يتشابه كثيرًا الربيع العربي مع خروج بني إسرائيل من مصر، فبعد أن كان فرعون يسومهم سوء العذاب فيذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، وكانوا خدامًا للشعب القبطي، ومصيرهم بيد فرعون، ومستقبلهم هو من يحدده، باختيار خلف له، ويصعب أو يستحيل أن يزاح من حكمه إلا إذا أصابه الموت، إلا أن الله حينما أذن لهم بالنهوض من كبوتهم، أرسل لهم موسى، يحيي فيهم مقاومة الفرعون، وكشف زيف القوة والهالة المحاط بها الفرعون، فما هو إلا وهم نسج في مخيلتهم أنه إله مكلف من إله السماء، بالبقاء، وأن عبادته من عبادة رب السماء.

هكذا ظلت الشعوب العربية مدة طويلة من الزمن معتقدة أن بقاءها من بقاء فرعون، وألا بديل عنه، يمنح ويعطي من خير الأنهار التي تجري من تحته، فلا سبيل لها إلا أن تنتظر أن يصيب الموت أحد حكامها لكي يرأف القدر بهم فيستبدل به من يحول دنياهم المرة إلى حلوة.

خرجت الشعوب العربية كما خرجت بني إسرائيل متخفية في بادئ الأمر، قليل من المواجهة وكثير من خوف بطش الفرعون، إلا أن فرعون فطن أن خروج الفئات القليلة هو بداية لنموذج من نور يسطع في سماء البلاد،  متشبهًا بلوحة فنية رائعة بألوان قوس قزح؛ أن الفرعون خلق من خلق الله، وما هنتم عليه إلا بعد أن هانت عليكم أنفسكم، وأنكم بإيمان من الله تستطيعون أن تكسروا شوكة فرعونكم، وأن الناموس الإلهي ينصر الفئة القلية على الكثيرة إن تسلحت بالصبر والعزيمة، فها هو فرعون الدنيا يغرق بإشارة من عصا موسى ويعود إلى ضعفه البشري معلنًا الإستسلام «آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ» إذن أين الأنهار والأشجار التي كنت تتحكم في إعطاء هذا ومنع هذا لإنقاذك، فهل تخلت عنه؟

لا لم تتخل عنه بل هي الحقيقة التي نسج عكسها كبيوت العنكبوت في عقول متبيعه، لأنها لم تكن ملكًا له لتتخلى عنه بل ملك لمجموع البشر على كوكب الأرض، وها هم فراعنة العرب الذين ظلوا معظم حياتهم حكامًا للعرب، حتى إذا قرب من نهاية العمر الافتراضي للإنسان وأطاحهم موج الشعوب قالوا «لقد فهمتكم، وأنتم أبنائي، ووصلت رسالتكم، ولقد… إلخ».

لكن سنة الله لا تتبدل ولا تتحول، فكان لا بد من خروج السامري يصنع إلهًا من وهم وزيف، ويعرضه على الجميع الذين من بينهم من غرهم انتصار الناموس الإلهي، وركونهم إلى ما هو مادي، فكان السامري كالغربال يتساقط منه الدقيق الصالح لصنع الخبز ويبقى معه الرديء، الذي لا يصلح إلا لإطعام الحيوان.

سنة الله في استخلاف من يحب في صنعه هي من يتحمل مشاق الدنيا ومفاتنها ويوقن أن الجنة سلعة غالية لا تنال بالركود في الطين المصنوع منه، ولكن في السمو مع الروح المنفوخة فيه.

وهكذا الشعوب العربية آمنت بزيف الإعلام ووهمه وآمنت أنها من صنعت النصر على فرعون وأنها من أسقطته وتناست فضل الله عليها، وبدأت في الركود إلى الدنيا والدعوة إلى التقدم والحضارة بترك أوامر الله ونواهيه، وبعد أن كانت تؤمن بالفتنة أصبحت تنشرها وتحارب كل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

فكان لا بد من عقاب قاسٍ لبني إسرائيل على ظلمهم لأنفسهم واستسلامهم لشهواتهم فقتل بعضهم بعضًا الأخ يقتل أخيه والأب يقتل ابنه، حتى كاد يفنى بنو إسرائيل، حتى رفع الله عنهم الظلمة.

وهكذا اشتعلت نار الفتنة بين الشعوب العربية، وأصبح الأخ يكره أخاه ويتمنى موته، والجار يتمنى زوال جاره، والأب ناقم على ابنه، فتنة أصابت الأمة.

إلا أن الله فعل ببني إسرائيل ما فعل لحكمة أرادها وذكرها سياق القرآن، وهو الاستخلاف في الأرض وإقامة عدل الله في خلقه، فها هو يوشع بن نون يأخذ بزمام بني إسرائيل بعد موت موسى ويخرجهم من التيه إلى الأرض المقدسة التي وعد الله ليتحقق وعد الناموس الإلهي «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا» وعاش بينهم يوشع وأقام فيهم التوراة وعدل الله وظل خير الله على بني إسرائيل حتى ملكوا الدنيا فها  هو داوود، عليه السلام، أول ملك من بني إسرائيل وها هو سليمان بن داوود يمتلك القوة لإخضاع من في الأرض جميعًا.

مات موسى من بين الشعوب العربية، وهم في انتظار يوشع بن نون يلم شملهم ويعيد مجدهم ليستعملهم الله ولا يستبدلهم، وليتحقق فيهم ملك سليمان بن داوود، عليه السلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد