يبدو أن ما يمر به الحراك الشعبي في الجزائر يجعلنا نرتب بعض المشاهد ونعطي ولو بعضًا من التأويلات لما يدور في الساحة السياسية علنًا أو داخل الكواليس.
فإذا ما ذهبنا لكرونولوجيا خطابات رئيس الأركان، فإن أغلب ما يمكن أن تفسره تلك الخطابات أن الجيش الشعبي الوطني هو حامي الوطن والشعب، وهو كفيل بتحقيق مطالب الشعب وفق تكريس ما يسمى بسيادة الشعب التي تعلو فوق كل التقديرات والاجتهادات الدستورية والقانونية، وفي كل مرة يتبين لنا أن المنحى الذي تسير فيه تقديرات وخطط المؤسسة العسكرية في تزايد، غير أنه يصطدم بعوارض تقلل من تزايده، وتحاول التقليل من سرعته، وهذا باستعمال كثير من الأدوات، ولعل أداة القضاء هي واحدة من بين هذه الأدوات، وهي من يفصل ويحدد ويضبط الكثير من الأطر الاجتماعية والاقتصادية من خلال ما يسمى بقوة القانون، وليس بقانون القوة، وهذا ما تجلى بوضوح في خطابات قائد الأركان، الذي بدوره أعطى كل الإشارات الخضراء لأصحاب البدلة السوداء القانونية من أجل توقيف أصحاب البدلة السوداء البارونية. 

والمشاهد لما يحدث قد يتساءل بخصوص هذا التماطل في الذهاب بسرعة لهذا الإجراء القانوني والصارم، ومما يزيد في تزايد الشكوك والتساؤلات أنه كيف يمكن للفاسد أن يحارب الفساد، في حين نجد أن ما حدث للقضاء في بلادنا هو نفسه ما حدث للفن الجميل، وهو نفسه ما حدث للثقافة والأدب، وهنا نقصد سرقة كل ماهو جميل من هذه العناصر، بحيث عمل النظام البوتفليقي على مدار 20 سنة الماضية من تخريب هذه المنظومات الأصيلة، ثم استبدل بها منظومات دخيلة وهي التي كان يقصدها الشعب الجزائري اليوم بمصطلح الكاشيريات؛ أي إن القاضي، والفنان، والصحفي، والأديب وغيرهم من من يوجهون ويصنعون الرأي العام جرى تدجيجهم وتلغيمهم كاشيريًّا، وهذا النوع من التدجين والتلغيم هو أخطر من التدجين والتلغيم الحي والحقيقي؛ لأنه حسي ويستمر ويتكاثر، بينما النوع الآخر مادي وينتهي ويزول، لذلك كان سلك القضاء هو ضحية صناعة رجال ونساء أوفياء لمن صنعهم، وهذا لا يجعلنا نقصي الشرفاء من القضاة؛ لأن لولا الشرفاء دائمًا لما استطعنا أن نتكلم عن التدافع السياسي الشريف والعفن، وبين نوايا الأصوليين الوطنيين، وبين الانتهازيين الموالين.

ولقد أوضح التحرك القضائي نوعًا من التحرر منذ سماع العديد من رجال الفساد من سياسيين ورجال مال وأعمال، وكذا اعتقال آخرين واتهامهم بتبديد المال العام، ودخولهم في صفقات مشبوهة، ونخص هنا حتى جنرالات كانوا صنيعة فئة من العصابة حتى يحافظوا على توازن وجودهم في كافة الموازين ودواليب الحكم، وما يؤكد هذا الأمر هو التغيير الأخير الذي أجراه رئيس الدولة بن صالح، الذي لم يخل من لمسة من كانوا وما زالوا ينصبون ويقيلون ويزيحون كل من كان أو سيكون تهديدًا عليهم وعلى مصالحهم، ومن جهة ثانية تحرك آخر جاء استجابة لنداء المؤسسة العسكرية بمباشرة استدعائها لباقي الخونة والمفسدين، والذين عبر عنهم رئيس الأركان في خطابه بأنهم سهروا على تنفيذ مخططهم منذ سنة 2015، وهذا ما جعل مهمة متابعتهم عبارة عن قضية كشف مخططهم من يوم لآخر، ثم تولي القضاء باقي المهمة. 

والأكيد أن مطالب الحراك الشعبي مقرونة برفض بن صالح وحكومة بدوي؛ لأن هذا الأمر هو عبارة عن امتداد لنظام بوتفليقي آخر بمسمى جديد، وجلب آليات عمل مفبركة ومدججة لا غير، وهو ما يتنافى وما يطلبه الشعب اليوم من تنحية الجميع الذين بيعوا وباعوا كل شيء، وجعلوا من كل شيء يشترى ويباع، وقد تمكنوا في النهاية من تسميم عامد استقامة الدولة، وهو القضاء، والذي بدوره يحتكم للعدل والعدل لا دين ولا وطن ولا لون له، فأينما استقام الناس على العدل فأكيد أننا سنشهد ثورة عدالية أقامها الإنسان، وهو من يتنازل عنها أينما شاء، وبذلك تكون الشعوب هي من تحدد مصيرها الحاضر؛ حتى تتمكن من صنع تاريخها للمستقبل. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد