إن الخطر البالغ الذي يشكله تنظيم داعش يعود إلى خواصه الفريدة وتجسيده لاتجاهات ومخاطر طويلة الأجل في الشرق الأوسط الممتد من باكستان إلى المحيط الأطلسي، لذا فإننا نرى نظام دولة يرزح تحت ضغط هائل من تشكيك شعوب المنطقة في شرعيته؛ فولاء هذه الشعوب لأي دولة معينة، ينافس أواصر انتماء حصرية، قبَلّية كانت أم محلية، ودوافع مؤيدة للوحدة الإسلامية الإقليمية، ونزعات قومية فيما يتعلق بشعوب المنطقة العربية.

وتنظيم «داعش» – مثله في ذلك مثل سلسلة طويلة من الحركات المتشددة المنادية بالوحدة الإسلامية الإقليمية والتي تتبنى منهج العنف – متغلغلٌ في نسيج المجتمع الشرق أوسطي بعدة طرق، وهذا ما يجعل حكومات المنطقة وشعوبها تحتاج إلى وقت وجهد كبير لتحرير أنفسها من ذلك التنظيم، وجاذبيته المتطرفة، التي بإمكانها إيجاد طرق جديدة للظهور في شكل جماعات أخرى أيضًا.

في رأيي، أعتبر أن تنظيم داعش ليس مجرد ظاهرة أخرى من التطرف العنيف لهؤلاء الذين ينسبون أنفسهم للإسلام. حيث إن لذلك التنظيم جاذبية بالنسبة للكثيرين في مختلف أنحاء العالم، وتعبّده لسياسة العنف، وسيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي، فضلاً عن إمكانياته العسكرية غير التقليدية – بالنسبة لتنظيم – وجاذبيته كدولة خلافة، جميعها عوامل تجعل منه فريدًا وصعب المحاربة، كما لا تمنحه طبيعته الخاصة مرونة ملحوظة فحسب، بل تعطيه أيضًا اندفاعًا لا مفر منه لإلحاق الأذى بجمهورية مصر العربية ودول أخرى مجاورة، سواء بشكل مباشر أم عن طريق بعض السكان المؤيدين لذلك التنظيم أو المتطلعين إلى الجهاد.

وبالنظر إلى طبيعة تنظيم داعش، وضعف نظام عدد من دول الشرق الأوسط وانهيارها، فإن داعش يمثل حاليًا مخاطر كثيرة تهدد أمن مصر، والتي يتعين على القاهرة أن تواجهها بشكل متزامن وبوتيرةٍ أسرع مما يحدث، وبالرغم من أن تفادي أي خسائر مصرية أولوية إستراتيجية، إلا أنني أرى أن «الصبر الإستراتيجي» الذي تتبعه مصر حاليًا لا يُجدي نفعًا، ولم يعد ملائمًا أيضًا لمدى الخطر الذي يمثله تنظيم «داعش» على أمن حدودنا، فمن المؤكد أن التنظيم سيواصل عملياته غير المتجانسة ضد مصر بعدما ذبح 21 مصريًا في ليبيا، وسيسعى أيضًا إلى توسيع قاعدة دعمه بين أقلية صغيرة من المصريين المؤيدين له سرًا في الداخل، لاسيما أولئك الذين يعملون على نشر الفوضى وعدم الاستقرار الأمني في الوقت الحالي.

لذا، يجدر بمصر أن تخوض المزيد من المجازفات الإضافية لكي تسرّع من العمليات الهجومية ضد داعش، ولتضمن نجاح هذه العمليات وتحفاظ على زخم الانتصار الذي حققته بالفعل على ذلك التنظيم في ليبيا بتوجيهها ضربات جوية لعدد من مواقعه هناك.

ومما لا شك فيه، أن الغالبية العظمى من المصريين، وأنا من بينهم؛ لا نريد أن نشهد أي خسائر مصرية، لكننا في الوقت عينه، نرى أن التحركات الراهنة تنطوي على مخاطر استثنائية إذا ما استمرت على وتيرتها البطيئة، وثمة خطوات معيّنة باستطاعتها – إذا ما اعتبرها قادة القوات المسلحة حكيمة – أن تسرّع من تقدم هذه الهجمات ضد تنظيم داعش في ليبيا وزيادة فعاليتها.

أخيرًا وليس آخرًا، أود لفت الانتباه إلى أن القادة العسكريين يقع على عاتقهم وحدهم واجب معرفة الخطوات المجُدية في كل حالة، ولكن يجدر بالقائمين على الحكم في مصر أن لا يعرقلوا من تطبيق هذه الخطوات التي يعتبرها القادة العسكريون مفيدة؛ والتي قد تشمل تسريع وتيرة الضربات الجوية، ونشر فرق هجومية على الحدود الغربية مع ليبيا، فضلاً عن استخدام منظومات أسلحة أخرى على غرار المدفعيات والمروحيات الهجومية، نظرًا لدورها المباشر في المساندة حال تنفيذ أي عمليات برية عند الحدود الغربية لمصر، وتزويد نقاط تمركز القوات المسلحة هناك بأسلحة أكثر ثقلاً.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد