التجربة الشيشانية ؟!!

إن التجربة الشيشانية مفيدة لأنها تخبركم أن الروس زودوا المعارضين لجوهر دوداييف بالسلاح والمال والمرتزقة من أجل القيام بانقلاب ضده بعد إعلانه الاستقلال، وقد حاولت تلك القوات العميلة القيام بانقلاب ضد دوداييف مرتين كانت إحداهما  بعد أن قامت قوات حرس الحدود والطيران، بإنشاء حصار عسكري للشيشان، وبدأت الطائرات الروسية العمليات القتالية فوق الشيشان، قوى المعارضة لدوداييف والموالية لموسكو على حساب شعبها، والتي انضمت إليها القوات الروسية، بدأت هجومًا منظمًا وسريًا فاشلاً على غروزني في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 1994، وتلتها معركة غروزني (نوفمبر 1994).

وعلى الرغم من الدعم الروسي، سواء المحاولة الأولى أو الثانية لم تكلل بالنجاح، في خطوة مثلت وقتها إحراجًا كبيرًا للكرملين، وهذا يعني أن  ثورة الحرية التي قادها دوداييف مرفوضة خصوصًا عندما يكون القائد رجلاً مثل دوداييف يضع مصلحة بلاده قبل كل شيء وليس رجلاً قابلاً للتنازل من أجل “الكرسي المزيف” أو تمكين المحتل من بلاده بستار شرعي مزيف يسمى رئيس، وهو ما أدى إلى اغتياله في النهاية  بتعاون أمريكي روسي بعد أن أدركت أمريكا أنها راهنت على الشخص الخطأ لأن دوداييف لم يكن خاضعًا لها بل كان يبحث من خلالها (عن مكاسب تدعم قضيته وهي استقلال الشيشان).

وهو ما يعني أن الدول الكبرى مصالحها وعقيدتها لن تسمح بظهور عقيدة أو أيديولوجية معاندة لتطلعات تلك الدول، ولا يمكن أن يمر علينا تصريح بعض الدول الأوروبية وقت الاحتلال “المجازري” الصربي للبوسنة بأن ما يحدث في البوسنة هو إعادة مقبولة لأوروبا مسيحية من جديد وهو ما فعل مع الشيشان ويتكرر مع سوريا اليوم والضحية الثابتة هم المسلمون “السنة” ولو قال بعضهم أن هذه صدفة أن يكون الضحية في تركستان والبوسنة وكوسفا والشيشان هم مسلمون سنة.  نقول:  تكرار الصدفة يعني أنها ليست صدفة بل خطة ومنهجًا.

كذا تخبركم التجربة الشيشانية أن الذي قاد الحرب الثانية ضد الشيشانيين والتي كانت سببًا في صعوده من بعد رئيس بعد أن كان وقتها رئيسًا للوزراء هو المجرم فلاديمير بوتن الذي انتهكت قواته أعراض الشيشانيات حتى إنه كان على  المرأة أن تدفع حوالي (10 دولارات) لتفادي اغتصاب بناتها على حواجز التفتيش الروسية، كما كان يؤخذ الرجال من سن 15 حتى 65 إلى معسكرات الاعتقال أو يختفون، بل قامت روسيا بإغلاق معسكرات اللاجئين ومنع بناء المزيد في انجوشيا، وإجبار اللاجئين على العودة ليعيشوا على حافة المجاعة.

فلا تتفاجأ اليوم فها قد عرفت شيئًا من تاريخ من يقود حرب التجويع والقصف وتعذيب الرضع واغتصاب النساء أمام محارمهم  والشبح والتفنن في أساليب التعذيب مثل ترك الجروح الناتجة عن الضرب دون علاج أو حتى غسل  حتى تخرج منها الديدان الفطرية وصاحبها  حي،  كما شهد بذلك بعض من خرجوا في صفقات التبادل ولا ترجوا من هذا النظام وداعميه خيرًا أبدًا.

وتخبرك التجربة الشيشانية أن الروس روجوا إعلاميًا عن الإرهاب الشيشاني رغم أن الإرهاب الحقيقي والوحيد في الشيشان كانت تقوم به القوات الروسية ولك أن تقرأ عن جرائم الحرب ضد الشيشانيين العزل رجالاً ونساءً وأطفالاً في تقارير كتلك التي كتبتها الصحفية الروسية  آنا بوليتكوفسكايا  التي اغتيلت من بعد في أكتوبر عام 2006 بعد أن فضحت أفعال الروس وبوتن داخل الشيشان  في الحرب الثانية أو من كتاب الحزب القذرة الذي تحدثت فيه الصحفية الشجاعة ووثقت فيه جرائم بني جلدتها “الروس” ضد شعب هتف “حرية”.

وفي التجربة الشيشانية تجد أنه لما عجز الروس عن احتلال الشيشان رغم قتلهم الآلاف وتدمير البلاد تدميرًا ممنهجًا قاسيًا، ورغم حفلات التعذيب والاختفاء القسري للآلاف والاغتصاب ورغم الحصار والجوع وأطنان الأسلحة التي أفرغت في أرض الشيشان قام الروس بتسليم قيادة الشيشان إلى رجل موال لهم من داخل الشيشان هو أحمد حجي قاديروف الذي يخلفه اليوم ولده رمضان هناك والذي يفعل بالشيشانيين الأفاعيل (كما في شهادة عمر إسرائيلوف – المرافق الشخصي لقاديروف –  الذي اغتيل في النمسا بعد فراره من الشيشان) وقاديروف مثل أبيه موال للروس حد العشق، فيقول رمضان في إحدى تصريحاته: إنني مخلص تمامًا للرئيس فلاديمير بوتن ومستعد لمقاومة أعداء روسيا حتى آخر يوم من حياتي، ويتخذ رمضان (بعض التطرف الناشئ في الجهاد الشيشاني) ذريعة لتصفية الجميع من حمل السلاح ضد خيانته وأفعاله القذرة ومن لم يحمل كذلك فلابد أن تخرس كل الألسنة حتى تبقى الشيشان في قبضة الروس.

كما تعلل أبوه ” أحمد” من قبل  بدخول خطاب وشامل إلى داغستان  ليبرر خيانته وهو نفسه الأمر الذي اتخذته روسيا كذريعة تبرر حربها الثانية ضد جمهورية الشيشان في 26  أغسطس 1999  رغم أن خطاب شرح سبب دخولهم داغستان بنفسه وهو شرح يمكن مطالعته في هذا الفيديو:

https://www.youtube.com/watch?v=awt0PNJiYdo

 

قاديروف “الأب” الذي رفض تعامل يندرباييف مع القائد “خطاب” وزملائه ووصف قاديروف خطابًا بالمتطرف رغم  أن خطابًا لم يكن متطرفـًا وكان متفاهمًا مع جوهر دوداييف من قبل، بل رفض التعامل مع أسامة بن لادن وفق شهادة مطلعة، ولم يتعامل في الشيشان بطريقة القاعدة أو غيرها، لكن قاديروف الأب تعلل بهذا لتبرير الخيانة تمامًا كما يفعل ابنه رمضان اليوم  تمامًا كما يتعلل بشار مثلما تعلل أبوه حافظ والطرف المساند لهم جميعًا كان الروس.

والتجربة الشيشانية غنية ومكررة  فتخبركم أن المحتل “الداخلي أو الخارجي” لا يمكنه هزيمة  المقاومين طالما يجمعهم هدف واحد حتى لو كانت نسبة الالتقاء حول تطبيقه هي 70% لكن هذه المقاومة ستشتت وتضعف ويبدأ المحتل في أكل ثمار النصر لما تجتمع كل مجموعة من المقاومين على هدف خاص أو تطبيق لا يتفق على تفاصيله الجميع وإن اتفقوا على مجمله، أو لما يظن بعضهم أنه قادر على أكل الجميع والنصر منفردًا  يبدأ الكسر الذي يعيق التقدم الكسر الذي دائمًا ما  يحتاج إلى وقت أكبر بكثير من الوقت الذي كسر فيه كي يجبر، والحقيقة التي لابد ألا تغيب عن الجميع هي:  أنهم جميعًا خصوم للمحتل وأن المحتل يكرههم جميعًا.

وأنه أيضًا وقت العوز والحاجة يجب البحث عن حليف أو مجير شهم وإن لم نجد فلابد من التفاوض مع الحليف “المصالحي” بما يخدم أهدافنا المتفق عليها ويحقق جزءًا من أهدافه المرجوة مع بعض التنازل المقبول ويجب ونحن نتحاور أو نستفهم حول هذا أن نسأل بعض الأسئلة:

هل التمويل من جهة ما دليل على العمالة لها أم دليل على الحاجة إلى التمويل والنصرة ممن يقبل بهذا وفق شروط مشتركة بيننا لا أتنازل فيها على ما أنا عليه من الحق؟!

وهل التفاوض دليل على الخيانة أم أن التفاوض يمكن أن يحدث عند الإمساك بأوراق الضغط المطلوبة عند التفاوض؟ مع الأخذ في الاعتبار أنه ليس كل شيء يمكن التفاوض حوله أو المساومة عليه؟!

وهل الاجتهاد مقبول فقط في الفقه أم أنه مقبول أيضًا في الجهاد والسياسة عند منازلة العدو وتشمله قاعدة (الأجرين والأجر).

مواضيع يجب أن تطرح شرعًا من نصوص كصلح الحديبية وكطلب رسول الله الإجارة من بعض المشركين حتى وافق منهم المطعم بن عدي وفعل خالد في مؤتة ومن تاريخ الجهاد والنضال السياسي والعسكري وعقلاً وفق المعطيات على الأرض وما تم تحقيقه وإنجازه وما نرجوه.

وتخبرك التجربة الشيشانية أن الحليف قد لا يبقى حليف للأبد فلابد من وضع هذا في الحسبان دائمًا فحليفك في مرحلة ما قد يتحالف مع العدو الذي تحاربه  كما فعل العثمانيين مع الإمام منصور في حربه ضد القياصرة الروس، وكما فعل الأمريكان مع الرئيس جوهر دوداييف وكما حدث مع البوسنة وقت الغزو الصربي، وما يحدث معكم اليوم بوضوح لا لبس فيه فتنبهوا ورصوا صفوفكم كلها رغم الخلاف المنهجي للبعض؛ فالطوفان لا يعرف التمييز وقت الهجوم، وكذا النصر “الواعي المنظم” سيضمن لكم حياة تقبلكم جميعًا أساسها الشراكة والعدل والرحمة واتعظوا بتجارب الأفغان والشيشان ومصر يوم أن ظن كل فريق أنه قادر على النصر “الخؤون” منفردًا فتهافتوا جميعهم يقدموا القرابين لمن كان بالأمس القريب عصًا في يد النظام فكان ما كان.

ومن رسم النصر في ذهنه نصرًا يتبعه قصم المخالف والظهور عليه  بالقوة  لن يأتيه النصر إلا على مقاسه ونيته أو نصر مزيف سرعان ما سينقلب عليه وأن الأيام دول وقطع الدابر أسرع من بقاء الأثر.

وتخبرك التجربة الشيشانية أن كل الأوراق التي تمكنني من رقبة عدوي والنصر عليه مطروحة وأن المضطر يأكل الميتة وأنه وقت قصف المدافع لا يمكن أن نهتف سلمية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد