سوريا مسرح الحروب في الأرض في مأزقها الذي ألقى بثقله على كاهل قاطنيها، فهم بين مطرقة الغطرسة الداخلية وسندان التغطرس الدولي.

سوريا التي جرت على أرضها مئات المعارك على مر التاريخ، وتم عليها عشرات الانقلابات أيضًا لم ترتضِ لأهلها الثورة الشعبية في مارس «أذار»2011.

تاريخ سوريا معروف للجميع منذ القدم، فقد كانت ميدانـًا تتقابل فيه الإمبراطوريات في معارك كانت كثيرًا ما تقبل القسمة على اثنين ولا ينهزم فيها إلا أهلها الذين يعانون ويلات هذه الحروب، وإذا حسمت مرة لفريق ما؛ لا يبرح في النهب والقتل ومعاقبة السريان.

منذ القدم ولا داعي للسرد نرى التصادم كثيرًا في سوريا ومنطقة الشام ككل، وهذا ما يحدث الآن في مشهد لم ينته بعد.

في الوقت الراهن لم تحسم الثورة السورية لأي طرف بعد؛ فما السبب؟

بكل تجرد هناك أسباب عدة تجعلنا نقف أمام الثورة السورية المختنقة، منها أسباب شرقية وغربية، وأسبابها الشرقية منها الداخلي والخارجي.

فالأسباب الداخلية تتمثل في:

  1. عدم توحد الثوار ولجوؤهم إلى حمل السلاح الذي يطيل عمر الثورات لعقود.
  2. سوء التسويق للثورة بشكل جيد، وهذا بسبب حمل السلاح الذي يظهر الثوار في بروازالعنف فيؤدي إلى شتات التعاطف الدولي في التعاطي مع القضية.
  3. عدم انضمام الجيش للثورة ووضع ولائه تحت أمر بشار لا تحت أمر الشعب الثائر، فمعروف أن الثورات تنجح بثلاثة سيناريوهات، هروب الحاكم أو محاكمته وإعدامه أو انقلاب عسكري، وهو الحل الوسط، ولكن لم يحدث هذا في سوريا.

أما الأسباب الشرقية الخارجية فتوجد في:

  1. عدم توحد دول الجوار والعرب في دعم الثورة أو مقاومتها، نرى مصر والجزائر وإيران مع النظام ضد الثورة حاليًا في المقابل السعودية ودول الخليج وتركيا ضد النظام ومع الثورة.

فهذه التحالفات أحدثت حالة مط دبلوماسي لم ينه الثورة ولو حتى سياسيًا.

  1. تحييد الثورة في نطاق ثيوقراطي مذهبي بين الطائفة السنية «الأغلبية» والطائفة الشيعية «الأقلية» الحاكمة، وهذا يتجلى من خلال القيادات الدبلوماسية للسعودية وإيران وتركيا.

أما الأسباب الغربية فتعود أدراجها إلى الأهمية الإستراتيجية لسوريا وموقعها الجغرافي، ومدى الإلحاح في كسب أكبر كم من المكاسب حتى لو على دماء السوريين، فالقوى العظمى المتصارعة بطريقة غير مباشرة في المسرح السوري لا تجد غضاضةً أو استنكافًا من أن تأكل على كل الموائد، فهذه الانتهازية أمر مسلم به.

نرجع إلى النصف الثاني لعام 2013 عندما أعلن الرئيس الأمريكي أوباما ضرب سوريا بدعم خليجي وإدانة إيرانية وتأهب الجميع، لكن تراجع أوباما تخوفـًا من أن يسقط في المستنقع السوري ويورط بلده في حرب سيكون فيها كيماوي بشار أقوى من النار الأمريكي.

في سبتمبر 2015 أعلن الرئيس الروسي الدخول فى المعركة السورية دعمًا لبشار، لكن لا شيء يقدم مجانـًا في القتال، فالمصالح فوق كل شيء؛ فروسيا التي تدعم بشار سياسيًّا ولوجستيًّا ودبلوماسيًّا وعسكريًّا لها مبررات لكل خطوة تقوم بها، منها:

  1. يريد بوتين أن يبعث رسالة أنه ليس بانهيار الاتحاد السوفيتي قد انهارت الحرب الباردة، بل ما تزال تتنفس وتستقوي؛ فروسيا ما تزال عتيدة.
  2. القاعدة العسكرية في سوريا هي الوحيدة على البحر المتوسط التي تلوح في وجة أوروبا بالوجود الروسي بالقرب منها بحريًا.
  3. وجود سوق رائجة لشراء السلاح الروسي بعد الأزمة الاقتصادية بها؛ فالنظام السوري ينفق جل أمواله في شراء السلاح الروسي.

ومن الناحية الأخرى الولايات المتحدة وأوروبا يعلمان أن الحرب الباردة تستقوي في فراشها، وتستعد للتجوال مرة أخرى فيحاربون نظام الأسد ومن خلفه روسيا من خلال دعم المقاومة المسلحة والجيش الحر سياسيًا ولوجستيًا.

  1. الطرفان قطبا الحرب الباردة قد اتفقا على القضاء على الحركات الإسلامية؛ فمد الحرب في سوريا سينهك الحركات الجهادية السنية الصاعدة وحزب الله معًا من خلال تطويل أجل الحرب والتصادم المستمر بينهم.
  2. الكل يعلم أن الوريث الشرعي لحكم الأسد سيكون غالبًا من اليمين الإسلامي الذي يتخوف منه الغرب، مع غياب واضح لحركات اليسار، فمتى ظهر بطل يساري غالبًا ما سيلقون الكرة في ملعبه، خاصة أن انقلاب عسكري حاليًا لن يجد له جدوى في ظل الوضع المتردي.

أخيرًا يمكن القول إن الثورة السورية لم تعد ملك الشعب السوري وحده ليتخذ قرارًا فيها، بل أضحت أزمة عالمية لن تنتهي في وقت قريب بسيناريو لا يمكن التكهن به، ليبيت الشعب الثائر تحت سحاب الدخان وحر الشمس نهارًا وحر النار ليلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد