نيبا؟ بومبيدو؟ من؟ كيف؟
إن كنت مغربيًا وكلمة «نيبا» لم تعن لك شيئًا، فلك مني تحية إلكترونية خالصة من أعماق أسلاك حاسوبي؛ لأن هذا يعني أن خوارزميات الذكاء الإصطناعي التي ترعاك على مواقع التواصل بقيت نقية طاهرة، ونقراتك لم تهزمها عناوين الفيديوهات التافهة والمُغرية. وفي جوف هذه التحية، سأمرر لك اعتذارًا خفيًا؛ لأني مجبر على تقديم نيبًا لتتمة المقالة؛ ما سيدفعك ربما للبحث عنه لتُدنس بذلك خطواتك الرقمية.
نيبا، شخصية اشتهرت بفيديوهاتها على موقع «يوتيوب»، يظهر فيها بعفوية زائفة، وهو منزعج من المصوّر الذي يتظاهر بمباغتته لتصوير مواقف مختلفة من حياته اليومية. يحاول المصور إثارة غضبه بكل الوسائل حتى يستخلص منه بعض الشتائم بلهجة مراكشية، تعجب المشاهد على ما يبدو. كان هذا تقديمًا عامًا للشخصية. أما تقديمي الشخصي لنيبا فهو كالتالي: إنسان بسيط، استُغلت صورته، جسده، سمنته، سذاجته، فمه بسِنَّين وحيدين، وظروفه المادية، لكي يُصنع منه شخصية مضحكة، تدرّ دخلًا ماديًا زهيدًا عليه وعلى بعض الجهات، وتلهي الشعب المغربي. الأمر الذي لقي نجاحًا كبيرًا. كيف لا ونحن شعب يحب الفرجة والتشهير من موقع المُشهِّر لا المُشهَّر به. شعب يعشق الانتقاد، من موقع الحالم لا الفاعل. شعب ينتظر من يقوده ويوجهه، وإن كانت الوجهة هي الهاوية. شعب مستهلك لا منتج. نقتل الوقت جالسين في المقاهي. بالأمس نستهلك بأعيننا أجساد المارة، واليوم نستهلك بهواتفنا الذكية تفاهات نيبا وآخرون.

وما علاقة بومبيدو بكل هذا ؟

قبل أن أجيب سأطلب من كل قارئ لهذه التدوينة أن يتخيل في مدينته مثلًا مبنىً ضخمً تعادل مساحته أكثر من 10 مرات مساحة ملعب كرة القدم. تجد فيه جل أنواع الأنشطة الثقافية. مفتوح للعموم، ستة أيام في الأسبوع من الساعة 11 صباحًا إلى 10 مساءً دون انقطاع، ودون انخراط مسبق. نعم دون انخراط مسبق! أعلم أني بالغت في الخيال، لكن تخيل فقط. كل ما تحتاجه لدخوله هو جسدك، واحترام المعايير الأمنية لاجتياز مدخل أمني واحد. في الداخل تجد مئات الحواسيب، إنترنت مجاني، آلاف الكتب في كل الأصناف واللغات، ألعاب فيديو، مئات من ألبومات الموسيقى، مكان للأكل، بعض الآلات الموسيقية، وأشياء أخرى عديدة، سأعفيكم من تخيلها. الكل متاح للاستعمال بشكل مجاني وللعموم.
هذا الخيال هو واقع بلدان، تفصلنا عنهم بضع كيلومترات من مياهِِ نتمنى يوما لو تجف كليًا. هذا الخيال هو واقع بشر مثلنا، متساوون معنا بيولوجيا. هذا الخيال هو واقع آلاف الباريسيين كل يوم. هذا الخيال عِشته، ولا زلت أعيشه كلما وطتئ قدماي المركز الوطني للفنون والثقافات جورج بومبيدو.
ذات يوم في مركز بومبيدو، في الجناح المخصص للحواسيب، لمحتُ نيبا على شاشة حاسوب شاب مغاربي الملامح. نيبا كعادته غاضب، يشتم، يصب جام غضبه على المصور، يندفع نحوه وكأنه يريد أن يخترق شاشة الحاسوب. وكم تمنيت لو حدث ذلك. تخيل معي لو كان ذلك ممكنًا: نيبا، بشحمه ولحمه، يزور بومبيدو منبعثًا من شاشة حاسوب! لو حدث هذا لكنت أول مستقبليه، ولخصّصت له استقبالًا حارًا. أشُد على يده بكل ما أوتيت من قوة. آخذه في جولة داخل المركز. أحرص على أن تلتقط عيناه كل جانب من جوانب المبنى، لعله ينبهر بما يراه. لعله يهتدي ويهدي معه ذاك الشاب المعجب به، الذي فضل مشاهدة فيديو لنيبا، متجاهلًا كل الغنى الثقافي المحيط به. كم تمنيت ذلك يا نيبا. فقد أصبحت قدوتهم. أنت الوحيد القادر الآن على توجيههم. أنت المؤثر. أنت وثلة من التافهين الآخرين!
أكتب هذه الأسطر من داخل مركز بومبيدو، وعلى يساري رجل بملامح آسيوية يقرأ رواية بالفرنسية بمساعدة عدسة مكبرة لضعف بصره. بجانبي طالبة منهمكة في حل تمارينها، وعلى أقصى يميني عجوز لم يمنعها بطء حركة أصابعها من استعمال الحاسوب. فأتساءل: كيف يمكن لشخص وسط هذه الأجواء الملهمة، وسط هذا الثراء المعرفي الفاحش وكل هذه المغريات الثقافية. كيف لشخص توفرت له كل هذه الظروف، أن يختار، من بين كل هذا التنوع مشاهدة فيديو لنيبا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد