حفيدي العزيز في سوريا! كيف حالك وكيف حال البلد؟ هل قسّموها؟هم يطمحون إلى ذلك الآن، ولا حول ولا قوة لجدك.

أنا على متن قارب صغير الآن؛ أشق عباب البحر هربًا؛ فوطني أبى أن يكون كريمًا، آمنًا، محترمًا.

كل ما أردته يا حفيدي أن أعيش حرًا فكوفئت بقنابل وبراميل ودبابات وجنود من مختلف الجنسيات، ولم يبق أمامي سوى الهرب أو الموت. وأنا يا حفيدي! كما قال الشاعر أحمد مطر: «لا أريد أن أموت كي يحيا الوطن لابن زنا يهتكه، ثم يقاضيه الثمن، لاثنين وعشرين وباءً مزمنًا، لاثنين وعشرين لقيطًا يتهمون الله بالكفر وإشعال الفتن».

هل تعرف أحمد مطر يا حفيدي؟ لم تسمع عن قصائده قط؟ إذًا ماذا تدرسون؟ فهمت! تدرسون عن رئيس مجنون وشعب بين مقتول أو غارق أو مسجون.

ماذا أخبروكم؟ أننا إرهابيون، وأن بشار الأسد قد كان نسخة من الرشيد هارون؟

لا يا حفيدي! لم يك جدك من الخائنين، ولم يك بشار من المطعمين للمساكين من فقراء سوريا والمحتاجين، بل كان يحب المال حبًا جمًا.

لا تصدقهم يا ولدي! لم نكن عملاء، إسأل شوارع درعا، دمشق، حلب، إدلب، تدمر، ديرالزور، وستجيبك: «الله، سوريا،حرية، وبس».

سر في أزقة حماة ليلًا؛ وستسمع صوت «إبراهيم قاشوش» يغرد: «الشعب السوري ما بيرتاح حتى ينال الحرية»، مُرَّ على ديار حمص واسمع بأذنك صوت «عبد الباسط الساروت» وهو يغني: «جنة جنة جنة».

لقد أخبروكم بأن سوريا ٱزدهرت تحت حكم الأسد؟ لم يحدثوكم عن السجون والمقابر الجماعية؟ ولا عن التعذيب، ولا عن الوحوش الآدمية؟ وطبعًا لم تسمعوا عن الانتخابات الشكلية والنسب الخالية، غيرصحيح، لم يكن مساندًا للقضية الفلسطينية؛ اتخذها كمن سبقه مطيّة لكسب شرعية غبية.

لم تكن مؤامرة كونية ضده كما قال لكم معلكم، كنا شعبًا سئم العبودية، إلا أن بشار فكر وقدر، ثم نظر، ثم عبس وبسر، فقال إن هذا إلا مخطط لزعزة ٱستقرار الأسد، فبعث بالبراميل، تفجر المنازل والجماجم وتحرق أجساد النائمين.

لم نَخَفْهُ، سلكنا طريقنا، تواصلت الاحتجاجات، فكر الأسد يا حفيدي! فكر وقدر، ثم نظر، ثم عبس في وجوهنا وصرخ فينا أننا خائنون لفلسطين، رغم أنه لم يؤرق يومًا مضجع إسرائيل، فالجولان محتلة، والاحتفاظ بحق الرد ورثه عن والده حافظ الأسد.

من يصورونه لكم بطلًا يا ولدي! كان أول من سمح باحتلال سوريا، لم يقدر على إسكاتنا فبعث بطلب المساعدة من ديكتاتور آخر، لكنه لا يتكلم العربية، ذاع صيته في العالم وعرف بجرائمه في الشيشان، وجبروته الموروث عمن سبقه، فروسيا حاربت حفظة القرآن في آسيا منذ قديم الزمان.

جاء القيصر وجيشه، وٱنضم لهم حزب الله اللبناني، اجتمعوا، تشابهت علينا الوحوش يا حفيدي! وكثرت أنواع الأسلحة، فالقنابل روسية، والمتفجرات سورية، والقناصة لبنانيون. هم الآن على مشارف حلب، لم يكن أمامي من خيار سوى الهرب، فوالدك لم يتجاوز التاسعة من عمره، ها هو ينام الآن في حضن جدتك، قتلوا أعز أصدقائه، كان البارحة يحفر بيديه الصغيرتين محاولًا إخراج أخيه من تحت الأنقاض، فيما كانت جدتك تواسي جارة لنا اختار قناص أن يقتل أختها وأطفالها الخمسة، عندما كانت تحاول الهرب إلى تركيا، بعد أن ٱختطفوا زوجها، أنهكتهما الحرب يا ولدي! أخيرًا لا تقتلع أوراق الأشجار؛ قد تحتاجها يوما، فأهلنا في مضايا لم يجدوا غيرها طعامًا؛ لكي لا يموتوا جوعًا ولا تجزع إن لفظت أمواج البحر جثثًا بين الفينة والأخرى على شواطئ بحار سوريا، ولا تخف إن حفَرْتَ في الأرض فوجدت أعضاء بشرية، ولا ترتعد إن ملأتْ صرخات الرُّضَّعِ ديار حمص ودمشق المهجورة، هي أرواح يا ولدي! أبت أن تغادر وطنها باكرًا.

المركب مليئة جدًا، قد نغرق في أية لحظة فٱستمع إلي جيدًا الآن، راسل أخاك في مصر، قل له «إن أجداده كانوا رجالًا لا يقبلون الضيم ولا ينزلون على رأي الفسدة».

أخبره أنه خلافًا لما كتبه على كراسه في حصة التاريخ، ما حصل في 25 يناير كان ثورة حقيقية، لم تكن من صنع الخارجين عن القانون، هم قرروا العيش بكرامة وحرية، هزموا أعتى الديكتاتوريات البوليسية، وتوجوا نصرهم بٱنتخابات ديمقراطية! نعم! أخبره أن محمد مرسي لم يكن جاسوسًا ولا إرهابيًا، كل ذنبه أنه أراد الحفاظ على بنات مصر وشبابها وأراد لها أن تكون ذات سيادة.

علّمه يا ولدي أن ما قيل له عن ٱعتصام «رابعة» ٱفتراء، فلم يكن هناك، لا أسلحة، ولا دبابات، ولا جثث تحت المنصات.

إن سلاح رابعة كان القرآن والدعاء في صلاة الفجر، إلا أن خير أجناد الأرض! يا ولدي!قطعوا ذاك الدعاء وأسالوا الدماء وٱرتفعت أصوات الرشاشات ونفذوا مجزرة هزت كل العالم، نعم كان السيسي مجرمًا كبشار الأسد، جعل من جماجم الأبرياء وسذاجة الأغبياء وعمالة الخونة وأموال المُهَرِّبين وفتاوى المنافقين سلمًا صعد من خلاله إلى الحكم.

قل له بأن الجيش المصري لم يكن خير أجناد الأرض، كيف له أن يكون خيرها، وهو يذيق الآن أهل سيناء الويلات يا ولدي! وينكّل بجثثهم ويدمر منازلهم تدميرًا؟ ربما ستكون سيناء محتلة عندما تصلك الرسالة، أو ربما ستكون مليئة بأهل غزة، فالبعض يقول: إن السيسي بصدد تهجير أهلها؛ حتى ينفذ مخطط الاحتلال الصهيوني في السيطرة على غزة، لا أعلم! لست مولعًا بالتحليلات السياسية؛ فهي الآن كثيرة جدًا يا حفيدي، ولكن أخبره بأن حركة حماس الفلسطينية لم تكن إرهابية، ولم توجه يومًا سلاحها نحو الأراضي المصرية.

قل له إنه لا وجود للمجلس الأعلى للعالم، هي مجرد ترّهات إعلامية، ففي زمننا يا حفيدي! شرارنا يتصدرون شاشات التلفاز؛ ليرتكبوا ذنبًا أشدَّ من القتل.

وحدّثه عن جثث نحيلة توجد تحت سجن اسمه العقرب، تفانى حراسه في تعذيب المعتقلين، حتى إذا ما خرج واحد منهم ٱختطفوه وأعادوه أو ربما قتلوه. اقترن اسم جمهورية مصر في عهد عبد الفتاح السيسي، يا حفيدي! بالاختفاء القسري والٱغتصاب والإرهاب، قل له بأن الشرطة المصرية لم تكن كغيرها؛ فشرطتنا ترتكب الجريمة، ثم تختار بريئًا يحمل وزرها، وكانت تحل محل المجرمين فتحرك قواتها وتحرق منازل المعتقلين في وضح النهار وينتشي أفرادها بمحاولات أمهات المظلومين تقبيل أيديهم.

أخبره عن صمود آل البلتاجي. لا، لا تفعل، سأخبره عنهم لاحقًا إن كان في العمر بقية؛ فسطور قليلة لن توفيهم حقهم.

علي أن أذهب الآن يا حفيدي! فعصابات التهريب ترى بأن عدد المسافرين على المركب كبير جدًا، وأفرادها سيختارون أشخاصًا ليلقوا بهم إلى البحر!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد