في هذا القرن الذي لا قيمة فيه إلا لقيم العلم والعقل والجدل والتجرُبة والبحث العلمي ما زالت معتقداتٌ بعينها ترى في الخرافات وبعض الغيبيات تفسيرًا للعديد من الظواهر الفيزيائية والكيميائية دون إعمال العقول وبذل الجهد في التساؤل والبحث، لتقوم تلك الخرافات بتفسير تلك الظواهر بالنيابة عنهم، ليتم إعفاؤهم من فرض التفكير والاستقراء والاستنباط من جهة، وليجدوا إجابات على كل تساؤل يحُل بعقولهم من جهةٍ أخرى!

ومن هُنا يقوم رجال الدين بإقناع الناس بأن صلاة الاستسقاء قد سنها الله وفرضها عليهم؛ فيُصَلون ويجتهدون في الدعاء ويتبتلون ثم يذهبون مرةً أخرى إلى مشايخهم ويقولون لهم: لم ينزل المطر مع أننا قمنا بصلاة الاستسقاء! فيُجيبونهم: ذنوبكم مثل الجبال! أما إذا حل موسم هطول الأمطار – في الإقليم أو الأرض الذي تُقام به صلاة الاستسقاء- دعا هؤلاء إلى صلاة الاستسقاء، فينهمر المطر، وتحُل البركات، وتُسبَغ الكرامات، وتُقَبَل الأيادي.

وصلاة الاستسقاء هي أن يُصلي الإمام ركعتين عند عدم تواجد الماء وانتشار الجفاف وقلة الأمطار، وطقس صلاة الاستسقاء لا يوجد فقط في الإسلام فهناك أديان ومعتقدات عدة بها طقوس خاصة لاستنزال المطر كالرقص وقرع الطبول، وعجبتُ عندما رأيتُ بعض المسلمين منذ أيام – في أحد المنتديات الالكترونية- يسخرون من بعض الهنود لأنهم قاموا بوضع أنفسهم في براميل معدنية مليئة بالماء؛ تبتُلاً إلى الله لكي ينزل الماء، مع أن الوسيلة واحدة مع اختلاف طقوسها ولكن غاب عن أذهانهم أن كلا الطريقتين تحايُل على العِلم وعلى قوانين الفيزياء!

فنسي هؤلاء – أو بالأحرى تناسوا وغضوا الأطراف- عن العلم الذي يقول بـ “دورة الماء” التي تتسبب في هطول الأمطار، فتتبخر المياة من المسطحات المائية وتتجمع في السُحُب، لتتكثف بعد ذلك في طبقات الجو العُليا، حتى يزداد وزنها وتنزُل وتسقط مطرًا وثلجـًا، ويعتقد المسلمون أن عدم نزول الأمطار يكون بسبب غضب الإله عليهم لكثرة ذنوبهم وقلة استغفارهم وفسادهم في الأرض، وبدورنا نسأل: لماذا لا تُقام الصلوات في فصول الصيف التي لا يسقط فيها المطر في الجزيرة العربية وشمال أفريقيا (موطن المسلمين المعتقدين بصلاة الاستسقاء)؟! هل يذنب المسلمون في الصيف فيمتنع المطر ويُقبل استغفارهم في الشتاء الذي تنهمر فيه الأمطار؟! أهو تحايُل على واقع العلوم أم تجميل لوجه الله تعالى الذي لا يحتاج بالطبع إلى تلك المجاملات؟! ولماذا لا يُصلي هؤلاء الاستسقاء بالصحاري القفار والأراضِ الجرداء لتتحول إلى جناتِ خُضُر؟!

ولم يكن يعرف العربي كيف يتكون الماء؟ وما هي العمليات الفيزيائية التي تؤدي إلى سقوط الأمطار؟ في الوقت الذي عرف فيه أهمية الماء في الحفاظ على حياة الإنسان والنبات والحيوان وضروريته لاستمرار الحياة، فأحاطه بهالةٍ من التقديس والخرافات، ولذا كانت صلاة الاستسقاء استمرارًا للحضارات البدائية في طورها البدائي التي كانت لديها آلهة للمطر وللخصوبة، وفي هذا تقول الباحثة المغربية فاطمة الزهراء الدبياني في بحثها المهم “الماء بين الخرافة والكرامة ..”: الهالة المُحاطة بالماء راجعة بالأساس إلى استخداماته المتعددة في مختلف الشعائر والطقوس الدينية، وكذا في أنشطة الحياة اليومية الاجتماعية والاقتصادية.”.

