الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد..

فلماذا يريد البعض أن يفصل بين ما هو جديد وما هو قديم؟ أليس لكل علم نشأة وتكوين لا ينفصل عنهما ولا ينفك؛ فللعلوم قواعد وأصول ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، فانفصال الشيء عن أصله إنما هو انفصال للشيء عن أسباب حياته وبقائه ووجوده، فكذلك من يريد أن يفصل بين التراث الفقهي والواقع الحالي  هو في الأصل يريد أن يهدم هذا الصرح المعجز العظيم بحجة إعادة البناء «ولات حين مناص»، ولذلك وبدون استطراد في التوصيف نريد أن نسأل هل هناك ثابت؟
هل هناك متغير؟

نعم يوجد في الفقه الإسلامي ثابت، وكذلك متغير، ولقد فرق الفقه الإسلامي بينهم؛ وذلك لتجنب شر فريقين.

– أحدهما: الذي يتعامل مع التراث بجمود دون مراعاة للواقع والحال والمآل
-والثاني: من لا يفرق بين أصل وفرع ومن لا يفرق ببن ثابت ومتغير فينزل الثابت منزلة المتغير ولا حرج عنده.

فلو نظر الإنسان إلى أصول الفقه وقواعده لوجدها وضعت لكي يستطيع كل فقيه في كل زمان ومكان أن يتعامل مع الحادثة حسب معطيات الواقع ومراعاة أصول الشرع التي يبني عليها حكمه، فمثلًا لم ولن يختلف أحد من الفقهاء في كل زمان ومكان على قاعدة «الضرر يزال»، ولكن سيختلفون في تطبيقها على حسب ما يمليه الزمان أو المكان، إذًا فالأصل ثابت والفرع متغير، ولقد أشار الدكتور عبد الكريم بكار إلى هذه المسألة فقال: «نحن نعيش واقعًا معقدًا للغاية اختلط فيه ما هو شخصي بما هو عام كما تداخل فيه السياسي بالاجتماعي والاقتصادي بالتربوي والعاجل بالآجل، والداخل بالخارج، وتقدير المصلحة والمفسدة في وضعية كهذه غير متيسر لطلاب العلم الشرعي وحدهم مما يتطلب وجود مؤسسات للاجتهاد الجماعي، فإذا وجدت قضية اقتصادية أو اجتماعية قام فريق من المتخصصين في العلم الذي تنتمي إليه تلك القضية بتشخيص المصلحة والمفسدة المترتبة على الإقدام أو الإحجام، والتوسع أو التضيق بشكل دقيق قدر الاستطاعة، ثم يعرض ذلك التشخيص على فريق من علماء الشريعة المعروفين بالقدرة على الاجتهاد، وإذا كان لهذا الفريق نوع من التخصص مثل الاختصاص في الاقتصاد مثلًا كان ذلك أفضل».

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى تلك الصعوبة بقوله: «وهذا باب واسع جدًا لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة، فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلاوم، فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات، فيرجحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجحون الجانب الآخر، وإن تركت حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون إلى الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرة، أو يتبين لهم فلا يجدون من يعينهم على العمل بالحسنات، وترك السيئات، لكن الأهواء قارنت الآراء»1.

ما يحكم به هذا الفريق وما يراه يكون بمثابة فتوى يأخذ بها الذين يثقون في دين ذلك الفريق وعلمه، وهذه الفتوى قد لا تلزم الناس، أو تكون سائغة بالنسبة إليهم في زمان أو مكان آخر؛ «لأن الظروف حين تتغير فإن تشخيص المصالح والمفاسد يختلف؛ مما يجعل الحكم يختلف»2، وكذلك باقي القواعد الفقهية الكلية، ولا يحسن إدراك ذلك واستخدامه إلا عالم بأصول الدين عالم بظروف زمانه ومكانه، فما يجوز اليوم لأهل مصر من الأمصار ربما لا يجوز لهم بعد عام، وهناك نماذج كثيرة، لذلك مثل: الشافعي في الجديد والقديم، وأحمد ابن حنبل وأكثر المسائل له فيها قولان، واختلاف أهل المذهب الواحد كلما تباعد بهم الزمان والمكان، فالفقه الإسلامي وحدة ثنائية النظرة، ينظر بعيني الشرع والواقع الذي سيطبق عليه، ولذلك كان لابد أن ندعو إلى قراءة التراث الإسلامي بدلًا عن تهميشه بحجة فقه الواقع والحال، واعلم أن بقدر تهميشك للتراث بقدر بعدك عن الواقع وتهميشه أيضًا.

فهذا التراث جزء من تكوين هذا الدين، وستجد بين ثناياه كيف تنقده وتنقضه، وتخرج منه ما هو مخالف لفطرته وأصل تكوينه، ولن يكون هناك فقيه مدرك لواقعه، وكيف يتعامل مع نوازله، إلا إذا تمكن من أصوله وقواعده، ونظر إلى الأحداث والمستجدات بالمنظور الإسلامي ثنائي النظرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد