تعتبر النيوليبرالية أو الكوروبراتية (سيطرة الشركات متعددة الجنسيات) وهما مفهومان مترادفان بشكل كبير، هي الأيديولوجيا العالمية المسيطرة ما بعد الحرب الباردة.

ويمكننا أن نرى وباختصار شديد أن لهذه الأيديولوجيا سمات وملامح تحددها عن غيرها وأهم هذه السمات:

1- الرأسمالية المتطرفة: فالنيوليبرالية لا تعترف بدور الدولة وتراه معوقـًا لإمكانيات السوق وقدرته على التطور وتسعى لتقويضه قدر الإمكان.

2- العالمية: كذلك لا تعترف النيوليبرالية بالحدود الجغرافية أو السياسية وتتخذ العالم كله مسرحًا لنشاطها ومجالاً لبسط نفوذها وفرض سياساتها وهي بذلك متجاوزة للقومية الحديثة ومهيمنة عليها.

3- اللا قيمية: لا تحتوي فلسفة النيو ليبرالية على أية منظومة قيمية داخلها بل لا تعترف بالمصطلح (لا عدل أو عدالة اجتماعية أو حفاظـًا على البيئة أو نشر المساواة أو غيرها من القيم) وتعتبر أن الربح بأية طريقة كانت هو القيمة المطلقة.

4- العدمية ( اللاغائية ): لا يجب أن يحقق النمو الاقتصادي هدفـًا ما أو يسعى لنشر قيمة ما فالنمو الاقتصادي هو الهدف وهو القيمة، حتى وإن تم إشباع الحاجات الإنسانية الرئيسة فسيتم على الدوام اختراع حاجات جديدة لتغذية النمو الاقتصادي.

وكأي أيديولوجيا تحترم نفسها فإن للنيوليبرالية أدوات ومفاهيم تبسط بها سيطرتها وتوسع دائرة نفوذها، ولعلنا إذ نعيش الآن مرحلة الذروة لهذا النظام العالمي الجديد فلن نكون قادرين على الإحاطة بهذه الأدوات والمفاهيم إحاطة كاملة إذ إنها تتغير وتتطور باستمرار، ولكن قد يجوز لنا في هذا المقام أن نلخص بعض أشهر وأهم هذه الأدوات.

1- مراكز الدراسات والتداخل مع السلطة السياسية:

تعتبر مراكز الأبحاث والدراسات التي تمولها الشركات والمؤسسات المالية الكبرى هي أحد أهم وسائلها للسيطرة على محددات السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول.

ومراكز الدراسات هذه تحقق للشركات أربعة أهداف رئيسية:

1- الضبط والسيطرة على المحددات العامة للسياسات الأمريكية بتقديمها للأطر والرؤى الأكاديمية والبحثية للسياسات المختلفة، التي غالبًا ما تكون ناقصة عند السياسيين والممارسين الفعلين للسطلة، وبالتالي القدرة على إخضاع السلطة لهذه الرؤى التي غالبًا ما تصب في صالح الشركات والمؤسسات.

 

2- السيطرة على الإنتلجنسيا والعقول المفكرة وإغراؤهم بالأموال واستهلاكهم لصالح هذه المؤسسات، وبالتالي ضمان عدم خروج أية نظريات أو أفكار خارجة عن هذه المؤسسات.

3- السيطرة على الرأي العام عبر تقعير الثقافة السياسية والشأن العام، وجعلهما كيانـًا أشبه بالأكليريوس المسيحي، وبالتالي عدم قدرة العامة ووسائل الإعلام على التفاعل في المجالات العامة إلا من خلال الرؤى التي تطرحها هذه المراكز.

4- توفير تيار دائم ومستقر من التنقلات الوظيفية بين هذه المراكز وجسد السطلة، فغالبًا ما تستعين الحكومات المختلفة بالباحثين في هذه المراكز في الوظائف التنفيذية، والعكس صحيح، وبالتالي ضمان التطابق التام في المصالح بين المؤسسات المالية والشركات الممولة لهذه المراكز والسياسيين الممسكين بزمام السلطة

وأشهر هذه المراكز والمجالس القومية البحثية:

( مؤسسة راند – معهد بروكينغز- مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية – مجلس العلاقات الخارجية – مؤسسة كارنيجي – مؤسسة هيريتيج – معهد المشروع الأمريكي لأبحاث السياسة العامة – مشروع القرن الأمريكي الجديد – معهد الولايات المتحدة للسلام – مركز كارتر- مركز نيكسون – معهد هوفر للحرب والسلام – مركز هنري ستيمسون – معهد كاتو – معهد هدسون – معهد أبحاث السياسة الخارجية)

 

2- الدبلوماسية والمؤسسات المالية الدولية:

تستخدم الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات المالية الدبلوماسية (اتفاقات التجارة الحرة وغيرها) والمؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) لخدمة هدفين من أهدافها:

1- اقتحام الأسواق الموجودة والسيطرة عليها عبر فرض اتفاقيات التجارة الحرة على الدول عبر الوسائل الدبلوماسية وغيرها، وتتيح هذه الاتفاقيات للشركات متعددة الجنسيات دخول الأسواق المحلية والسيطرة عليها برفع القيود التجارية والإدارية التي تفرضها الدول لحماية إنتاجها المحلي وشركاتها المحلية، مثل تسعيرة الجمارك والأنظمة الضريبية المختلفة، وبالتالي تفقد الشركات المحلية ميزاتها التنافسية مقابل الشركات متعددة الجنسيات العملاقة ذات الإمكانات الهائلة واللا محدودة وتؤدي هذه الاتفاقات غالبًا لفقدان كثير من فرص العمل والفرص الاقتصادية في السوق المحلي.

وأشهر الأمثلة على ذلك أزمات دول أمريكا اللاتينة والمكسيك المختلفة التي واجهت اقتصاداتها المحلية بسبب اتفاقيات التجارة الحرة.

2- إنشاء أسواق جديدة من العدم تستهلك فيها الاقتصادات الناشئة عبر سياسات الدين العام، وخطط التنمية التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي التي غالبًا ما تقدم وصفات اقتصادية مغرضة تؤدي لتفاقم أزمات الدين العام لعدم احتمال الاقتصاد المحلي لمثل هذه الوصفات التوسعية، وتؤدي هذه الوصفات المقترحة غالبًا لسيطرة الشركات الكبرى على مشاريع البنى التحتية مثل الكهرباء والطاقة والنقل والمواصلات وغيرها.

3- الوسائل الأمنية والمخابراتية:

تستخدم الشركات متعددة الجنسيات وكالات الأمن والتجسس الأمريكية لإحداث خلخلة واضرابات في الأنظمة التي تعارض سياساتها ويتم ذلك عبر عمليات الاغتيال أو الانقلابات العسكرية، وتعتبر تجربة الانقلاب الناجح على رئيس وزراء إيران محمد مصدق الذي مولته شركات البترول البريطانية ونفذته وكالة الاستخبارات الأمريكية هو النموذج الأبرز الذي ألهم صناع السياسة في الولايات المتحدة، مما دفعهم إلى تكراره بطرق مختلفة في كثير من دول العالم وأمريكا اللاتينية بالتحديد.

وكذلك من أهم نماذج عمليات الاغتيال كانت عملية اغتيال عمر توريخوس رئيس بنما الذي كان معارضًا للسياسات الاقتصادية التي فرضتها عليه الولايات المتحدة الأمريكية.

4- الوسائل العسكرية:

لا يخفى على الجميع أن التدخلات العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة لم تكن لحمايتها من خطر خارجي، بل كانت في الغالب عمليات احتلال وإخضاع خلقت لها المبررات الإعلامية والسياسية للتغطية على الأهداف الاقتصادية والتجارية خلف هذه الحروب فقد قامت الشركات متعددة الجنسيات باستخدام الجيش الأمريكي لتحقيق سيطرتها في الأماكن التي تفشل بالدخول فيها بالوسائل الدبلوماسية والسياسية، ومن أبرز الأمثلة على هذه الحروب المفتعلة هي حرب العراق التي لا يخفى على الجميع أن السيطرة على البترول كان الهدف الأغلى في قائمة الأهداف المرجوة من هذه الحرب.

هناك نقطة أخرى يجب أن نأخذها في الحسبان وهي أن هناك كثيرًا من هذه الشركات والمؤسسات المالية التي يشكل قطاع الصناعات العسكرية عمودها الفقري، وبالتالي تكمن مصلحتهم في إبقاء ماكينة الحرب دائرة، حتى لو لم تكن لهذه الحرب غاية في حد ذاتها.
5- نقطة أخيرة يجب ذكرها في توضيح كيفية عمل السياسات النيوليبرالية وهي ما عرف بعقيدة الصدمة، وهي سياسية اقتصادية أبدعتها و تبنتها مدرسة شيكاجو الاقتصادية ورائدها ميلتون فريدمان الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد وتقضي هذه النظرية بأن الكوارث والأزمات والمشكلات تعتبر هي المناخ الأنسب لممارسة سياسات الخصخصة والتمدد الرأسمالي وتقويض دور الدولة في النشاط الاقتصادي؛ لأن هذه الكوارث والمشكلات والحروب والفوضى تقوم فعليـًّا بهدم أشكال النشاط الاقتصادي القائمة، وبالتالي إعطاء الفرصة للشركات الرأسمالية بالتوسع في هذه المساحات الفارغة بأقل تكلفة، وقد وصل هوس النيوليبرالية بهذه النظرية حد أن أصبحت هذه الشركات والمؤسسات المالية هي السبب الرئيسي في صناعة كثير من الأزمات والحروب والمشاكل حول العالم.

 

وبإلقاء نظرة على الواقع المصري الآن كمثال بسيط فإن بقاء الوضع غير المستقر في مصر ووجود الجيش والشرطة في الشوارع، والصدام اليومي بينهم وبين المتظاهرين وغيرها من الأشكال المختلفة من عدم الاستقرار إنما هي فرصة مثالية لهذه الشركات لاقتحام السوق المصرية والسيطرة عليها بأقل تكلفة عبر مؤتمر بيع مصر في شهر مارس القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد