(1)

لم يكن دخول وقف إطلاق النار ليلة 30 من ديسمبر حيّز التنفيذ في كل الأراضي السورية، باستثناء المقرات العسكرية التي تسيطر عليها المجموعات الناشزة عن الاتفاق، إلا ليكشف عن جهود دبلوماسية كبيرة وناجحة قامت بها الدبلوماسية (التركية-الروسية) لإطفاء النيران المشتعلة في كلّ سوريا.

وقد كشف إعلان وقف إطلاق النار أنّه يأتي متزامنًا مع استمرار العملية السياسية، بحيث تُجمد فيه جبهات القتال بضمانة تركية لكل قوى المعارضة المسلحة، وضمانة روسية لقوات النظام وحلفائه، على أن تبدأ مفاوضات للتوصل للحل السياسي بعد شهر من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

ولم يغفل الاتفاق أن يُقدم آلية ملائمة لمراقبة وقف إطلاق النار بناء على أطر الأمم المتحدة بموافقة الأطراف على هذه الشروط.

وقد لقي هذا الاتفاق ترحيبًا من كل الأطراف الفاعلة في المشهد السوري حتى أنّه لم يبق للإدارة الأمريكية التي باغتها هذا التحرك الدبلوماسي وقوته إلا أن تباركه، وتسعى للحاق بركبه حفاظًا على مصالحها، وإن كان اغتيال السفير الروسي في الأراضي التركية إلا محاولة يائسة لإفشال هذا الاتفاق الذي كان في مراحله النهائية.

وكان بارزًا ترحيب جماعة الإخوان المسلمين في سوريا في بيانٍ لها هذا الاتفاق، والذي تعتبره خطوة مهمة وإيجابية، وفيه احترام لإرادة الشعب السوري.

كما ورحبت بهذا الاتفاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في تصريح صحفي صادر عنها، ودعت إلى إيجاد حل سياسي للأزمة السورية يُمكن من تجنب المزيد من سفك الدماء، والحفاظ على وحدة سوريا وشعبها، واحترام إرادته وحقوقه وسيادته على أرضه، وينهي حقبة سوداء.

(2)

أجل، لم يكن الصراع الحادث في الدولة السورية والمنطقة العربية وليد الصدفة، وقد أظهرت الأدلة الكثيرة أنّ الإدارة الأمريكية قد عَمدت عبر أدواتها التي تجمع بين سحر الدبلوماسية، ووحشية القوة والبطش العسكري، أن تُبقي دائرة الصراع مشتعلة وتتسع في الأراضي السورية؛ لتكون مَهلكة للأشرار، في إشارة إلى أنّ كلاّ من غيرها والكيان الصهيوني في المنطقة هم الأشرار.

فكان العنوان البارز لسياسة أوباما في التعاطي مع الصراع في سوريا (دع الأشرار يقتتلون)..!

وفي تفاصيل هذا العنوان كان يتم بشكل متوالٍ في الأرض السورية استنساخ مجاميع مسلحة ومؤدلجة بأفكار متطرفة ومتناقضة مع ذاتها، لم يجمع بينها غير اختلافها وخلافها المستمر الذي يحكم العلاقة بينها، أكثر مما يجمعها من توافق.

فلم يكن، حقيقة، النظام هو التناقض الرئيس بينها، وقد تهادن الكثير منها مع قوات النظام ودخلت في معارك ضارية فيما بينها، حتى غابت في ذروة الأحداث أي معاني للثورة السورية التي انطلقت من أزقة المدن والبلدات لتنادي بالحرية والكرامة في ظل شراكة سياسية.

(3)

وفي المقابل تعامت الإدارة الأمريكية عن دخول الجماعات والحشود الموغلة في التشيع الأراضي السورية؛ كي تقاتل بجانب قوات النظام تحت عناوين مذهبية وأخرى طائفية، حتى تمّ زج حزب الله اللبناني بكليته في الوحل السوري بداعي الدفاع عن وجوده في تلك الساحة الغارقة في الدم، والمعبأة بالحقد والكراهية.

واستمر الصراع يتكافأ بين أطرافه والحرب بينهم سجالٌ (فلا تنتصر الثورة ولا يسقط النظام)، وقد أطلقت يد النظام لتلقي بأطنانٍ من البراميل المتفجرة والغازات السامة بشكل هستيري في قلب المدن وأطرافها.

حتى إذا مالت الكفة في ربيع 2015 ووصلت طلائع جيش الفتح السوري مشارف اللاذقية في الشمال، وفي الجنوب كان الجيش الإسلامي يواصل تقدمه بشكل متسارع؛ لتنكفئ قوات النظام والمجموعات المساندة له من أكثر المناطق حيوية.

عندها تدخلت قوات حرس الثورة الإيرانية لتأخذ زمام إدارة الصراع من يدي قوات النظام التي تهالكت، وهي تواجه في أكثر من أربعمائة جبهة قتال مفتوحة في طول البلاد وعرضها.

غير أنّ التدخل الإيراني المباشر وتولي إدارة الصراع لم يُغيّر بشكل جذري موازين المعركة، إلا أنّه منع سقوط النظام وصلّب موقفه.

لكن، بقي أطراف الصراع يراوحون معارك مستمرة، وهي تزداد فتكًا وتزداد معها معاناة الآمنين الأبرياء قتلًا وتهجيرًا وحصارًا، كلّ هذا والإدارة الأمريكية تُقلب الأمور بما يزيد من غلواء الجرائم المرتكبة تحت بصر وسمع العالم دون من يجيب!

(4)

وفي ظلّ الفراغ المتعمد الذي أوجدته سياسات الإدارة الأمريكية بالقيادة من الخلف في دائرة الصراع في الأراضي السورية، كانت الطريق ممهدة لتوريط أي من خصومها في معركة لا أفق فيها لحل غير المزيد من القتل والقتال العبثي في كثيرٍ من جبهاته.

وهنا كان التدخل الروسي المباشر في حلبة الصراع السوري في المنظار الأمريكي مصيدة محكمة، غير أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان حذرًا بما فيه الكفاية، وقد أغرقت القوات السوفياتية بفعل هذه السياسة الأمريكية قبل عقود ثلاث حتى أذنيها في الأوحال الأفغانية، وبها أنهت الوحش السوفياتي في (نصر بلا ثمن) أهدي بغباء لصالح أمريكا التي خرجت على إثره منتصرة في الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي (حلف وارسو) والغربي (حلف الأطلسي).

فقد سعت الإدارة الأمريكية جاهدة لإغراق الدب الروسي في المستنقع السوري، وتوريطه في معركة لا يخرج منها إلا وهو يجر كلّ ذيول الخيبة والعار؛ فتنهي بذلك أطماع ضباط الأمن K.G.P من العودة للتأثير الفاعل في المسرح الدولي من خلال اللعب بأوراق المنطقة في ملاعب الكبار.

نعم، قد كان أول ما سعت إليه إدارة أوباما بتدخل روسيا المباشر في الأزمة السورية وعلى الأرض، ضرب العلاقة المتطورة بين ثعلبي السياسة (بوتين- أردوغان) وإدخال الدولتين الكبيرتين في صراع مفتوح، بل وحرب دامية ستنهي حتمًا على كليهما داخل الأوحال السورية.

غير أنّ الحكمة وتبصّر العواقب حالت دون ذلك، ولم يصل الخلاف والقطيعة بعد إسقاط الطائرة الحربية الروسية في استهداف مباشر من الطيران الحربي التركي، إلى مستويات كبيرة ولم يأخذ الخلاف مدًى طويلًا، فأخذت العلاقات تعود إلى سابق عهدها بشكل متسارع.

بل وازدادت الأمور انكشافًا لكليهما بعد محاولة الانقلاب الفاشلة المدعومة أمريكيًا وأوروبيًا، وقد أكدت التحقيقات أن الطيار التركي الذي أسقط الطائرة الروسية كان من الكيان الموازي، بل كان قائد الطيران الحربي أحد أبرز أركان الانقلاب المجرم الذي شهدته تركيا في منتصف يوليو (تموز) 2016.

(5)

فقد كان لانكشاف هذا الدور القذر لمن كان يجب أن يكونوا حلفاء لتركيا كعضو في الحلف الأطلسي، هو ما دعا الرئيس طيب أردوغان أن يحسم مواقفه في تسريع الخروج الآمن للجميع بما يحفظ ماء الوجه لكل الأطراف الأصيلة، ويحقق مطالب الثورة السورية في نسختها الأصلية كثورة مطلبية مُحقة في مطالبها العادلة.

بعيدًا عن الرهانات الأمريكية التي انكشفت كل حيلها وأهدافها الماكرة التي حرصت على إنهاء الدولة السورية بكليتها ومن ثمّ تقسيمها مذهبيًا وإثنيًا.

وإنّه لم يكن شعار تغيب الأسد عن الحكم غير خرقة حمراء تستثير بها رعونة العجول الهائجة في حلبات الصراع الدموي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دولي, سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد