بين النوستالجيا والواقع، وبين الحاضر والماضي، يعيش اليمنيون حربهم الأهلية. فالواقع أن اليمن أصبح نتيجة الصراعات من أتعس الأماكن في العالم للعيش بعد أن اجتمعت على أرضه صنوف التعاسة الدنيوية وأكسب تعاقبها اليمنيين مناعة تقيهم الجزع حين سماعهم بمصيبة جديدة. باختصار أصبح اليمن كمريض يحتضر من سرطان ينخر في كل عضو في جسده ويزيد عليه إهمال أقربائه بل وترقبهم موته ليقتسموا ما يتركه. في ظل هذا الواقع يهرول اليمنيون إلى النوستالجيا ويجدوا فيها ملجأً يمنحهم السعادة بإنجازات وهيبة وجدت في الماضي وفقدت في الحاضر. اليمن السعيد الذي يقرأ عنه اليمنيون ويتذاكرونه هو يوتوبيا اليمنية التي يقودها أشخاص مخلصون ومؤهلون، يهابه الجميع ويحترم شعبه الجميع ويعيش شعبه رغدًا أينما كانوا بينما وصف يمن الواقع التعيس، فهو حرفيًا استبدال لوصف اليمن السعيد بعد استبدال كل صفة بعكسها. إن السعادة والأمل التي يمنحها حنين اليمنيين إلى ماضيهم السعيد قد تكون في حالهم مسكنًا يبقيهم أحياءً لكن إدمان هذه النوستالجيا يحول دون استحضار الماضي من عقولنا إلى واقعنا.

الإشكالية الأولى في استحضار النوستالجيا تكمن في غياب الصحة عن بعض روايات الماضي الذي نحِن إليه فمثلاً أصبح التدخل الخارجي في اليمن من أهم أسباب تعاسة اليمنيين، فالدول المتدخلة تسببت في تعقيد المشهد السياسي المعقد أصلاً وزيادة معدل العنف وعمد سفاؤها لإهانة اليمنيين وفوق كل هذا سلبت القرار الوطني من اليمنيين، وأصبح كل منها دولة انتداب على منطقة معينة. يتذكر اليمنيون في هذا الخصوص أن اليمن كانت عصية على التدخل الأجنبي منذ القدم ويتعدون مرحلة الحنين لهذه الأمجاد إلى إنذار خصومهم، مستدلين بعاقبة من تدخل قبلهم في اليمن، كيف لا وقد عرفت اليمن بمقبرة الغزاة. لا ينكر أن اليمن قاومت العديد من المحتلين لكنها لم تكن حالةً خاصةً عن غيرها في مقاومة الغزاة فبل بالعكس، فاليمن منذ عهد سيف بن ذي يزن ينتظر الحلول لأزماته من الخارج ويستقوي به الخصوم المحليون على بعضهم البعض، وهي الحالة التي تعرف بالعقدة اليزنية. أما لقب مقبرة الغزاة الذي اكتسبه اليمن إثر المقاومة الشرسة للأتراك إبان حكمهم لليمن، فالحقيقة تقول إن دافع هذه المقاومة لم يكن قوميًا وطنيًا بقدر ما كان دينيًا، إذ نجد أن عداوة اليمن الشديدة للعثمانيين مقارنةً بباقي الولايات العثمانية العربية كانت نتيجة تحريض الأئمة الهادويين ذوي النفوذ في اليمن ضدهم.

 تكمن الإشكالية الثانية في التباهي بمحامد اليمنيين السابقين، واعتبارها بالضرورة موجودة لدى اليمنيين اللاحقين بغض النظر إن التزم الباحثون بما سنه السابقون. أبرز مثال على ذلك تباهي اليمنيين بوصف النبي- صلى الله عليه وسلم- لوفد اليمن بالإيمان والحكمة – وحق لهم ذلك – لكن يمنيي الآن بما هم عليه لم يكن النبي ليصفهم بالإيمان والحكمة كما وصف أجدادهم. كذلك لا يكف اليمنيون عن الحديث عن حب اليمني لوطنه وإخلاصه لترابه وعدم قبوله مقابله أموال الدنيا والمتأمل في هذا الخطاب وما يسرد في سياقه من أحداث تاريخية يوحي بأن كون اليمني مرتزقًا ككون البخيل كريمًا، فهما صفتان لا تجتمعان في إنسان. لست مقتنعًا بواقعية تعميم هذا الوصف على اليمنيين السابقين وأعتبره مبالغة في وصف أي شعب في أي عصر، لكنه بعيد كل البعد عن اليمنيين الآن، فالواقع أن مشكلة اليمن قبل أن تكون مشكلة أطماع أو أجندات أو مؤامرات خارجية، هي مشكلة أدوات داخلية لا تعرف عن المصلحة الوطنية سوى أنهما كلمتان تحشو بها خطاباتها الشعبوية تضحك بها على أنصارها البسطاء. هذه الأدوات أو هؤلاء الشركاء المتشاسكون هم الذين تمارس الدول الخارجية عبرهم سلطتها على اليمن ولن تحل مشكلته إلا إذا توقف ارتزاقها وليس بتوقف مؤامرات رعاتها.

 أما المشكلة الثالثة فهي ما تخيله النوستالجيا لليمنيين من اعتقاد بالتميز عن غيرهم من الشعوب نتيجة ارتباطهم بتاريخهم وأمجادهم العريقة. اليمنيون ليسوا وحدهم من يكره الاحتلال الأجنبي ويقاومه فكل الشعوب حول العالم قاومت في مرحلة من تاريخها وجود محتل على أرضها واليمنييون ليسوا وحدهم القادرين على التكيف مع الأوضاع الصعبة، فكل الشعوب حتى المرفهة منها اضطرت للتأقلم مع ظروف وأزمات وابتكرت وسائل لتستمر حياتها. اليمنيون ليسوا كذلك ذوي أجساد مقاومة للمرض عصية على الميكروبات نتيجة ما قاسوه من حرب ومجاعة. حتى الظن بأننا مختلفين سلبًا فنحن لسنا كذلك فنحن مثلاً لسنا شعبًا لا يمكن تحديثه أو توعيته أو إلزامه باتباع النظام، بل نحن كباقي الشعوب لكننا افتقدنا القيادة الرشيدة. هذا الشعور بالاختلاف كان دومًا سببًا لإعراض الكثير رؤية الواقع ومحاولات إصلاحه.

الإشكالية الكبرى هي أن اليمنيين أدمنوا اللجوء لعالم النوستالجيا فحجبت بصائرهم عن مناقشة الواقع والتفكير فيه، فردة فعل اليمنيين تجاه أي مشكلة هي البحث في الماضي عما يشابهها مما يمكنهم التباهي به والحديث عنه، لكن الحديث عن حضارة اليمن السعيد مثلاً لن يغير الواقع التعيس. كذلك التباهي بأننا بلد الحكمة والإيمان لا يغير سلوكنا الذي لا يرضي الرسول صلى الله عليه وسلم. حتى الحديث عن مقاومة اليمنيين للغزاة عبر تاريخهم ابتداءً بالأحباش والفرس ومرورًا بالبرتغال والأتراك وانتهاءً بالإنجليز لا يؤثر على الوجود الإيراني والإماراتي والسعودي في اليمن. إن الطريقة الوحيدة الناجعة للتعامل مع الواقع هي فهمه وفهم مسبباته والتعامل معها، أما التاريخ فمنه نستلهم الدروس ونتعلم من الأخطاء ولا ضير في قليل من النوستالجيا لمنحنا الأمل. هذا هو الطقس الوحيد الذي به يمكن أن نستدعي ماضي اليمنيين وفخرهم لأرض الواقع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد