نتيجة لنشري مقالة حول «قصتي من سجن الإلحاد إلى حرية الإيمان» على موقع ساسة بوست؛ تلقيت دعوة كريمة من الإخوة القائمين على برنامج «بالقرآن اهتديت» للمشاركة فيه. هو برنامج تلفزيوني شهير يحظى بمعدلات عالية من المشاهدة، يقدمه الشيخ فهد الكندري، ويتم إنتاجه بالتعاون ما بين شركة فور فريم للخدمات الإعلامية وموقع نون للقرآن وعلومه. سيتم عرض البرنامج الذي يتم إنتاج الجزء الثالث منه حاليًا على العديد من القنوات، مثل قناة المجد والرأي الكويتية وقطر، في شهر رمضان المبارك، ويمكن مشاهدة حلقات الجزء الأول والثاني منه على موقع اليوتيوب.

عمل البرنامج في الجزأين السابقين على استعراض قصص مؤثرة حول أناس كانوا قد اعتنقوا الإسلام من مختلف أنحاء العالم، كاليابان وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا والسويد وبريطانيا وأمريكا وبلجيكا… إلخ، وسيتضمن هذا العام، إضافة إلى قصص جديدة من بلدان مختلفة في مقدمتها البرازيل، بعض القصص عن بعض العرب والمسلمين الذين عادوا إلى الإسلام بعد فترة من التخبط والضياع، كما هي حالتي.

سعدت وكنت ممتنـًا لمشاركتي في البرنامج، فلعلها تكون فرصة تدفع بعض الإخوة الذين يمرون بما مررت به في شبابي للتوقف ومراجعة النفس، وقد جاءت مشاركتي في الأساس لإحساسي بالشفقة والرثاء لكثير من شباب المسلمين، الذين تستحوذ عليهم شياطين الجن والإنس، وتسول لهم أنفسهم الأمارة بالسوء وعقولهم المغترة أنهم على شيء، وأنهم ينطلقون من منطلقات عقلية وفكرية متقدمة ورصينة تبرر لهم الإلحاد!

تكمن أهمية البرنامج في أنه يلقي الضوء على تجارب بشرية حقيقية وعميقة لأناس عايشوا مخاضات وصراعات فكرية محتدمة في سياق بحثهم عن الحق؛ فمعظمهم لم يأت إلى الإسلام لأسباب عاطفية فقط كما يحدث عند اعتناق أي دين خلافـًا للإسلام، وإنما وجدوا أنفسهم لا يملكون بدًا من اعتناقه بعد كثير من المقاومة، وبعد أن أخضعوه لبحث عقلاني طويل مستفيض.

حسب تجربتي المتواضعة، أستطيع أن أؤكد لكم أنني عدت إلى دين الحق رغم أنفي، بعد أن حاصرتني الأدلة القاطعة الحاسمة التي لا مجال لتجاهلها والتملص من الإقرار بصحتها؛ فأنا كائن كرس حياته للعلم والمعرفة والبحث منذ أكثر من ربع قرن، والواقع أن الشيء الوحيد الذي أفعله، بوصفي من معاشر الأكاديميين، أو أحسن فعله في حياتي، بالإضافة إلى طبخ بعض الأطباق التي تجلب المغص، هو البحث العلمي، ولذلك قد تكون تجربتي مفيدة لبعض الشباب، فهي تقدم لهم زبدة ما خلصت إليه في حياتي بعد رحلة فكرية مضنية، وتكفيهم مؤونة إضاعة أعمارهم فيما أفنيت سنوات طويلة من عمري من أجل الوصول إليه؛ فالعاقل من اتعظ بغيره، وبائس من يتجاهل تجارب الآخرين ويصر على البدء من الصفر، وكأنه يريد اختراع الكهرباء بنفسه من جديد!

ما أحزنني في رحلة المشاركة بالبرنامج أنهم لم يقدموا لي الأطعمة الشرقية التي كنت أحلم بالتهامها منذ سنوات بسبب غربتي في المنفى، وعلى رأسها الكوارع والمحاشي! لذلك لا أدري إذا كنت سأستطيع مسامحة القائمين على البرنامج لذلك، ولولا وجبة شهية من الحمص والفول والفلافل تكرموا بدعوتي إليها، وخففت قليلًا من إحساسي المزمن بالحرمان الغذائي، لردحت لهم وجرستهم ورفعت عليهم قضية مطنطنة وجرجرتهم في المحاكم الدولية!

أرجو أن تتاح لكم الفرصة لمشاهدة البرنامج للتمسي بطلعتي البهية والاستفادة من تجربتي القاسية! وأرجو من القائمين عليه أن يفكروا في تطويره ورفده ببرامج أكثر عمقـًا، فاجتذاب الناس إلى اعتناق الإسلام أو العودة إليه هو أمر مهم حتمًا، ولكن الأمر الذي لا يقل أهمية عن ذلك هو توعية الملايين ممن يعتبرون أنفسهم من المسلمين، وإرشادهم إلى كيفية العودة إلى صحيح الإسلام، بدلًا من تيههم في أجواء الجاهلية واتباعهم لدين مشوه لا يمت إلى الإسلام الحقيقي بصلة وثيقة، في الوقت الذي يظنون فيه أنهم على الحق وأنهم يحسنون صنعًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد