بينما يفقد العالم البوصلة ويبحث عن الشفرات الجينية لكورونا، وفي الوقت الذي تهتم فيه كبريات مخابر البحث البيولوجي بتحقيق السبق في اكتشاف العلاج لتسويق «ماركتها» وبسط نفوذها في الصناعة الصيدلانية، وبينما يتطلّع السياسيون لإعلان قوّة سياساتهم ودولهم وهي تحقّق هذا السبق في الاكتشاف وأخذ موقع رياديّ في عالم ما بعد كورونا، تُصدَم أفريقيا؛ أضعف قارّات العالم عِلمًا… أرض المستعمرات الأوروبية القديمة، تُصدم بالنخبة الفرنسية وهي تكرّس المنطق الكولونيالي في عِزّ المحنة، بإعلان الرغبة في جعل الأفارقة فئران تجارب لدواء قيد الإنتاج، ويشعر الجزائريون بأنهم المقصودون بذلك دون غيرهم من ساكنة القارّة، أو أكثر قصدًا من غيرهم، فيثير هذا الحديث غضبًا وسط المجتمع وتشير وسائل الإعلام إليه، لتُحيي جدلًا كبيرًا حول العلاقة مع المستعمر القديم الذي لازال ينظر إلى دول أفريقيا على أنها مستعمرات، وإلى شعوبها على أنها عبيد، أو لم تبلغ درجة الإنسان.

الوضع صعبٌ ومعقّد، على المستويات كافة بالنسبة للجزائريين جميعًا، حيث يعيش الشعب لحظات فارقة في منعرج تاريخيّ حاسم، فقد شرع في نفض الغبار عن أمجاده التي غطّى عليها الفساد، منذ خرج في 22 فبراير (شباط) 2019 للمطالبة بالإصلاح، وفي خضمّ مسار نضاله، شاء الله أن يتقاطع مع محنة عابرة للحدود، هي وباء كورونا، الذي كشف حقيقة الوضع بالنسبة للدولة والمواطن على حدّ سواء، حيث التقى الوطن وجهًا لوجهٍ مع عواقب ونتائج السياسات السابقة؛ مما زاد في تعميق حجم الوعي بضرورة الإصلاح وتحمّل المسؤولية، كلٌّ في مستواه.

في واحدة من أندر الحالات، نزلت السياسة بمفاهيمها إلى مستوى المواطن البسيط وجعلته يُدرك أهمية استغلال القدرات والطاقات البشرية الوطنية وتطويرها من أجل الاعتماد عليها في حلّ مشاكله، ولأوّل مرّة يستوعب الجميع بأن مخابر البحث الأجنبية المتطورّة وبراميل النفط التي تُستخرج في الوطن لا تضمن المحافظة على حياة الشعب وغير ضامنة لاستمرار قِوام الدولة، واكتشف المواطنون البسطاء أهمية العامل البشري الموسوم بصفة «المواطن» في مواجهة الأزمات؛ وعيًا، ومشاركة بالكفاءة في حماية الوطن، بينما ضربت هذه الأفكار السياسيّين والعقول المخطّطة لمستقبل البلاد في الصميم، ودفعت إلى إعادة النظر في خطاب الرفاهية الذي تتبنّاه، بينما أربكت أطيافًا سياسية أخرى، إلى درجة اختفاء أصواتها ووُجوهِها من وسائل الإعلام.

إستراتيجية المواطن المستقبلية التي حملتها شعارات الحراك، وصدمة وباء كورونا أمام عجز العالم عن إيجاد الدواء واهتمام كل شعب بشأنه الخاص، تحوّلا إلى محرّكين وعاملين قويّين في نفسية الجزائريّين الذين أيقنوا بأنهم يخوضون حرب بقاء وأن الصديق والعدوّ الخارجيّين لا يعبّران عن قيمة بقدر ما يعبّر الإصلاح الداخليّ والاعتماد على النفس باستغلال الكفاءات في تحقيق الأمن القوميّ.

أمريكا ودول أوروبا العظيمة باقتصادها وسلاحها ومخابرها العلمية، تسقط عاجزة أمام مواجهة هذا الوباء، والصين وروسيا وبقية الدول التي لها شرف تكوين النخبة وتشجيعها تكتفي برسم خطط لحماية مواطنيها والتموقع في العالم الجديد لما بعد كورونا، لتكون التحالفات والصداقات، ولأوّل مرّة، شعارات تعاطف وِدّية غير عملية، يكتفي السياسيون بتوظيفها في خطابات أصبحت نادرة الاهتمام بالشأن الخارجي.

«الحاجة أمّ الاختراع» ليست مجرّد مقولة مناسباتية، بل هي حقيقة فعلية، أدرك الجزائريون معناها بشكل عميق عندما استقبلوا أخبار بعض الابتكارات التي تقدّم بها الجامعيون والصناعيون، في شكل مبادرات جماعية محدودة العدد، حيث تمّت صناعة محاليل التعقيم وآلات الرش، والأقنعة المختلفة الواقية من الوباء، برعاية مالية تطوّعية وجهود بحث مستقلّة، اعتمادًا على خرائط وتكنولوجيا الإنتاج المُتاحة في الأدلة العلمية، وبتوجيه من سلاسل وثائقية محمّلة في الأنترنت كـ«يوتيوب».

فوضى المبادرات وما شابها من أفكار مغلوطة حول الوباء أو طرق ووسائل الوقاية منه، التي تدفّقت عبر وسائل التواصل الاجتماعي واستقبلها المنخرطون فيها بالقبول، ترجع في كثير من جوانبها إلى غياب الهيئات المنظمة التي توفّر الرعاية للمبتكرين؛ مما فتح المجال لغير أهل الاختصاص للمبادرة وتقديم الأفكار، غير أن هذا التدفّق والفوضى أعطى صورة أخرى للشعور القويّ بالمسؤولية، بالرغم من المخاطرة خارج الاختصاص، بينما شكّل تصحيح هذه الأفكار تدريجيًا في الفضاء الافتراضي رؤية أعمق وسط الجماهير بضرورة حماية المجتمع.

يستشعر المواطنون خطورة الوضع وضرورة الالتزام بالحجر الصحيّ، ويُلقون باللّوم على الدولة التي تتعامل برفق مع الموضوع، وتأخّرت حسب البعض في اتخاذ الإجراءات الاستباقية لمحاصرة الوباء، لذلك يطالب كثيرون عبر صفحات «فيسبوك» باستعمال القوّة العمومية لإلزام الجميع باحترام التعليمات التي يتم الإعلان عنها.

وعلى المستوى الرسميّ، اتّجهت السلطة تدريجيًا نحو احتواء الوباء، وهو ما يرى فيه البعض تأخّرًا في معالجة الوضع، حيث لجأت السلطة إلى فتح دائرة قرارٍ جديدٍ، بمجرّد إغلاق دائرة القرار الذي قبله، فمن التحذير من الوباء والتعريف به وبكيفيات الوقاية منه، إلى إقرار الحجر، فتوسيع نطاقه، إلى تمديد فترته، ويأتي التدرّج في هذا القرار في سياق رؤية عامة وشاملة، هي سياق استعادة الوضع المشوّش بعد أحداث الحراك الذي جعل مبدأ الرفض بديلًا عن الانصياع.

لا تقلّ إستراتيجية التدرّج في احتواء الوباء أهمية من الناحية السياسية، عن قرار التبرّع بالراتب الشهري الذي شمل الوزراء وموظفي الرئاسة كما نقلت وسائل الإعلام، بالرغم من كون القرار ذا قيمة رمزية أكثر من كونه ذا قيمة مادية، وهو ما ينسجم بشكل كبير مع تصريحات الرئيس في حواره للصحافيين منذ أيام قليلة، حيث حرص على إظهار الجانب الاجتماعي أكثر من حرصه على تقديم الجانب التقني أو القانوني أو السياسي، في تصريحات، قال بعض المحلّلين إنها عبارة عن رسائل، محورها «أزمة الثقة» بين السلطة والشعب التي يسعى الرئيس إلى رأب صدعها.

مهما اختلفت القراءات السياسية حول قرار التبرّع بالراتب الشهري داخل بيت السلطة، فإن هذه الخطوة تشكّل فارقة نادرة في سلوك المسؤولين الجزائريين، الذين يُؤخذ عليهم طابع الجفاء والقسوة في تصريحاتهم وتعاملهم مع انشغالات المواطن، ويتذكّر الجزائريون جيّدًا الدعاية الإعلامية التي سبقت طبع الأوراق النقدية في عهد النظام السابق، بالرغم من أن برميل النفط لم ينزل إلى السعر الذي هو عليه حاليًا، حيث صرّح بعض المسؤولين آنذاك بأن الدولة قد تعجز عن صبّ رواتب الموظفين في حال لم تطبع الأوراق النقدية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحراك, الوباء
عرض التعليقات
تحميل المزيد