وقد اكتشف العلماء طريقة حديثة لاستنزال الأمطار – دون الحاجة لصلاة أو لتبتلات- تُسَمَى بـ”استمطار السُحُب” أو Cloud Seeding وتقوم على رش السُحُب بثاني أكسيد الكربون المُجَمَد أو يود الفضة، وتقوم هذه المواد المرشوشة ببلورة قطرات الماء الموجودة في السُحُب لدرجة التجمُد ليزيد حجمها، وتتساقط على هيئة ثلوجٍ وأمطار عند ذوبانها، وقام أيضًا بعض العلماء الباحثين بوكالة “ناسا” بعمل غيمة اصطناعية أدت لسقوط الأمطار، وقد رفض المسلمون هذه الطُرُق – التي انتصرت للعلم وكشفت زيف بعضٍ من معتقداتهم- على أنها تُمَثِل تحديًا لإرادة الله، ويقولون: استمطار السماء ليس بالكيمياء وإنما بالدعاء والاستغفار، وفي هذا الوقت أيضًا تغلبت مصاف الدول -التي تعمل بأسباب العلم- على بعض المشكلات التي تؤثر في المناخ كمشكلة “الاحتباس الحراري” فقامت بصناعة الأمطار والتحكُم في أوقات سقوطها.

وكثيرًا لم تجُد الطبيعة بأمطارها، ولم تستجِب للدعاءات ولا للتبتُلات التي تريد فيها الحناجر المفغورة والأيادي المرفوعة لعنان السماء أن تهزم قوانين الفيزياء وأن تتغلب على ميكانيزمات –آلية- تكوُن وسقوط مياة الأمطار، ووقتها يُفسِرون موقف السماء على أن من يُصلون غارقون في الذنوب والمعاصي والفواحش؛ فهم ليسوا المسلمين الحقيقيين الذين تستجيب لهم السماء وتغدق عليهم من مائها في حين أن الأمطار تسقُط في أوروبا وأمريكا والمناطق الاستوائية باستمرار مع أنهم أقوامٌ فاسدون وغارقون في الذنوب والفواحش في نظر المسلمين ومُصليي الاستستقاء! وهذا يعني أنهم لا يذنبون كالمسلمين ومقربون لدى السماء أو أن للعلم قولٍ آخر لا يأخذ بالخرافات والخُزعبلات! وبالطبع هي سلسلة متصلة من تزوير الحقائق باسم الدين؛ فماء زمزم يشفي الأمراض، وبول البعير يُبطِل مفعول السُم، والأمراض عقابٌ من الله وابتلاء، والكواث الطبيعية غضبٌ من السماء.

وهنا لابُد وأن نقول إن الله ليس محافظـًا أو رئيسًا لمناطق بعينها ليمنع الماء عن إقليم ويجود به على إقليمٍ آخر؛ لكي يتسجديه ويستسقسه صاحب الإقليم المتضرر ليُغرقه بعدها بماء الأمطار، وهي بالطبع إهانة للذات الإلهية وأيضًا ازدراءٌ للأديان التي بُعِثَت لرسالةٍ أخرى لا تتورط فيما يقوله العلم، فاستخدام “الله” في كل قضية علمية، وفي كل ظاهرة طبيعية يسعى العلماء لتفسيرها هو بمثابة تألية الجهل ليسود ويقود العقول التي تصل إلى الرضا الناتج عن وجود إجابة لكل ظاهرة قبل بحثها واستقرائها ويتأخر المجتمع، وهذا التسليم يؤدي أيضًا إلى انحدار معتنقي هذه الأفكار في سُلَم الحضارة والمدنية التي تُفرِق بين الإنسان البدائي والإنسان الذي يأخذ بمناهج العلم.

ولا عجبٌ عندما ترى هؤلاء المستسقين للسماء يقومون بصلاةٍ أخرى للبت في القرارات المهمة المصيرية والحياتية كالقرارات الخاصة بالعمل والسفر والزواج .. إلخ، فيقوم هؤلاء بطلب الخيرة في أشيائهم من خلال ركعتين – لا تدري لماذا لا تكون أربع ركعات أو ثلاث؟!- وذلك لطلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما وحار بينهما.

ومن المُضحكات التي تتصف بالتناقض وعدم وضوح الهدف من تلك الفريضة التي يروج لها رجال الدين أنه أهم شروط الاستخارة: الرضا بقضاء الله، والاستخارة في المباحات، وألا تستخير في شيء لديك ميلُ كبير إليه. وهُنا نسأل: إذا كان أهم شروط الاستخارة الرضا بالنتائج التي آلت إليها هذه الصلاة ألا يعني هذا أن تلك الصلاة قد تأتي للإنسان بما لا يحمده ويجلب له المضار؟! وإذا كان هناك ما لا يُحمَد عقباه مما حار فيه المستخير مُسَبَقـًا وقد حدث له إذن أليس كان من الممكن أن يُفِكر المستخير في الأمرين ويُعمِل عقله بين الأمرين ليختار الصواب والأجدى دون اللجوء لتلك الخرافة؟! وأية عملياتٍ نفسية وفسيولوجية تنتج عن تلك الصلاة لتؤثر في خيارات المستخيرين؟! أليس هناك مؤثرات خارجية قد تؤثر في قرارات الأفراد الذين توهموا بخيارٍ دون آخر قد نتج عن الاستخارة؟!

وقد ظهرت صلاة الاستخارة وراجت في العصر المملوكي؛ كنتيجة لتأثير النزعة الصوفية، فقد ساد في ها العصر الاستبداد والفساد فقلق الناس على مستقبلهم، ولم يجدوا مُتنَفَسًا إلا في صلاة الاستخارة والتنجيم التي روج لها المتصوفون، فحمل هذا العصر نزاعات المماليك وفتنتهم العسكرية المستمرة، والقتل بالتوسيط – قطع الفرد نصفين- وكانت العقوبات البدينية وعقوبات مُصادرة الأموال على قدمٍ وساق، وكان سوط السُلطة جالدًا باترًا فكانت الناس تتقوع الأسوأ دائمًا.

بالإضافة إلى شيوع “طرقة فتح المصحف” التي تعتمد على الاستخارة بفتح المُصحَف والاطمئنان عند وقوع العين على ما تطمئن إليه القلوب وقد استخدمها ابن تيمية وابن حجر العسقلاني، ولذا وُلِدَت “صلاة الاستخارة” من رحِم التصوف السُني في عهد المماليك، ونقول: ما الفرق بين الاستخارة والتنجيم وفتح المندل وورق الكوتشينة؟!

فصلاة الاستخارة – كمثيلتها الاستسقاء- دعوة خرافية لتثبيط الهمم، ونقل تدوير الأمور وصعابها في الألباب والعقول إلى سُلطة رجال الدين وخياراتهم التي تتاجر بالدين؛ حرصًا على المكاسب وعلى ضمان تبعية الأفراد لمؤسساتهم ولحكامهم، فأية محاولة لرضا الإنسان دون أية محاولة للفهم والبحث وعقلنة الأمور التي تعتمد على المقارنة والمزاوجة والموازنة طبقـًا لأبجديات الواقع لا لنصوص الكهنة، وبناء على خيارات الضرورة وثنائية الصواب والأصوب والمُفيد والأكثر فائدة القائمة على التجربة والنظرة الثاقبة، هي محاولة بائسة تجعل العقل تابعًا لمروجي نصوص اللاعقل واللاتفكير واللافهم.

فالإيمان بالاستسقاء والاستخارة مرتبط كُليةً بالإيمان الأعمى والتسليم الباكر بقدرة السحر والمعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة والتي أثبت العلم صعوبة حدوثها بل قام بدحضها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد