تتعدّد مواقف الحياة الّتي تأخذنا نحو التّفكير الملحّ والعميق في مواضيع لم نكن نلقي لها بالا – أو أنّنا اعتقدنا دائمًا الوصول لتجلّي أسرارها ومكنوناتها -، لكنّنا غالبًا ما نكون مخطئين في اعتقاداتنا ومسلّماتنا؛ لندرك أخيرًا أنّنا لا نعرف الكثير، وأنّنا أنفقنا ردحًا من الزّمن في الاعتقاد بالسطحيّ من الأمور الّذي لا مفخرة فيه.

من العوامل الّتي تدعونا لإعادة النّظر في أفكارنا، وجود ذلك الشّخص المنظّر في حياتنا الّذي يجهر بالدّعوة والقول مدافعًا عن قضيّة ما أو موقف ما، معلّلًا أنّ وعيه يفرض عليه الدّفاع عنها وتوصيل الفكرة للنّاس؛ لكنّنا لا نرى في وعيه المزعوم أيّ وعي أو حكمة، وقد نكتشف أحيانًا أنّ نفس الفكرة الّتي يتبنّاها ذلك الشّخص كنّا قد آمنّا بها يومًا ما، ثمّ عدنا لندحضها بشدّة ونضرب على يد مؤيّدها. وهذه مفارقات عجيبة!

تتوارد الأفكار وتتناظر بين البشر، ويسود الاختلاف في الرّأي والتّدبير؛ وكلّ ذلك يدعو لنفس التّساؤلات الّتي تسود العقول، فيقول الباحث «من منّا المدرك ومن منّا الجاهل»، ويتعجّب الواثق المتعصّب قائلًا: «أيّ وعي عقيم هذا».

ما إن نشرع في استجلاء المعنى البسيط لكلمة للوعي حتّى نصطدم بصراعات قائمة على مدى العصور حول ماهية هذه الكلمة أو مدى مصداقيّة وجودها؛ ورغم السّابقين من الفلاسفة مثل «رينيه ديكارت» الّذي يؤمن أنّ الإنسان ذات مفكّرة وواعية، إلاّ أنّ بعض الفلاسفة والعلماء يذهبون إلى الإقرار بعدم وجود وعي بالأساس، ومن أهمّ مساندي هذا الرّأي في عصرنا الحالي نجد «دانييل دينيت» الّذي يقرّ أنّ وعينا هو مجرّد وهم يحدث إثر خداع دماغيّ.

بعيدًا عن الصّراعات العلميّة والفلسفيّة، فإنّنا نعلم على أيّة حال أهميّة الوعي في حياتنا، فكلّ إنسان يستطيع بسهولة تبيّن أنّه مدرك عقليًّا لذاته ولمحيطه، فيتحكّم في سلوكه ومواقفه ويتّخذ قرارات على ضوء الحقائق الّتي يتبيّنها؛ فمنذ أن ينزل للحياة يبدأ في تشكيل وعي فردي من خلال التّعرف على نفسه أوّلًا، وأدرك قدراته ودوره باعتباره إنسانًا.

لكن كلّ هذه الملكات توجد وتتطوّر تبعًا للمحيط الّذي ينشأ فيه الفرد، بدءًا من العائلة والمدرسة حتّى الشّارع؛ ومن هنا نستنتج أنّ الوعي الفردي مرتبط أساسًا بالوعي الجماعي ويتأثّر به خاصّة في مراحل التّنشئة الأولى.

ومن ثمّ تأتي ميزة البحث والتّحليل والاختيار، وهنا فإنّ الشّخص الواعي -وعيا حقيقيّا-والّذي يتمتّع بمسؤوليّة فرديّة، لا يقبل التّسليم بالأمور الّتي نشأ عليها في مجتمعه دون مراجعة، فيبحث عن الحقائق ويقارن بين الأشياء.

ومن ثمّ يتطوّر الوعي الفردي للشّخص الّذي غالبًا ما يؤثّر على الوعي الجماعي، باثًّا بذلك أفكاره الّتي يراها مناسبة لتطوّر المجتمع ورقيّ الحضارة.

لكن دائمًا ما توجد صعوبة في تغيير وعي جمعيّ بأكمله، لأنّه رافض للتّغيير ومتأقلم مع حالة الرّاحة؛ بل قد يصبح هذا الوعي الجماعي في صراع مع الأفكار الجديدة الّتي يراها دخيلة وتمسّ بقيم وآراء تمّ البتّ فيها من طرف الأغلبيّة -وإن كانت مغلوطة-، وقد تمسّ كذلك المصالح السياسيّة والاقتصاديّة، وهذا ما يزيد في التّصدي للوعي الجديد.

نتطرّق بسرعة إلى عرض بعض الأمثلة، كشرائع الدّين الّتي لقيت صدًّا مجحفًا في بداية نشرها، لكنّها نجحت أخيرًا في أن تكون وعيًا قائمًا بذاته، كذلك تطوّر العلم وتعدّد الحقائق الّتي زلزلت الحضارات على مرّ الأزمان ورميت بالدّحض والتّشويه، ثمّ باتت بعد ذلك ثابتة وغيّرت مجرى عالم بأكمله.

غالبًا فإنّ تطوّر الوعي الفردي يفرض نفسه ليغيّر الوعي الجماعي من خلال بلورة الأفكار وتحويلها إلى سلوك وتطبيق على مسرح الواقع، فيحصل تبادل للمعارف والخبرات؛ وبذلك ينشأ وعي جديد أكثر نضجًا، تتقدّم به الشّعوب وتتغيّر عوائدها وأفكارها، وتنتج أجيالًا أكثر وعيًا وأكثر قابليّة للتميّز.

فالوعي مستمرّ مع الزّمن دائم النموّ، ممّا يؤدّي لبناء حضارات جديدة أكثر تقدّمًا ونضجًا، وهذا ما شهده التّاريخ على مرّ العصور.

ازداد الوعي الفردي نموًّا ومسؤولية خاصّة إثر الثّورة الصناعيّة، مع تزايد التطوّر التّقني والعلميّ والتعمّق في العلوم الاجتماعية والأنتروبولوجيّة.

لكن في العقود الأخيرة شهد العالم تطوّرًا منقطع النّظير في مستوى الوعي؛ وبالتّالي في مستوى تقدّم الشّعوب على جميع المستويات، ويعود ذلك لترسيخ مبدأ الحريّة بدرجة أولى.

فبوجود الحريّة يصبح الوعي الفردي منعتقًا من كلّ أنواع الضّغط والتّضييق الّتي كانت تمارس عليه سابقًا، وبالتّالي فإنّ الأفكار الجديدة يصبح مرحّبًا بها من طرف باقي المجتمع؛ وهنا نرسّخ للتّآلف بين الوعي الفردي والوعي الجماعي، الّذي بدوره يؤسس للتطوّر المستمرّ نحو عالم أفضل.

لكن في المقابل فإنّ الانفتاح وتعدّد الاختلافات يجعل الوعي لدى الكثيرين -خاصّة أولئك التّابعين المقلّدين- مضطربًا، فلا يدركون ذواتهم وقد يخلطون بين الأمور وينقادون إلى تبنّي قيم وقناعات جديدة تودي بهم إلى طمس هويّتهم وتدنّي ذواتهم.

يبرز جليًّا أنّ الإعلام أصبح جزءًا قائمًا بذاته في العالم، فهو يتناول كلّ الأحداث والقضايا الّتي تعنى بالإنسان، وبذلك فهو يعتبر سلاحًا ذا حدين. فكما يكون للإعلام رسالة نبيلة في تثقيف النّاس وترشيد سلوكيّاتهم وتعزيز وعيهم نحو قضايا الإنسانية والمصلحة العامّة، فهو كذلك بات يستعمل لأغراض تجعله يفقد حياديّته وموضوعيّته؛ فتقع السّيطرة عليه واستخدامه غالبًا في سبيل توجّهات معيّنة، وبذلك يصبح للإعلام دور مهمّ في صناعة وعي بذاته.

وقد اهتم المفكّر الأمريكي وعالم اللسانيّات «نعوم تشومسكي» بهذه الظّاهرة منذ بدايتها، وحرّر كتابًا في هذا الغرض أعطاه عنوان «السّيطرة على الإعلام» ضمّنه نتائج هذه السّياسة المتوخّاة في وسائل الإعلام من تزييف للوعي المجتمعي وتوجيهه نحو برامج وخطط مدروسة لخدمة مصالح خاصّة.

فالإعلام بات عمليّة مدروسة تفرض على الشّخص بكلّ سلاسة ثقافة معيّنة، بما في ذلك المعاملات الأخلاقيّة والاستهلاكيّة والسياسيّة، فيتناول حدثًا ويضعه في إطار محدّد يتلاءم مع التوجّهات المرجوّة، تجعل المتلقّي يرى الأمر ويفسّره وفق أيديولوجيّات معيّنة.

يبقى الوعي ضرورة وجوديّة ترتقي بالفرد نحو تطوير ذاته، وتحمّله مسؤوليّة نحو نفسه ونحو الجماعة. لذلك علينا أن لا نهمّشه، فلا ندع الفرصة لتفشّي أفكار عقيمة وثقافات مغلوطة تؤدّي بالأساس لصنع وعي زائف ينحدر بالمجتمع نحو التّخلف؛ بل على العكس علينا أن نولي الوعي اهتمامًا تامًّا من خلال صنع رأي عامّ يرسّخ مبادئ وقيمًا صحيحة ترفع نسبة الوعي وتتقدّم بالأمم نحو التطوّر الإيجابي الّذي يعود بالنّفع على الجميع؛ وبالتّالي ترتقي الحضارات وتزدهر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد