ذلك الفيلم الذي أبدع القائمون عليه، وأخرجوه بتلك الروعة، وكيف أنهم لامسوا أرواحنا جميعًا، وأعتقد أن هذا الفيلم كان يجب أن يكون صفعة على وجوه المسئولين – آنذاك – جميعهم، وأيضًا صفعة على وجه كل مواطن متخاذل يبيت شبعان والمئات من جيرانه في موطنه جياع، ولكن أعتقد أن هذا الفيلم لم يجن سوى البكاء على مشاهده فقط، بل ازداد الأمر سوءًا!

 ازدادت العشوائيات حيث إنها تمدد الآن بطريقة مخيفة، لا نندهش إذا وجدناها انتشرت في الوطن بأكمله، حيث أصبح المجتمع المصري في ظل تلك الأحوال الاقتصادية المتدنية يومًا بعد يوم الكثير لم يعد في استطاعته أن يفكر في الغد، بل إنه يتحسر على اليوم، وأنه لا يستطيع أن يوفر من طعامه وماله شيئًا في ظل ذلك التناسب العكسي بين الحالة الاقتصادية، وبين الأسعار حيث كلما قلت الحالة الاقتصادية ارتفعت الأسعار بشكل مخيف، والمتضرر في ذلك هو الإنسان الغلبان أي الإنسان المصري بشكل عام، والمسئول لا يشعر.

وكلما قرأت كان عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – يسهر ليله ليتفقد أحوال رعيته، ليواسي المحزون منهم، ويغيث الملهوف روي عن زيد بن أسلم: خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى حرة واقم، حتى إذا كنا بصرار، فإذا بنار، فقال: يا أسلم، إني أرى ها هنا ركبًا قصر بهم البرد والليل، انطلق بنا؛ فخرجنا نهرول إلى أن دنونا منهم، فإذا بامراة ومعها صبيان، وقدر منصوبة على نار، وأولادها يتضاغون، فقال أمير المؤمنين عمر: السلام عليكم يا أهل الضو، كارهًا أن يناديهم يا أصحاب النار؛ فاجابته المرأة، وعليكم السلام، فقال لها: أأدنو؟ فقالت: ادن بخير، فدنا منها عمر، فسألها عن أمرهم، فأجابته: قصر بنا البرد والليل، فقال: وما بال هؤلاء الصبيه يتضاغون؟ قالت: الجوع! فسألها عما يوجد في القدر، فقالت: إنه ماء أسكتهم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر. فقال: أي رحمك الله! وما يدري عمر بك؟ فقالت: يتولى أمرنا، ومن ثم يغفل عنا؟ فأقبل علي، فقال: انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الرقيق، فأخرج كبة من شحم، وعدلًا من دقيق. وقال: احمله علي! قلت أنا أحمله عنك. قال: أنت تحمل وزري يوم القيامة، لا أم لك! فحملته عليه. فانطلقت معه نهرول إليها. فألقى ذلك عندها، وأخرج شيئًا من الدقيق. فجعل يقول لها: ذري علي، وأنا أحرك لك. وجعل ينفخ تحت القدر وكانت لحيته عظيمه. فرأيت الدخان يخرج من خلالها حتى طبخ لهم. ثم أنزلها. وأفرغ الحريرة في صحفة، وهو يقول لها: أطعميهم، وأنا اسطح لهم – يعني أبرده لهم – ولم يزل حتى شبعوا، وهي تقول له: جزاك الله خيرًا، كنت أولى بهذا الأمر من أمير المؤمنين.

رضوان الله عليك يا عمر الفاروق. ماذا لو علمت أن هناك أوطانًا بأكملها تئن من الجوع والفقر والمرض وتحتاج من يخاف الله فيها، والآن الفقير يداس بأقدام من حصل على بعض من المال الزائد، وأصبحت تلك الفجوة كبيرة جدًا بين الغني والفقير، ومن بعد ما كنا نتألم بحسرة من مشاهد الفقر، وكيف كان الناس يخطفون من بعضهم البعض تلك القطع من اللحم، وكيف يبيع الناس أولادهم من الفقر، أصبحت تلك المشاهد عادية بالنسبة للجميع، وأصبح الجميع يقول: نفسي نفسي! لأجل من يعيش الشعب بأكمله ذلك الفقر؟ لأجل من يتحمل الشعب ذلك الذل والحرمان من خيرات بلاده؟ الفقراء هم من يبيعون أعمارهم.

ارحموا نفوسًا تشتكيكم إلى الله، وانظروا إلى هؤلاء؛ فهم أناس كرام، يستحقون الحياة بآدمية، وكن عونًا في الخير دومًا؛ تحلو لك ولغيرك الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد