من يقلّب في كتب تاريخ العراق المعاصر يكاد لا يجد في تاريخ سنة العراق ولا في وجدانهم السياسي صاعقة نزلت بهم كالتي هم فيها الآن؛ فقد اقتلع السنة من مجتمعاتهم، بريفهم ومدنهم، وهُدّمت حواضرهم، وهُدّم معها حُلم الحداثة، حُلم النخب والطبقات الوسطى، حتى الفلاحين والمزارعين فقد فقدوا علاقتهم المباشرة بالأرض.

شكّلت محنة التهجير التي تعرض لها السنة في العراق هزيمةً ساحقةً لهم، حيث أخذت هذه الهزيمة آثارًا نفسيّةً وأبعادًا اجتماعيةً على جيلٍ كاملٍ، ولكن للأسف ما زال بعضهم يتجاهل ما حدث، وبعضهم يكابر رغم الهزيمة، فيما يصر بعضهم الآخر بأن يبقى رهينة لهذه المحنة.

فمما زاد في معاناة هذه المحنة أنهم لم يتوقفوا منذ سنتين ونصف تقريبًا من تبادل التهم فيما بينهم بالتسبب بهذه المحنة، لم يتوقفوا طوال هذه الفترة عن طرح الأسئلة غير الصحيحة بدلًا من طرح التفسيرات المنطقية والتحليلات العقلانية، ولا نقول السعي في طرح الحلول لها.

إذا نحينا جانبًا سبب انطلاق تظاهرات المحافظات ذات الأغلبية السنية والذي جاء إثر محاولة اعتقال وزير المالية المستقيل السيد رافع العيساوي، فيمكن النظر لتلك التظاهرات التي استمرت لعامٍ كاملٍ «21 ديسمبر/ كانون الأوّل 2012 – ديسمبر/ كانون الأوّل 2013» والتي كانت السبب الأبرز وراء دخولهم في هذه المحنة هي؛ أنها كانت آخر ممارسة سياسية جماهيرية لجأ إليها جمهور تلك المحافظات، معترضًا أو محتجًا على سياسات التهميش والإقصاء وانتهاكات حقوق الإنسانية والسياسية التي انتهجتها حكومات ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.

لو رجعنا بالذاكرة قليلًا وبلمحة تاريخية موجزة عن تلك الفترة، يمكن القول إنه كان لصدى صوت الاحتجاجات والاعتراضات – التي تخللت فترة التظاهرات- وقع اجتماعي مميز في الأوساط الشعبية والمنتديات الثقافية فضلًا عن مواقع التواصل الاجتماعي، إذ كان يوم الجمعة مناسبة واحتفال كبير للهجاء والتهكم ضد قيود الحكم الطائفي في بغداد، خاصة بعد استطاع القائمون على تلك التظاهرات بمرور الوقت من ضبط إيقاعها وترتيب خطاباتها.

لهذا يمكن القول أيضًا إن فترة الأشهر الست الأولى لتلك التظاهرات أنتجت سلوكـًا فريدًا من نوعه للرد على قدرة قيام السنة بالتحشيد الجماهيري، يضاهي ما هو قائم في مناسبات «الشعائر الحسينية» لدى الطائفة الشيعية الكريمة، بل تفوق عليها تنظيمًا وترتيبًا على قلة الدعم.

لكن الجو العام الذي طغى على تلك التظاهرات، والطريقة التي سمح لبعض الأشياء المجتثة أن تقال فيها، أفرزت أيضًا وعلى حين غفلة «سلطة اجتماعية» كانت مغبونة ومكبوتة ومقموعة طيلة السنوات العشر التي سبقت التظاهرات.

حيث برزت قيادات روحية وميدانية لتلك التظاهرات سميت فيما بعد بـ الحراك السني، فتحولت تلك القيادة لشيء يشبه ما يمكن وصفه بمانعة الصواعق لجميع أنواع التوترات والأحقاد الاجتماعية، نتحدث هنا تحديدًا عن دور الشيخ عبد الملك السعدي والدكتور أحمد الكبيسي وعلماء المجمع الفقهي وبعض الرموز السياسية والدينية والاجتماعية المناطقية، وهذا الشيء دون أدنى شك كان يمثل تهديدًا صريحًا لشخصيات السلطة في بغداد واتباعهم في تلك المحافظات.

وبديهي كان للمرء أن يتوقع أيضًا أن لاختلاف التوجهات الفكرية والخصومات السياسية -بعثيين، إخوان، سلفيين وعلمانيين- وحتى العداوات الطبقية يمكن لها أن تظهر عبر تقنيات التظاهر – سواء بين المتظاهرين أو قادة التظاهرات أنفسهم- والتي كانت تعكس طبيعة البُنية السياسية التي تغيرت بعد 2003 والحَزازيّات التي نشأت بفعل الصِلات السلطوية.

إن «السلطة الاجتماعية» التي تكونت بفعل التظاهرات كان يمكن لها أن تكون ندًا لسلطة المرجعيات الشيعية، التي تمارس هذا الدور بشكل واضح بعد 2003 في ظل غياب سلطة القانون أو سلطة الدولة، وهذا ما أقلق الجهات غير المنخرطة بالتظاهرات والمعروفة بـ «سنة السلطة» لاعتبارات فئوية ليس إلا.

وما إن دخلت هذه السلطة الاجتماعية «حديثة الولادة» في حوار أو سجال قد يبدو غير معلن مع ممثلي بعض المرجعيات الدينية الشيعية، حتى بدأت أذرع السلطة وميليشياتها بالعدوان، ميليشيات تغتال وتخطف، وإعلام يسخر ويحرض.

استهداف قيادات الحراك السني وشخصياته عن طريق أذرع الأحزاب وميليشياتها في بغداد، شخصيات كانت تمثل روح تلك التظاهرات وصمام أمان في إطار قواعد الاحتجاج السلمي المتزن والسائر في حقل ملغوم بالطائفية، أحرجت الفصيل المعتدل في التظاهرات، وسمح لخرق القواعد أن ينتشر في أوساطها؛ فدخلت داعش على خط التظاهرات وهي التي لا تؤمن في أدبياتها بمبدأ الرأي العام فضلًا عن جدوى التظاهر أصلًا، دخلت بعد أن تم تسهيل إخراجها من سجن أبو غريب في يوليو/ تموز 2013 حينما نفذت القاعدة في حينها هجومها المشهور «هدم الأسوار» الذي أدى إلى هروب قرابة 750 سجين -ليصبح بعضهم فيما بعد وزراء في دولة البغدادي المزعومة- ولتظهر صورة 39 هاربٍ منهم علنـًا بين ملايين المتظاهرين في الشهر الأخير من سَنة التظاهرات، ليجد المالكي المبرر لكبح صوت الاحتجاج تحت غطاء مكافحة الإرهاب.

وبين استهداف قادة الحراك، وتعدد الإهانات لجمهور التظاهرات ومن ثم اعتقال النائب أحمد العلواني، قام المالكي بنسف كل قواعد الاتزان، ومنح لجنون إرهاب التنظيمات التكفيرية والميليشيات الشيعية أن ينتشر، ليصبح جمهور السنة مغلوبًا على أمره يجر خيبات الهزيمة والأمل بطبقته السياسية، ليبيت وهو فاقد الحيلة ينظر بإذعان، وليس أمامه أيّ خيار سوى الهجرة من مناطق الاشتباك والقصف العشوائي التي استخدمت حكومة بغداد في حينها كل أنواع الأسلحة المحرمة التي بحوزتها.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد