لسنوات مديدة عشنا تحت غطاء أخلاقي، ادعى المجتمع أنه جزء أصيل من تكوينه، ذو جذور ممتدة إلى الأعماق بحيث يصعب زعزعته. على الرغم من أن كل الممارسات والوقائع كانت تؤكد زيف هذا الغطاء وهشاشته، إلا أن محاولات تصديره إلى المشهد العام استمرت ليتحول إلى مجرد سلاح يتم إشهاره لخدمة أغراض مجموعة معينه من المجتمع دون أخرى، مخالفا بذلك تعريف الكود الأخلاقي الذي يمكن اعتباره مجموعة من الاتفاقات المشتركة التي يخضع لها الفرد من أجل الحفاظ على بقاء وترابط المجموع، دون إنكار حقيقة أن هذا الفرد مكون رئيس في المجموع.

إذا تجاوزنا النظرة الأفلاطونية المثالية للمعايير الأخلاقية بكونها شيئا ذاتيا لنلقي نظرة موضوعية تربط تلك المعايير بتغيرات المكان والزمان نجد أنها ليست مجموعة من المطلقات، علاوة على أنها لا تُطلب لذاتها، وإنما هي وسيلة لتحقيق غاية تعايش المجتمع سويا، وبقائه، والحفاظ على مكوناته، دون أن ينفرط عقده. كل فرد باعتباره مكونا للمجتمع يمتلك نظرته ومعاييره الأخلاقية، لكننا حين نقرر الانخراط في مجتمع يلزمنا ذلك بأن نرسي معا قواعد مشتركة، واتفاقات معلنة، تُوجِد أطرا مُنظمة لسير الحياة داخل هذا المجتمع.

في دراسة “جوستاف لوبون” الاجتماعية “سيكولوجية الجماهير” حول سلوك الجماهير نجد أن المجتمعات مثل المركبات الكيمائية تختلف خواصها عن خواص العناصر المكونة لها، فذوبان الأفراد معا لتشكيل المجتمع ينتج تركيبة أخلاقية مختلفة، ليست بالضرورة متوسطا حسابيا لمجموع سمات الأفراد. لا يمكن أن نتصور أن مجرد وجود أشخاص جيدين أو سيئين سيشكل مجتمعا له نفس السمات التي يحملها الأشخاص منفردون، لذا فإن تلك الاتفاقات والقواعد المنظمة أخلاقيًا للمجتمع، إنما تكون تشكيلا لخريطة المجتمع ككتلة لا كأفراد.

الثورة بجانب كل ما تحدثه من تغيرات على الصعيد السياسي، تشكل مجتمعيًا صدمة تهز كل تلك القلاع الفكرية العتيقة التي طالما حافظ المجتمع على مسافة أمنة حين يتعامل معها بحيث لا يمس أيًا من تلك الحجارة المكونة لها، والتي تبدو قوية وذات هيبة من هذه المسافة خوفًا من الاصطدام بواقع تآكلها، واكتشاف شروخ أحدثها الزمن لا يمكن إخفاؤها، وصدع لا ينفع معه ترميم. قلعة الأخلاق كانت إحدى هذه القلاع التي وجب الاقتراب منها، بل فتح أبوابها لوطء دهاليزها من الداخل فتكشف لنا قصورًا في تلك القوالب التي ما عادت تصلح لزماننا، وجدنا أن تلك الهالة التي حاول البعض إضفاء القداسة عليها حول ما عرف بأخلاق المجتمع يمكن اختراقها ومناقشة ما تأويه، وأن هذا الغطاء بال، ملأه المجتمع على مدار سنين برقع للحفاظ على بقائه بدلا من إحلاله وتجديده.

تعودنا في مجتمعنا أن نتعامل مع الأعراض دون التطرق لإيجاد حلول جذرية للمرض، لعل أكبر مثال على ذلك تلك القضايا التي تثار بشكل موسمي في ميعاد محدد كل عام. يثار نفس اللغط بشكل متكرر حول قضايا أخلاقية، دون وجود معالم واضحة لمنظومة معايير يحتكم إليها المجتمع.

يجب علينا ألا نفقد مزيدا من الوقت في ترقيع هذا الغطاء البالي، فقد أصبحت ضرورة ملحة أن نبدأ في صناعة جديد، ولن يُنسج هذا الغطاء دون أن يدور حوار مجتمعي فيما بيننا حول منظومة أخلاقية حقيقية تناسب أجيالا عايشت مفهوم الثورة، ومسها حلم التغيير في مجتمع يضم من الاختلافات الكثير ويخفت فيه الأمل مع مرور الوقت. علينا أن نعمل على تشكيل قوام فكري له ملامح بدلا من هذا التيه الذي تولده صراعات الحاضر والماضي. قبل أن نتعامل مع منظومة مفروضة علينا دون أن يكون لنا أي دور في تكوينها يتوجب علينا كمجتمع إرساء قواعد تحفظ ترابطه وتضمن الحفاظ على كيان كل إنسان منفردا من خلال وضع حدود واضحة لمدى تدخل الدولة والمجتمع في أفعال الفرد وإعادة صياغة مفاهيم العيب والمقبول، الأخلاقي واللاأخلاقي.

الغطاء الأخلاقي الذي يتشح به مجتمعنا يبدي أكثر مما يخفي، وتلك القلعة الفكرية العتيقة تتهاوى، ولن يبقى منها يومًا سوى حطام لن يقيم مجتمعًا ولن يبني حضارة، إننا مدينون بالكثير للكشف الذي أضاء لنا الطريق وفتح أمام أعيننا ما خفي على أجيال قبلنا أو تغافلوا هم عنه، ولكن إن ضيعنا الفرصة سيتراكم الضباب من جديد وتضيع وسط العتمة حقائق لم تتكشف إلا ببذل الكثير، نحن أمام اختبار جديد لأجيال أصرت أن تصنع تاريخا بأيديها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد