1
أنظر باهتمام لأرقام 2014 لأصدق أنها قد انتهت أخيرًا، لا لصعوبتها قدر ما هو لبطئها النسبي أو لنقل ثقلها الكمي والكيفي، بدأت باستلام جواب من معمل التحاليل كُتب فيه بالإنجليزية Positive والشعور بحالة من الجهل وتساقط 15 سنة من التعليم على أرصفة الطريق في محاولة للبحث عن المعنى الحقيقي لكلمة إيجابي تلك، هل تعني إنني حامل وسأصبح أم مرة أخرى.. بجد؟

أصاب برجفة كلما قرأت هذه الكلمة داخل هذا الجواب الأبيض الذي يخبرني بمنتهى الهدوء بأن حياتي لن تعد كما كانت! رهبة هائلة كأني أقف أمام الخالق ليخبرني إنه قد خلق روح بداخي وإنني مسؤولة عن كائن آخرغيري فيشتد الارتجاف، أتوه بين خيوط دموع غُزلت من الوهن والدهشة، أتذكر رحيل فرحتي الأولى التي لا أنساها، طبطبة طبيبة لا أعرفها أثناء الولادة وأحضان ممرضات لا أتذكر وجوههن بعد الولادة، صوت متهكم وقاسٍ من دكتورة أخرى لأني “مش بتاعة حمل”، وينبغي ألا أفكر في هذا الأمر مرة أخرى. أتذكر كل شيء فتحاصرني الدموع أكثر وأكثر، كيف يتوحد الجسد مع المعجزات دون أن تحاط الروح بالدموع؟

2
قد تمر الأيام بطيئة متثاقلة لتعلمك في كل دقيقة درس لن تنساه طيلة حياتك، تأخذك في رحلة عميقة بداخل كل موقف لتكتشف كم كنت ضعيفًا وكم كنت قويًّا، كم كنت ساذجًا وكم كنت شجاعًا، كيف تمكن الغضب والكراهية والقسوة من عقلك وكيف تمكن قلبك من الحب والتسامح والرحمة، تمر السنة تاركة دروس بعينها أمامك تثبت لك إنك دائمًا أقوى ما دمت على علاقة طيبة بالسماء، ألا تتمنى مثلي الحصول على سنة هدنة بين 2014 و2015 نخصصها لفعل اللا شيء والتقاط الأنفاس والتوقف عن الريجيم والتقدم في العمر والدعاء على كل ظالم ومفتري؟

3
تتزاحم الأيام ويزداد صمت طفلي ضجيجًا.. استكمل رحلة علاجه دون تجهيز مسبق، سريعًا سريعًا كأنه يتعجل للتحدث مع ولادة أخيه، قد تدرك طريق الخلاص في ثانية وقد يستغرق قرار السير فيه سنوات، فمن ذا الذي يعطي طفله لعمليتين متتاليتين وهو بكامل قواه العقلية؟ كدت أجن وكدت هنا كلمة تجميلية لحفظ كرامتي العقلية أمامك وعدم الظهور في هيئة المجانين، ولكن الحقيقة غير ذلك تمامًا فلقد جننت وذهب عقلي وروحي في طرقات المستشفيات

ثلاث سنوات من الصمت ونوبات الغضب، وجلسات التخاطب وجرعات الأدوية ومتابعات الطبيب والمستشفى والأمل والدموع، قال الطبيب يجلس من الحضانة على أمل أن يكون بخير ولا يحتاج لعملية، جلس الشهر ثم ذهبت للدكتور وكلي أمل في النجاة من غرفة العمليات حتى سمعت ما أخشاه بأذني وكذبه قلبي، قال سيدخل غرفة العمليات الأسبوع القادم، أي يوم تفضلون؟ تساوت الأيام وفقدت أسماءها، اتركوه لي صامتًا أحبه هكذا.

يلطف بنا اللطيف فأرى شفاهه تتحرك وأسمع حروف وكلمات، لا أصدق ما أسمعه، تنتابني رغبة عارمة في أخذ كل كلمة تخرج من فم أنس لأمطرها بالقبلات ثم أعيدهما للجملة مرة أخرى، نبرات صوته كالمطر المبعوث لأرض جفت من طول الصمت واشتاقت للغوث فأكرمها الله بنشيد وسورة الصمد دفعة واحدة.

من يصدق أن أنس قد تحدث أخيرًا بعد ميلاد مالك كأنه كان يدخر الكلمات ليقول له: مالك أنا بحبك!

4
أذوب في بحر المسؤوليات ثم أشب لالتقاط أنفاسي لأختفي في القاع مرة أخرى، أشغال منزلية شاقة، “ستايلست” للجميع، صيدلانية ودكتورة إذا لزم الأمر، مهرج ولاعب كرة وشيف، منظم وقفات احتجاجية واعتصامات لأنس، منقذ للرضيع من هبات أخيه الجنونية، أخصائي اجتماعي، صانع ألعاب، أراجوز، ألتراس با با با براعم.

ينتهي اليوم فأجلس لأحسب عدد أخطائي الأمومية فأجدها مختلفة ومميزة مثل إعطاء الرضيع قطرة الأنف عن طريق الفم وزيادة جرعة الدواء لثلاثة أضعاف وإهمال دواء هام تسبب في نزلة شعبية ونسيان ميعاد تغيير الحفاضة. أبحث عن ضميري ليصفعني حتى أشعر بأي شيء فأجده بجواري في القاع وغارق في سابع نومة.

5
– ماما أنا زعلان من مالك.
– ليه يا أنس؟
– عشان بيعمل بيبي على نفسه مش في البوتي.
– هو بيعمل كده عشان هو لسه صغير وأنت لما كنت صغير كنت بتعمل زيه.
– لأ يا ماما أنا مش بعمل بيبي على نفسي وأنا صغير، أنا بعمل بيبي على نفسي وأنا كبير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد