في يوم من الأيام جلس إنسان ما، ونظر إلى السماء فوجد طائرًا يطير بجناحين، ودار في عقله ما أجمل هذا الطائر، ليت أن الله خلق لي جناحين كهذا الطائر، أستكشف ما حولي وأنظر إلى جمال الأرض، وأستنشق هذا الهواء الصافي، وفجأة استفاق من خياله الشارد محدثًا نفسه ماذا يريد الطفل الذي بداخلي؟ ومضى.

لكن في هذه الأيام نفسها بدأ إنسان في تنفيذ رغبة هذا الطفل الذي بداخله؛ فأوصل هذا الطفل البشرية إلى اختراع عظيم يسَّر تنقل البشر فيما بينهم، فاحتياحات الإنسان ومتطلباته لا تتوقف يومًا بعد يوم وإنما تتطور تبعًا للمرحلة التي يعيشها.

فلو افترضنا سؤالًا في يوم من أيام القرن الثامن عشر هل سُيَبْنى سدًّا على نهر النيل يمنع تدفق المياه، وتبور الأرض المحيطة بالنيل؟ قد يكون السؤال خطرًا على الطفل الذي بداخل إنسان ذلك القرن، لكن الأكيد أنه لم يبدأ في إيجاد حلول لأسوأ احتمال قد يحدث.

هذا ما تفعله مؤسسة «داربا» الأمريكية (وكالة مشروعات البحوث المتقدمة للدفاع)، أي افتراض الأسوأ.

ففي عالم أصبح من السهولة بمكان قطع إمدادات المؤن للجيوش في مناطق الصراع بسهولة وبأقل التكاليف والعدة، أصبح لزامًا على الجيوش التفكير في الحفاظ على أفرادها بأقصى قدر ممكن، ليستطيع الأفراد تنفيذ المهام الموكله إليهم دون خسائر في الأرواح.

فالتقنية التي يعمل عليها باحثو مؤسسة «داربا» هي تطوير تقنية قابلة لتوفير المتطلبات من المياه الصالحه للشرب اليومية للفرد في شكل مدمج قابل للنقل على مركبة عسكرية عادية، يمكنها تزويد مجموعة من الأفراد يصل تعدادها إلى 150 شخصًا.

تعتمد هذه التقنية على مواد ماصة متقدمة، تسطيع استخراج المياه بسرعة من الهواء المحيط وإطلاقها بسرعة مع الحد الأدنى من مدخلات الطاقة، وما يميز هذه المواد أنها لا تعتمد على الأماكن المفعمة بالرطوبة، بحيث يكون الهواء محملًا بالماء الساخن، ولكن في الأماكن شديدة جفاف الهواء.

هي ما  زالت في طور التحديث وتحسين ملاءمتها لعملية النقل وسرعتها من مكان إلى آخر، وإذا استطاعت «دربا» تحدي هذا التحدي المستحدث من الخيال فقد توفر آلاف الدولارات وتجلب ملايين الدولارات إن لم يكن مليارات الدولارت من بيع منتج الخيال.

الجيوش في زمن السرعة والتطوير السريع للسلاح المستخدم تحتاج أن تكون كل كتيبة من كتائبها معتمدة اعتمادًا ذاتيًّا على المحيط الملاصق لها، وليس القريب فقط.

لم يعد توفير المياه الصالحة في قارورات ونقلها عبر آليات كعملية إمداد لجنود محاصرين أو عن طريق إسقاطها من طائرة ملائمًا، بعد التطوير الذي حدث للصواريخ البالستية والطائرات الصغيرة بدون طيار التي تقوم بدور رجل الاستخبارات وتقتل أو تبطل الإمداد بهدوء وبنجاح.

هذه التقنية مع الوقت قد تكون طوقًا للنجاة من الصراعات المحتمل حدوثها على المياه العذبة، أو الأماكن التي قد يصيبها جفاف؛ مما يؤدي إلى هلاك في الثروة البشرية والحيوانية، وقد تكون مع الوقت حلًّا لزراعة الصحراء القاحلة، وإمدادها بماء مستدام لا ينفد.

إنه الخيال الذي صاحب الآية الكريمة؛ يقول الله، عز وجل، «وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» (النحل، الآية 8)

هذا الخيال الذي غاب عن الكثيرين، بعد أن سيطر على القلوب عظمة الخالق فيما يكتشفه الإنسان ويستحدثه لتسهيل معيشته، لا بد للمسلم أن يوقن أن الله، عز وجل، ما أرشد الناس إلى فعل إلا كان له هدفان، هدف ديني وهدف ودنيوي، فالديني هو استحضار عظمة الخالق فيما يبدع خلقه، والدنيوي لا بد أنْ يقترن بالخيال المقصود من الآية، وأن يكون المؤمن على يقين أنه إذا تخيل واستحدث شيئًا لم يكن ذا طبيعة محسوسة أنها إلهامات من الله بعد عناء التفكر والتخيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد