تعرف، كنت أعرف المدرسة بأنها تلك المقاعد الخشبية المنثورة المسماة “التختة” و أمامها لوحة سوداء يكتب عليها بالطباشير. لم أكن أضيف عليها الملاعب ولا الصالات و لا حتى حمام السباحة الذي تعلمت فيه العوم في مدرستي. هكذا كانت توقعاتي للمدرسة “مجموعة تخت”. إلى أن سافرت سويسرا، و رأيت اللوحة البيضاء ذات الأقلام الملونة، التي قلما يستعملها الاستاذ، و يستعمل محلها شرائح العرض. و ربما أحيانا أوراق يقلبها الأستاذ على لوحة اصغر. وفي عطلة نهاية الاسبوع يقوم الطلاب بعمل حفل ساهر يرفهون فيه عن انفسهم في نفس قاعة الدراسة!

لقد تغير تعريف المدرسة في رأسي عدة مرات. في الصومال، هناك كانت بعض الأعمدة الحديدية الدقيقة ترفع سقفا اشبه بسقف الشتاء امام المحال التجارية، و الأرضية عبارة عن تراب… و لا يوجد حوائط، الأجناب كلها نوافذ بدون نوافذ! بإمكانك الدخول للمدرسة من كل مكان. لم يكن هناك لوحة استقبال شرائح العرض، و لم تكن هناك اللوحة ذات الأقلام الملونة، ولا حتى اللوحة السوداء ذات الطباشير… هناك كان التراب. و شيء يسمونه: مدرسة المخيم.

في أفضل جامعاتها (الصومال)، حمل الطلبة أوراقا مصورة من أحد الكتب الأجنبية، تم ضغطها سويا لتصبح الشيء الذي اسميه كتاب، ذلك الكتاب الذي اعتدنا شراء نسخة مسروقة منه من مكتبة علاء الدين في محطة الرمل، وهو نفس الكتاب الأصلي الذي كنت اضع يدي على عدة نسخ أصلية منه في سويسرا بحكم أني كنت أمين المكتبة. أتعرف كل شخص له مسمياته.

في الأخير، بعد أن تغسل عيونك بكل تلك التنوعات، تدرك أن للتعريفات المسلم بها بين من حولك مثل: الدولة، المدرسة، النظام، الكتاب، الحقوق، … كلها تعريفات نسبية. تخضع بالأساس لتجارب الذي تحدثه. في الغالب هو لا يرى إلا تحت أقدامه.
أحيانا يتعين على المرء أن يغسل فكره كما يغسل وجهه كل يوم بضعة مرات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات