في هذا السياق العالمي نشأت البرجوازية المصرية الحديثة في عصر محمد علي وأسرته.

يطرح تروتسكي في مفهومه حول الثورة الدائمة أنه من الخطأ الرهان على البرجوازية الحالية – التي صارت اليوم طبقة حاكمة عالمية مستقرة- لقيادة الجماهير نحو تغيير انتقالي يفكك هيمنة السلطة، ويفتح المجال للحريات بشكل مرحلي، وأن الرهان اليوم لا بد أن يكون على حركة الطبقة العاملة من أسفل، لقيادة عملية التغيير والتنوير.

تاريخيًّا قامت البرجوازية الأوروبية الناشئة، مدفوعة بالصراع مع الطبقة الإقطاعية المسيطرة والمتحالفة مع الكنيسة، بتبني أفكار تقدمية، وقيادة الجماهير المكتوين بنار التمييز الطبقي الهائل، إلى عملية تغيير كيفية شاملة أنهت سيطرة الإقطاع عالميًّا، ورسخت سلطة البرجوازية والمجتمع الرأسمالي على أنقاضه، ولكي نفهم الروح الثورية التي سادت في تلك الفترة يمكن أن نقرأ فولتير، وروسو، وغيرهم من فلاسفة هذا العصر المنحدرين من أصول برجوازية.

يقول «فولتير» فيلسوف الثورة الفرنسية والتنوير، والمحامي المنحدر من أصول برجوازية، عن عصور ما قبل الثورة «في فرنسا يسود حكم مستبد، وطبقة نبلاء إقطاعية مغرورة بنفسها، وعاطلة عن العمل، في فرنسا تجد التجارة محتقرة، والفلاح مسحوقًا يئن تحت وطأة الضرائب المفروضة عليه من قبل الإقطاعيين، وفي إنكلترا تجد حكم البرلمان السيد المستقل، بعد أن قضوا على الاستبداد من خلال ثورتهم الشهيرة ثورة كرومويل (الحرب الأهلية التي انتصر فيها البرلمانيون على الملكيين بإنجلترا)، التجارة محترمة، والفلاح غنيًّا وفخورًا بوضعه، وواثقًا من نفسه».

كما يقول صاحب العقد الاجتماعي روسو، والمنحدر أيضًا من أسرة برجوازية، محطمًا قواعد الحق الإلهي للملوك ومؤسسًا مفهوم «العقد الاجتماعي» الذي يحمل مساواة صريحة بين الحكام والمحكومين، إن الدولة تنشأ من خلال عقد بين الفرد والنظام نتيجة التطور من نظام طبيعي تسود فيه قيم الفرد، إلى نظام اجتماعي يتنازل الفرد فيه عن بعض سلطاته لصالح الجماعة السياسية، مع ملاحظة أن الفرد عندما تنازل عن جزء من سلطته، لم يتنازل عنها لصالح فرد أو مجموعة أفراد، وإنما تنازل للمجتمع ككل، لتنشأ إرادة عامة ينظم المجتمع بها شؤون أفراده، وهو ما يؤدي إلى ظهور الجماعة السياسية، وتكوين الهيكل السياسي المنظم لشؤون المجتمع، والقائم بمصالحه، ولما كانت الإرادة العامة هي القوة العامة، للشعب أن يغير حكومته متى شاء؛ لأن كلمة الشعب في هذه الحالة، إنما تعبر عن رغبته وإرادته العامة.

ويقول الفيلسوف «كلود أدريان هلفتيوس»، الذي ظهر في الفترة نفسها «إن الناس يولدون متساوين في القدرات والمواهب، لكن ظروف التنشئة والتربية، ومقدار ما يحصلون عليه من تعليم هو ما يصنع الفارق».

وهكذا نلاحظ مدى حدة وراديكالية الآراء التي تبناها أبناء البرجوازية في حقبة الثورة على الملكية والإقطاع.

مع استقرار الوضع للبرجوازية في المجتمع الأوروبي الجديد، اكتسبت الطابع المحافظ الذي كان سمة الإقطاع في السابق، فلم يعد في مصلحتها قيادة التغيير، بقدر ما صار الأهم لديها هو تثبيت الوضع القائم، وفرملة كل محاولات التغيير الجذري، والتعامل الانتقائي مع النصوص الدينية، والتراثية، والقانونية بما يتماشى مع مصالحها، وهذا ما انعكس في آراء الفلاسفة اللاحقين، ولا عجب أن يصف الفيلسوف «كانت» بعد هذا التاريخ بنصف قرن، الأمل بأنه مصدر بؤس الإنسان كله.

نشأة البرجوازية الحديثة في مصر

في هذا السياق العالمي نشأت البرجوازية المصرية الحديثة، في عصر محمد علي وأسرته، في القرن التاسع عشر، مع مرحلة ما بعد انتصار البرجوازية الأوروبية، لتتحول إلى برجوازية تابعة، تابعة فكريًّا للبرجوازية الغربية المنتصرة، التي تشربت منها الأمراض الانتقائية المحافظة للبرجوازية العالمية المهيمنة، وبرجوازية تابعة من حيث المصلحة لمشروع محمد علي وأسرته.

فبعد خروج الاحتلال الفرنسي من مصر، جاء «محمد علي» محمولًا على أعناق الطبقة الوسطى المصرية، الأزهرية القديمة بقيادة «عمر مكرم»، في ثورة شعبية كبيرة حاصرت قلعة صلاح الدين في 1805، ولكن بعد استقرار الحكم لـ«محمد علي» تخلص أولًا من المماليك في مذبحة القلعة الشهيرة، مطيحًا مراكز القوى المملوكية في مصر، ثم جاء الدور على «عمر مكرم» الذي أطاحه مستغلًا مواقفه الفكرية النابعة من كونه أحد أعضاء الطبقة الوسطى الأزهرية القديمة، ذات الطبيعة المترددة تجاه التغيير وقضايا الفقراء.

وهنا أود سرد حكاية صغيرة عن عمر مكرم تبين كيف تفكر الطبقة الوسطى المصرية القديمة، كان «محمد علي» قد استصدر قرارًا بتقليل الضرائب عن المحتسبين والفلاحين بعد موسم جفاف ضرب مصر، وهو ما أجازه عمر مكرم للملتزمين وأنكره على الفلاحين، واستخدم محمد علي هذا في تحطيم شعبية عمر مكرم، والتمهيد لنفيه إلى دمياط في النهاية.

بعد استقرار الحكم لمحمد علي أقام هو الطبقة الوسطى الحديثة في مصر على عينه؛ لتكون بالأساس خادمًا لمشروعه التوسعي المرتكز على إقامة دولة مركزية قوية، وجيش مركزي قوي، إذ جند المصريين على أن يكونوا جنودًا فقط، وتحت قيادة أجنبية، وفي عصر سعيد سمح لهم بالترقي، وهو ما أوقفه إسماعيل ثانية بعد ذلك، مما أوغر صدور الضباط والطبقة الوسطى الحديثة، وكان أحد أسباب الثورة العرابية.

كما أرسل محمد علي، ومن بعده إسماعيل، البعثات للتعليم في أوروبا، وأرسل مشايخ معهم، ليكونوا الهيكل الإداري والتنفيذي لدولته الجديدة، كان هذا ثاني احتكاك مباشر للمصريين بأوروبا ما بعد الثورة الفرنسية، إذ كان أول احتكاك هو الاحتلال الفرنسي لمصر، ولا عجب أن رفاعة الطهطاوي أبا التنوير والترجمة، كان أحد هؤلاء المبتعثين إلى الخارج، وهكذا نجد ارتباط التنويرين والطبقة الوسطى الحديثة (الأفندية)، بالدولة المركزية منذ البداية.

جاء الأفغاني إلى مصر بتصوره حول الدولة الدستورية، هذا التصور الذي خلق الخلاف مع السلطان عبد الحميد في إسطنبول، ونلاحظ في خطاب الأفغاني صدى لأطروحات روسو وفولتير، ليتخرج على يديه بعد ذلك محمد عبده، والنديم، وعرابي، وسعد زغلول، الذين سيكونون قادة للثورة بعد ذلك.

قامت الثورة العرابية في البداية ضد التمييز في الجيش، وتعبيرًا عن عدم رضى هذه الطبقة الجديدة عن وضعها القديم، وكانت هذه الثورة تحمل بين طياتها بذور فشلها من إصلاحية وتردد اتسمت به قياداتها.

إن أحد أسباب هزيمة الثورة العرابية، يعود لأوهام قادتها حول الملكية الدستورية، وإمكانية الإصلاح من داخل النظام؛ فقد كان قادتها يَرَوْن ضرورة تثبيت الأوضاع الطبقية، وفرض الوصاية على الجماهير عبر مجلس شورى يمثل البرجوازية وقطاعات الطبقة الوسطى الصاعدة «الملكية الدستورية».

وفي الجزء القادم سوف نتعرض باختصار للعديد من النماذج للبنى الفكرية التي ولدتها هذه الطبيعة الطبقية، في سياق عالمي شديد التقلب والتحول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد