هناكَ مقولة متوازنة تتحدث عن أن الإنسان لا بُدَّ أن يعرف شيئًا واحِدًا عن كل شيء، وكل شيء عن شيء واحد فقط. ولكني شخصيًّا أقع في فخ أدركهُ تمامًا، وهو محاولة معرفة كل شيء عن كُل شيء، لأني ببساطة أحب كل شيء، وشغوف بكل شيء، ولدي اهتمامات في جميع الأشياء، ومنذ صغري كنتُ لا أحب إلا أن أكون متقنًا لمهارات كثيرة متباعدة أحيانًا ومتقاربة في الكثير من الأحيان، في الزراعة، النجارة، الرسم والخط العربي، الغناء والتلحين والكتابة والعزف، التمثيل وكتابة السيناريو والإخراج، كرة القدم، والطهي وابتكار الأطباق الجديدة. . .، كل ذلك كان في ذلكَ الحين يمكن ممارسته بسبب صغر سني واعتقادي بأن ملامسة سطح الشيء هو كل ما في الشيء، ولم تكن المعرفة ومصادر المعلومات والثورة المعلوماتية متاحة في ذلكَ الوقت لتخلق لك اضطرابًا وتشتتًا وحَيرة، كنتُ أعتقد أن ما يصلني من معلومات عما كنت شغوفًا به هو كل شيء، ولكن مع مرور الوقت أصبحت وسائل الاتصال متطورة أكثر بعد الثورة المعلوماتية وسهولة الحصول عليها بعد وجود وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع مثل «فيسبوك» و«يوتيوب» التي تطرح محتوى متنوعًا غزيرًا في كل المجالات الرئيسية، والفرعية، وفرعية الفرعية، ويكاد لا يوجد شيء تريد البحث عنه إلا وتجد له محتوى بدرجات متفاوتة في الصدق والجودة والعمق على الإنترنت.

بالإضافة إلى زيادة الوعي مع تقدم السن، وانتقال جيلي إلى مرحلة أخرى من جيل الثمانينيات إلى التسعينيات والألفية الثانية. وما رافق ذلك من طفرات كبيرة متلاحقة في كل شيء. جعلني ذلكَ أجد نفسي في فخ وقعت فيه وأوقعتني فيه كل الظروف السابقة، فبين تنوع هواياتي وميولي من جهة، وإيماني وقناعتي بضرورة التركيز على شيء واحد لأترك فيه أثًرا، أقف وأسابق الزمن في الولوج من مرحلة التشتت إلى مرحلة التركيز على مجال واحد ومهارة واحدة، دون التحسر والأسى على ما قد أتركه خلفي من اهتمامات.

لكن ومن جانب آخر، فإن معرفة كل شيء عن كل شيء، يجعلني أفكر بطريقة مختلفة عن العادي، وأنتج أفكارًا نوعية يندر أن يصل إليها إنسان متخصص في مجال واحد.

لكن المشكلة في هذا التوجه الذهني هو أنه جاء متأخرًا. قد ينفع في مراحل مبكرة من عمر الإنسان، وذلك ليختبر نفسه، وقدراته، وصدق رغبته في الكثير من الأشياء، ويكون لديه وقت في تدارك نفسه في مرحلة عمرية لاحقة بعد البحث والاكتشاف والتجربة، الإنسان يبدأ بالاكتشاف منذ ولادتهِ لكل شيء، ليكتشف في النهاية الشيء الذي يقربه من ذاته أكثر ومن رسالته. لقد اختبرت ذلكَ فعلًا وأنا على مشارف الأربعين، أنني بدأت متأخرًا أتخلص من بعض الاهتمامات القديمة، وهذا طبيعي، والتركيز على شيء أو شيئين للسير بهما بعمق أكبر ليزداد وضوحهما مع عمق الحفر، أحاول أيضًا أن أجد رابطًا بين مهارات وهوايات مختلفة متباعدة أو متقاربة، على سبيل المثال وظفت كل اهتماماتي السابقة في مهنتي التي لم أحبها في البداية، وهي التعليم، استخدمت الرسم والتصوير، والإخراج، وكتابة السيناريو، والتأليف، والطباعة، والتدريب، والتصميم الهندسي، والنجارة، وجعلتها تصب كلها في بحر واحد. وهو عملية التعليم والتربية. ووظفت شغفي في علم النفس والفلسفة والأدب في التأثير في طلابي.

نعود إلى المقولة التي بدأت فيها مقالي وفكرتي هذه وهي الخلاصة التي أنصح بها جميع من يبحثون عن رسالتهم في هذه الحياة، يقولون إن أول 20 سنة من عمرك هي مرحلة البحث والتعلم المكثف، وقبل سن الثلاثين مرحلة إيجاد البصمة والهوية والرسالة، وما بعد الثلاثين يبدأ الإنتاج والتأثير في الآخرين. إن كنت ما زلت صغيرًا، فلا مانع في البداية من أن تعرف كل شيء عن كل شيء، هذا مستحيل ولكن لتكتشف قدراتك وتختبر حقيقة ميولك، ثم ركز ولا تتأخر على مجال أو مجالين بنسبة 60% والباقي 40% من وقتك. قرأت كتبًا كثيرة تتحدث عن نقطة التركيز، وأدرك أهميتها، والخطوة الأصعب بالنسبة لي هي تسليط شعاع ضوء قوي من كل ذلك التشتت على مَهمة واحدة، واحدة فقط. لأستطيع التأثير. لا يُشجع علماء الإدارة التفرع في كل الأشياء، بل التفرع في داخل شيء من هذه الأشياء، حتى لو أدى ذلك للتفرع خارجها، ولكن لتكن البداية من شيء واحد. وفي عالم يزداد تعقيدًا في كل شيء، لم يعد الفرد الواحد هو المركز، بل أصبح من الضروري أن يتجمع مجموعة من الأشخاص في كيان وكأنهم شخص واحد.

فبدلاً من أن يكون هناك شخص متعدد المواهب، يمكن أن نقول: إنه من الأفضل أن يكون هناك فريق واحد متعدد المواهب كل منهم يكمل الآخر.

لأننا في عصر تضخمت فيه المعلومات، وينبغي أن يتسع الوعاء من خلال مجموعة من الأفراد الذين يتفقون على رسالة عامة، متمسكين برسائلهم الشخصية أيضًا. سكان المدينة هم مثال على هذا الفريق، فهناك المزارع، الحصاد، وطاحن الحبوب، وبائع الدقيق، والخباز، والتاجر، والمستهلك، لم يعد الإنسان في عصرنا الحالي قادرًا على أداء كل هذه المهام كالماضي، وهذا أقرب مثال يُمكن أن أقنع نفسي فيه، بضرورة التركيز ثم التركيز ثم التركيز.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التركيز
عرض التعليقات
تحميل المزيد