«ما يصنع بي أعدائي؟ إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة» ابن تيمية رحمه الله.

أراد أحدهم يومًا أن يعرفنا بنفسه كتابةً، فذكر اسمه، وعمله، ومكان إقامته، وتحيزاته الفكرية، ولماذا يحب الممثلة الفلانية، وموسيقاه المفضلة، كما وعرض شيئًا من تفاصيل حياته العائلية، فأسهب في وصف زوجته وأولاده، وماذا يعمل كلٌّ منهم.

اكتأب شخصٌ بعد تقاعده من وظيفته التي قضى فيها ثلاثين عامًا، إذ قعد في بيته يتقلب ذات اليمين وذات الشمال، مستذكرًا كل لحظة قضاها وهو يكابد المشقة والتعب من أجل أن (يجد نفسه).

هذا مما نسمع به يوميًا من أقاربنا وأصدقائنا وزملائنا؛ من أشخاص صَعُبَ عليهم أن يُعرِّفوا أنفسهم دون الإشارة إلى كل ما ارتبط بهم وارتبطوا به؛ إلا أنفسهم.

أرى نفسي من هؤلاء، فأنا لست بعيدًا عن هذه الدائرة، إذ إنني أجد سؤالًا كـ(عرفنا بنفسك!) سؤالًا صعبًا وباعثًا على الكآبة، ولا أعلم السبب وراء ذلك؛ فهذا مما استغلق عليَّ فهمه وإدراكه، ولذلك أسباب كثيرة.

لطالما حسب الناس أن وعيهم بأنفسهم من المُسلَّمات، غير أن حقيقة الإنسان وجوهره شيءٌ آخر تمامًا، وهي برأيي الشيء الوحيد الثابت فينا، والذي قلَّ أن نجد سبيلًا لمعرفته.

لا شك أن كل ما اعتلق بنا واعتلقنا به يضيف من المعاني إلى حياتنا ما لا يحصى، فضلًا عن الخبرات الإنسانية التي نكتسبها كل يوم جراء التفاعل المشروط وغير المشروط مع هذه الأمور المتغيرة، غير أن الفهم المطلق لذواتنا قد يتأتى بإزالة الرواسب والشوائب، فتظهر الحقيقة جليةً واضحة، ونعرف الماهية والغاية، ونعيد تعريف أنفسنا بما يتوافق مع المعرفة الجديدة.

الدين إجمالًا يتيح لنا فرصة من التأمل، تجعلنا قادرين على اكتساب هذه المعرفة؛ بل لا مبالغة إن قلنا أن من غايات الدين العظمى هداية الإنسان إلى نفسه، وتعريفه بها، ولا شك أن إنسان اليوم أشد حاجةً إلى هذه المعرفة العميقة، وبالتالي فهو أشد حاجة إلى إيمان مطلق يأخذ بيده ويضيء الزوايا المعتمة في داخله.

الوهم جميل إذ يُسرِّي عنا؛ وهنا أعني وهم النجاح في الحياة العملية، وفي الزواج، وفي تنشئة الأبناء، وفي تحقيق الإنجازات وبلوغ الغايات والأهداف؛ غير أن هذا الوهم الجميل الجذاب لا يعادل لحظة صدق تنقشع فيها الغمامة، وكأننا خرجنا لنراقب العالم بعين خارجية نرى من خلالها وجه الحقيقة الذي لم نعد نألفه.

أجمل ما في الأمر، أن أولئك الذين استطاعوا تعريف أنفسهم على الحقيقة، صاروا أقدر على استغلال لحظات حياتهم بما يتوافق مع الرؤية الجديدة؛ فباتوا يعيشون في تناغم حقيقي لا انفصال فيه بين الظاهر والباطن، أو بين الأفعال والدوافع؛ صارت حياتهم حقيقية ذات معنى، لها رؤية واضحة محددة، لا تخالطها أهواء النفس وأوهامها؛ فتراهم قد حققوا مرادهم وغايتهم العظمى، وعاشوا حياة متناغمة؛ بالرغم من الصعوبات والآلام والمشقات العارضة.

هذا كلام نظري، قد يفقد أي تأثير محتمل عند أول نازلة؛ فما هو مطلوب من الإنسان المعاصر لم يكن مطلوبًا من إنسان الأمس وإنسان العصور البائدة، بل حتى لم يكن مطلوبًا جُلُّه من آبائنا عندما كانوا في مقتبل العمر. وهنا يحقُّ لنا أن نتساءل، ما الجدوى من نمط الحياة المعقد هذا إن لم يكن قادرًا على توفير السلام الداخلي لنا؟ ولماذا تضاعفت ضروريات الحياة بهذا الشكل دون أن نرى نتائج إيجابية على مستوى علاقة الإنسان بنفسه ونظرته للحياة؟ قد تكون هذه الأسئلة المفتاحية وغيرها بداية الطريق نحو إجراء مراجعة حقيقية على المستوى الشخصي؛ تهدف إلى إعادة ترتيب الأولويات، ووضع الأمور في نصابها الصحيح قبل فوات الأوان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد