكن التغيير هدفًا للثوار السوريين فقط، وإنما كان هدفًا للأسد أيضًا.

طبعًا إيجاد حالة من التوازن الديمغرافي للعلويين في سوريا مستحيل كون نسبتهم لا تتعدى 12% في أحسن التقديرات، مقابل أكثر من 62% للسنة العرب، ولكن كانت الفكرة إيجاد توازن (سني – أقليات) هي مخطط الأسد عن طريق جعل الأقليات الطائفية كلها في خندق واحد، خلف نظامه، من خلال خلق حالة من الخوف الطائفي، تجاه العصابات الإرهابية (ذات الطابع الديني الواحد) وتكريس فكرة النظام بأنه حامي الأقليات مع عملقة داعش وجبهة النصرة.

لذلك كان حرص الأسد على إبقاء المناطق ذات الأقليات تحت سيطرته، ومتاخمة لمناطق داعش والنصرة في كثير من الأحيان، وخلق حالة الرعب هذه تجاه الثورة ومكوناتها، وتحويل هذه الثورة إلى حرب طائفية عبر بروبغندا، عَمِل عليها النظام كثيرًا.

وكان مخطط الأسد التهجيري استكمالًا لهذه الخطوة، فلجأ إلى عمليات الاقتحام والاعتقال، ثم القصف الوحشي وتدمير المدن «السنية» مما جعل ما يقارب من نصف سكان سوريا بين نازح ولاجئ (داخلي وخارجي).

وكانت عمليات التهجير الجماعي الخبيثة والمخطط لها، بأسلوب الحصار والقصف والتجويع، لإكراه المحاصرين على تفاهمات تهجيرية، والتي بدأت من القصير في ريف حمص عام ،2012 وتتابعت في أغلب مناطق الثورة، كان لهذه التفاهمات والمصالحات الدور الأبرز في إفراغ مدن كاملة من سكانها الأصليين وترحيلهم نحو الشمال السوري.

عدا عن حالات هروب الشباب (وهم الفئة العمرية الأكبر في سوريا) من مناطق سيطرة النظام، نتيجة استدعائهم للخدمة الاحتياطية أو الزج بهم في معتقلات أو معارك كان مصيرهم فيها القتل.

ولم يتوانَ الأسد في إصدار مراسيم لمصادرة أملاك المهجرين، وتجنيس ألوف الشيعة وتملكهم لعقارات بشكل كبير كان أغلبها في العاصمة دمشق.

اليوم يقف الأسد في مناطق سيطرته (سوريا المفيدة) وبمباركة أغلب دول العالم، وقد نجح عبر خططهِ هذه في جعل الكفة الديمغرافية تميل لصالح معادلته (السنّة العرب مقابل الأقليات)، وأنه رئيس للأكثرية «واقيعًا»، وهو ما دفعه لاشتراط عدم مشاركة من هم خارج حدود سيطرته في أي انتخابات تجري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد