«فقط أذكر أن الأمور كانت تسوء بلا انقطاع، وفي كل مرة كان الفارق بين الوضع أمس واليوم طفيفا، لذا يغمض المرء عينه كل ليلة وهو يغمغم: أهي عيشة، ما زالت الحياة ممكنة، ما زال بوسعك أن تجد الطعام والمأوى وبعض العلاج، إذن ليكن، ثم تصحو ذات يوم لتدرك أن الحياة مستحيلة، وأنك عاجز عن الظفر بقوت غد أو مأواه، متى حدث هذا؟ تسأل نفسك فلا تظفر بإجابة».

«يوتوبيا، المستعمرة المنعزلة التي كوّنها الأثرياء على الساحل الشمالي ليحموا أنفسهم من بحر الفقر الغاضب بالخارج، والتي صارت تحوي كل شيء يريدونه، يمكنك أن ترى معي معالمها، البوابات العملاقة، السلك المكهرب، دوريات الحراسة التي تقوم بها شركة «سيفكو» التي يتكون أكثر العاملين فيها من «مارينز» متقاعدين، أحيانا يحاول أحد الفقراء التسلل للداخل من دون تصريح، فتلاحقه طائرة الهليكوبتر وتقتله كما حدث في ذلك المشهد الذي لا يفارق خيالي».

«إن فكرة أن یثور محیط الفقراء ھذا كانت تؤرقھم، كل الثورات الشعبیة في التاریخ بدأت بذبح الأثریاء»

كل هذه الاقتباسات أو لنقل التنبؤات من روایة یوتوبیا التي صدرت عام 2008 لعراب الجيل الراحل د. أحمد خالد توفیق. تدور أحداث الرواية عام2023 في مصر التي انقسمت إلى عالمین لا ثالث لھما.

«يوتوبيا» في الساحل الشمالي، المحاط بحراسة قوات «المارينز» والذي يعج بالأغنياء الفارين. هذا العالم البراق، الحلم، الأبيض، الثراء.

أرض يوجد بها كل شيء مادي ملموس، كل الرغبات متاحة وبوفرة، عالم يحتكر لنفسه كلّ شيء من التعليم والصحة والممتلكات وحتى الأنواع الجيدة من المخدرات والمشروبات، كما أن سكانه ينظرون إلى طبقة الفقراء على أنهم أحد الممتلكات المادية.

وهناك العالم الآخر، عالم «الأغیار» النصف الأسود. القاع، الفقراء المعدومین جدًا الذین یعتاشون على ما ھو دون الفتات الذي یسقط سھوًا عن طاولة الأغنیاء. وھم بطبیعة الحال محرومین من التعلیم والصحة ومن كل وسائل الحیاة. فهم نظریًا لیسوا على قید الحیاة وعملیًا ھم على قائمة الانتظار لدى عزرائیل ملاك الموت فھناك إن رغبت في أي شيء فلن تجده، وإن تحصلت على شيء فلكي تعيش یومًا بائسًا جدیدًا. مجتمع سقطت فيه الحكومة وانسحبت للساحل الشمالي.

نعم الیوم یقتل البشر بعضھم البعض لأجل المتعة فقط. أنه لأمر مھیب ومرعب تصور الحیاة بھذه الكمیة من السادية والخیـــال المظُلم والقسوة فالبشر تجردوا من كل تفاصیل الإنسانیة. إلا من الطغیان والاستبداد وجدت نفسي أشعر بالآلم وأنا أقرأ وصف الكاتب لمشاھد ذلك العالم اللاإنساني. فقد أبدع في نقل حالة الدیستوبیة حین بناھا على معطیات موجودة في المجتمع المصري حالیا بالفعل، فدیستوبیا أحمد خالد توفیق تقرع ناقوس الخطر لتفاقم الھوة بین القلة الحاكمة في الطبقة الغنیة وبقیة الشعب الواقع تحت براثن الفقر، وسر نجاحھا ليومنا هذا وبعد حوالي 12 عامًا على صدورها نابع من مدى شبھھا للواقع اجتماعیا وسياسيا في العالم كله من الفساد الأخلاقي والسياسي والعنصرية والطبقية وازدياد الجریمة عنفًا وعددًا ليس في مصر فقط، بل في العديد من بلدان العالم.

صبغت الرواية نفسي بطابع السواد الغالب علیھا فتركتني أتساءل في خوف حقیقي، ھل سأكون من «الأغیار»؟ ھل سأعیش على الجانب الآخر من «یوتوبیا» حیث یأكلون الكلاب؟ حیث لا قیمة للإنسان؟ حیث تحرق الكتب للتدفئة أو الإنارة؟! أغلب الظن سیكون ھذا مصیري.

أم سأعیش في «یوتوبیا»، لتنمو في داخلي ھذة السادیة كحیوان مفترس تتمتلئ نفسه بالاحتقار والتعالي مثل الراوي واذا كان ھذا مصیري فھل ھو من حسن أم من سوء حظي؟! لقد دعم د. أحمد خالد توفیق رویاته بالأبحاث من أرض الواقع المحبط، لینبھنا أننا نتجه بسرعة البرق نحو ھذه النھایة البشعة.

فتضمين الكاتب لبعض المقتطفات الإخبارية والتقريرية -لعكس حقائق عن وضع المجتمع المصري- فقد وجد البعض أنه كان ضروريًا لإضافة بعد واقعي للمشكلة والتنبيه إلى صحة نظرة الكاتب المستقبلية.

وانعدام الطبقة الوسطى وانقراضھا. والتي تعطینا الأمل بأن ھناك أملًا في وجود عدالة اجتماعیة، واقتصار المجتمع على طبقة الأغنیاء والمعدمین لمن أبرز نجاحات الروایة والذى یجعل ساحتھا ملعبًا خصبًا بین التناقضات المتطرفة. من شباب مترفین یملكون كلّ شيء بما فیھا الملل والأفكار الناتجة عنه. وبین شباب معدمین لا یملكون شیئًا من أساسيات المعيشة شيئًا ورغم هذا التناقض الحاد إلاّ أنّه ثمة مشتركات بینھم مثل إدمانھم على المخدرات وسلوكیات عدیده أخرى غیر أخلاقیة.

الروایة في رأيي عبقریة، قدم الكاتب قراءة مستقبلية سوداء لما يمكن أن تؤول له الأوضاع مع استمرار تحول المجتمع إلى طبقتين تستغل الأولى منها الثانية وتحاول فصل نفسها عنها. وأبرز التناقض بین التصور المفترض لأحداث القصة من عیشة فاضلة لما تحمله من عنوان «يوتوبيا» وما احتوته صفحاتها من وصف مخیف لوضع مجتمعي كارثي.

ولا أدري لماذا ينتقد البعض سوداوية الرواية. فالنهايه مفتوحة وكأن الكاتب يرمي بالكرة في ملعبنا أي حددوا أنتم النهاية. وهذا هو الأمل الوحيد، فهي رواية تجعلك تفكر، تخاف، تتأثر، تتعاطف، تفكر بما هو الحل حتى لا تصل إلى هذا المستنقع والذي صورته القصة بشكل مخيف مقزز سوداوي للغاية، تخاف عندما تنظر لأهلك وأصدقائك – في المستقبل – وتتساءل ما هي الأدوار التي سيكون مصيرهم لعبها في تلك المسرحية العبثية؟
والسؤال الملح الآن والذي فرض بظلاله المخيفة على تفكيري في ظل الظروف الحالية، إلى أي مدى اقتربنا من «يوتوبيا» الراحل د. أحمد خالد توفيق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

يوتوبيا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد