وحدثت الفورة «الثورة»، دون تجهيز، ولا تخطيط، وجاءت المولودة إلى الحياة، وما عرفنا كيف جاءت، جاءت بنت الغضب؛ فسميت (فورة الغضب)، واختلفنا في نسب الأبوة كل يريدها لنفسه، ويقول: أنا من نكحت الغضب، ويا ليت كان بيننا ناكح للعقل، فقلنا إنها بنت الجميع، ففرحنا بها كما يفرح الآباء الحقيقيون بمولودهم، وأقمنا الأفراح، وهتفنا «أيد واحدة»، وأصابع متنافرة، وانفض الجمع، ومرت الأيام؛ لنكتشف أن ما أصعب الأبوة على من لم يعد نفسه لها؛ فهذه المولودة تحتاج إلى رعاية وعناية بالغة الدقة والحساسية، وجزعنا من هول المفاجأة، لكنها الفرصة التي لن تتاح بعد ذلك، لن تتاح للأمين، ولن تتاح للئيم فرصة «التغيير»، نعم؛ اتفقنا على ضرورة التغيير، واختلفنا في آلية التغيير، وافترقنا، فاحترقنا، ووأدنا مولودتنا الجميلة، فأية جاهلية هذه؟

نعم إنها الجاهلية التي جعلتنا نضل الطريق، بالرغم من حب الوطن من الجميع، والخوف عليه، إلا أن جهل الطبيب جعله يقتل المريض، لا مداواته، نعم بجهلنا، وقلة وعينا جميعًا، بلا استثناء، جهلنا ببعضنا البعض، وجهلنا بالثورة ومفهومها، كان سلاحنا الوحيد في هذه الفورة «الثورة» هو الاتحاد وفهم «الشطار» هذا، فلعبوا على هذا الوتر «فرق تسد»، فنظر كل واحد منا إلى نفسه على أنه الأمين حامي الفورة «الثورة» من من؟ من البقية، اللصوص، الخونة، شركاء الميدان، فتقاتلنا على الفراغ ونسينا «الشطار»؛ فتحقق فينا وصف «أمير الشعراء» للسمك «يتصيد بعضه بعضًا إن أبطأ الصائد»، ولم نحترم اختلافنا، وآه لو وعينا ما للاختلاف من فوائد، وكما قال «جبران خليل جبران» «أنت أعمى، وأنا أصم أبكم، إذن ضع يدك بيدي فيدرك أحدنا الآخر»، وجهلنا بمفهوم الثورة، فالثورة ثورة أفكار قبل أن تكون تغيير «الشطار» فهي شخصية في المقام الأول، قبل أن تكون فورة، هي ثورة أو قل «مراجعة كل منا لنفسه»، مراجعة للأفكار والمفاهيم المغلوطة، والعادات والتقاليد المتوارثة، بالرغم من رداءتها، والفهم المغلوط للدين، ودوره في بناء المجتمعات، نعم هي ثورة ذاتيه يولد شعور كل واحد فينا بالنقص، وأنه في حاجة إلى استكمال ما به من نقص، فإذا تولد هذا الشعور فينا، سنؤمن حقًا أننا في حاجة إلى بعضنا البعض؛ لنكتمل؛ فالقطب الموجب يحتاج للقطب السالب؛ حتى تكتمل الدائرة وننير الطريق، فإذا لم تتحقق الثورة كسلوك في حياتنا اليومية كأفراد، فلا داعي للفورة؛ لأنها ستكون فورة عاطفة وأماني، لا ثورة غايات وأهداف، ستكون ردة فعل، لا فعل وأسلوب حياة، ستكون فورة غضب، لا ثورة فكر وسلوك. سنفور من أجل لقمة العيش، فإذا أطعمونا، كما يطعمون الحيوانات، سكنا وهدأنا، كما تسكن الحيوانات، فهل هذا هو أقصى ما نتمناه؟ أن نعامل كما البهائم في الحظائر أو قل: «أطعم الفم تستح العين»، فإن أطعمونا غضضنا الطرف عن سوآتهم، فهذه ليست ثورة، بل قل «عشوة»، ومختلفون على الحساب، فأية جاهلية هذه!

ولا أجد كلمات أقوى ولا أدق من كلمات  العملاق «جمال حمدان» لوصف علاج المرحلة الحرجة التي نمر بها «إننا لم نكن أحوج مما نحن الآن إلى فهم كامل معمق موثق لوجهنا ووجهتنا، لكياننا ومكاننا، لإمكانياتنا وملكاتنا، ولكن أيضًا لنقائصنا ونقائضنا، بلا حرج أو تحيز أو هروب. ففي هذا الوقت الذي تأخذ فيه مصر منزلق تاريخي مهلك قوميًا ويتقلص حجمها ووزنها بين العرب وينحسر ظلها، تجد مصر نفسها بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة النظر والتفكير في كيانها ووجودها ومصيرها بأسره: من هي، ما هي، ماذا تفعل بنفسها، بل ماذا بحق السماء يفعل بها، إلام، وإلى أين…إلخ؟ وبالعلم وحده فقط، لا الإعلام الأعمى ولا الدعاية الدعية ولا التوجيه القسري المنحرف المغرض، يكون الرد».

كفانا فّورات! فكم فورة مرت على مصر، وحدثنا عنها التاريخ، ولكن مرت كأن لم تكن لم تؤثر في وجداننا وكياننا وفكرنا، نعم فرغت شحنة الغضب التي بداخلنا الناتجة عن تردي أوضاع البلاد، لكن ماذا بعد أن مرت؟ هل تحسنت البلاد أم اتجهت من سيئ إلى أسوأ؟ فهل توقفنا لنسأل أنفسنا لماذا؟ ما العلة؟ فلو أننا سألنا أنفسنا هذا السؤال، وأجبنا عنه بكل تجرد؛ لأدركنا أننا العلة، وكما قال «أنيس منصور» «لا تتهم قمرًا ولا ثمرًا، ولكن اتهم العين المفتوحة ولا ترى. والفم المفتوح ولا يتذوق، والقلب الذي يدق في الصحراء، والعقل الذي يمسك سحابة، انظر إلى نفسك في المرآة؛ وقل: إنني أتهم هذا الوجه!»

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد