وضع مزرٍ

للوهلة الأولى يبدو العنوان صادمًا إلى حد كبير، ولكن تعالوا بنا خلال المقال نراجع وندقق النظر لنرى إن كان التعليم الذي تتلقاه الأجيال الآن في بلادنا يُخرج منتوجا كما أردنا تحقيقه من خلاله أم لا.

على عكس المتوقع فلن أتحدث عن الواقع في مدارسنا وجامعاتنا فهو من الشهرة بمكان، بحيث لا يجعلنا نخوض في تفاصيله وهي واضحة جلية من خلال ما نعايشه، فلا يكاد يخلو بيت من البيوتات من طالب أو طالبة في مرحلة من المراحل، يرى الأبوان من خلالهما كيف هو نظامنا التعليمي، وهو يحرق الطلاب في أتونه.

ولعل المقولة المشهورة «التاريخ يكرر نفسه أحيانا» صادقة في جانب منها، ولكنه يتكرر مع اختلاف الأمكنة والأزمنة والمجتمعات التي تتكرر فيها هذه المراحل والظواهر، والذكي الكيّس من يستفيد من هذه الأخطاء التي وقع فيها غيره ولا يكرر هو نفس التجربة ونفس الخطأ، وإلا فنحن بلغنا شوطا بعيدا في الغباء، اللهم إلا لو كنا نفعله عن قصد وهذه خيانة كبيرة لا تغتفر، وهذا ما أود قوله إذ أننا لسنا أول أمة من الأمم قد عانت من ضعف نظامها التعليمي ولن نكون آخر أمة، ولن يضيرنا أن نتعلم من أخطاء الآخرين بما يعود علينا بالنفع في أنظمتنا ومنها نظامنا التعليمي بما يتناسب مع مبادئنا وأفكارنا.

في كتابه «سيكولوجية الجماهير» للمفكر الكبير غوستاف لوبون كان يتحدث في أحد فصوله عن التعليم والتربية كأحد العوامل المؤثرة في عقائد الجماهير، حيث ناقش ما مرت به الأمة الفرنسية في نظامها التعليمي آنذاك منذ مائتي عام تقريبا، ولقرب التفاصيل التى لا تكاد تختلف فقد ارتأيت أن أنقلها لعلها تنبه غافلا أو تبث أملا أو تقدم دليلا.

بدأ غوستاف لوبون حديثه عن أهمية التعليم في حياة البشر وتحسين أوضاعهم وإصلاحها، وكذلك جعلهم متساوين، ولكن بالنظر والبحث يتضح أن هناك تناقضا كبيرا على أرض الواقع فيما يخص هذه النقطة والتجربة إذ أنه كان يمكن إثبات عكس ذلك، فيقول غ.ل: «فالفلاسفة العديدون وخصوصا هيربيرت سبنسر كانوا يستطيعون البرهنة بسهولة على أن التعليم لا يجعل الإنسان، لا أكثر أخلاقية ولا أكثر سعادة، وأنه لا يغير غرائزه وأهواءه الوراثية، وإذا ما طُبق بشكل سيء فإنه يصبح ضارا أكثر مما هو نافع».

وقد استشهد لوبون بما قاله علماء الإحصاء فقالوا: إن الجريمة تتزايد مع تعميم ظاهرة التعليم، وكما برهنوا لنا على أن أكبر أعداء المجتمع، أي الفوضويين، يجنّدون غالبا في صفوفهم الفائزين الأوائل في المدارس، وقد لاحظ أحد القضاة المرموقين السيد أدولف غيلر أننا نعد ثلاثة آلاف مجرم متعلم مقابل ألف مجرم أُميّ، وقال بأن الجريمة زادت خلال خمسين عاما من مائتين وسبعة وعشرين مقابل كل مائة ألف إلى خمسمائة واثنين وخمسين مقابل نفس العدد! أي أن الزيادة كانت بنسبة 133% .

وبمتابعة سريعة لحالتنا المصرية فسنجد أننا نحتل المراكز الأخيرة تقريبا بين مصاف الدول، وفيما يخص مقالنا ففي المجال العلمي تربعت مصر على عرش المركز الأخير في جودة إدارة المدارس والمرتبة الـ136 من بين 144 دولة في جودة التعليم، وعلى جانب آخر فقد احتلت مصر المركز 127 في معدل انتشار الجريمة، ولا غرو، فالارتباط بين التعليم وباقي المجالات واضح جليّ.

بالعودة إلى لوبون حيث يستدرك قائلا بأن التعليم الجيد لا بد أن يفضي إلى نتائج مفيدة، وإذا كان لا يرفع مستوى الأخلاقية لدى الشخص فإنه على الأقل يتيح له تطوير قدراته المهنية، ويتأسف على أن الشعوب اللاتينية لم تؤسس نظامها التعليمي على أسس ومبادئ جيدة، وبالرغم من كل محاولات الإصلاح التي نادى بها المفكرون فإنهم يصرون على خطئهم، وأن التعليم الحالي لا يقدم شيئا إلا أعداء للمجتمع بعد تحولهم في مفرخة التعليم.

يتجه لوبون بعد ذلك لبحث الأسباب والأخطاء التي وقعت فيها هذه الدول، ومفاد الأمر أنها مرتكزة على خطأ نفسي أساسه أن استذكار الكتب المدرسية يطور الذكاء، لذلك يجتهد الطلاب في تعلمهم أكبر قدر من المعلومات واختزانها -منذ المرحلة الأولى حتى نهاية دراسته بل وحتى حصوله على الدكتوراه- دون إعمالهم عقولهم وإبداء آرائهم، ويستشهد بمقولة جولي سيمون وكان وزيرا سابقا للتعليم «إن تعلم الدروس وحفظ القواعد أو المختصرات عن ظهر قلب يشكل ثقافة مسلية، وهي لا تؤدي في النهاية إلا إلى خفض مستوانا».

ثم يستطرد أن هذا التعليم عديم الجدوى القائم على الحفظ والاستذكار ليست هذه سلبياته فحسب، ولكن أيضا يعمل على اختصار المستقبل لدى الأطفال والشباب في وظيفة معينة يحلم بها ويسعى لتحقيقها من وظائف عامة، حيث لا يتطلب النجاح جهدا أو مبادرة ذاتية، من هذا نستطيع فهم المنتج التعليمي الذي خرّجته الدولة من مدارسها وجامعاتها بواسطة تلك الكتب البائسة من أعداد كبيرة للطلاب لا تستطيع الدولة توظيفهم إلا قليلا وتترك الآخرين بلا عمل، ثم تقتنع بأنها تقدم الطعام لمن عينتهم ووفرت لهم الوظائف، وتترك الباقين بلا شيء، ويوضح بأن معظم هؤلاء الخريجين ليسوا مؤهلين للعمل، فالتاجر لا يجد إلا بشق الأنفس وكيلا يستطيع تمثيله والنيابة عنه، ومثال آخر على ذلك حيث إن محافظة «السين» وحدها تحتوي على عشرين ألف معلم ومعلمة بلا عمل، وبما أنهم يحتقرون العمل في الحقول أو المصانع فإنهم يتوجهون بطلباتهم للدولة لكي يعيشوا، وبالطبع لن تقبل الدولة كل هؤلاء، ومن هنا يكون عدد الناقمين عليها كبيرا، وهؤلاء –كما يصفهم- مستعدون لخوض كل الثورات أيا تكن أهدافها أو قادتها، «فاكتساب المعارف التي لا يمكن استخدامها هو الوسيلة المؤكدة لتحويل الإنسان إلى متمرد».

بعد ذلك ينتقل الحديث عن حلول لهذا النظام العقيم لكن بعد فوات الأوان لتدارك الأمر وعكس التيار، ولكن بالتجربة والفشل تتربى الشعوب أو تجعلها تغير من خططها وآلياتها، وكذلك اقتناعهم بضروة تغيير كتبهم المدرسية الغبية ومسابقاتها المحزنة واستبدالها بتعليم مهني وتخصصي، فهو وحده القادر على إعادة النشء إلى الحقول والمصانع، وأورد في معرض حديثه كلام أحد المفكرين «تين» وهو يتحدث عن أهمية التعليم المهني في تطور الذكاء عن التعليم الكلاسيكي حيث يقول تين: «إن الأفكار لا تتشكل إلا في وسطها الطبيعي والعادي، والشيء الذي ينبت براعمها هو الانطباعات الحسية العديدة جدا، والتي يتلقاها الصبي كل يوم في المشغل أو في المنجم، أو في المحكمة أو في المدرسة أو في المستشفى أو في مجموعة الآلات»، وهو هنا يتحدث عن الأشياء الحسية التي يجب أن تبصرها عين التلميذ وتلمسها يده، وحتى يشمها بأنفه وأنه يجب أن يتلقاها من الطبيعة، ويلاحظ أن الطفل الفرنسي محروم من كل هذا التواصل مع الطبيعة، بل وكل العناصر القابلة للتمثيل والهضم، وبدلا من ذلك فهو مسجون لمدة سبع أو ثماني سنوات في المدرسة بعيدا عن التجربة المباشرة أو الشخصية التي كانت ستقدم له الفهم الدقيق للأشياء والبشر ومختلف الأساليب للتعامل معها.

ويصف كيف أن هؤلاء التلاميذ الذين ضاعت سنوات عمرهم هباءً مع أنها السنوات الأهم في حياتهم، وكيف أن هؤلاء التلاميذ الذين نجحوا في الاختبارات قد كلفهم المدرسون فوق ما يطيقون عندما طلبوا منهم ترديد أو حفظ مجموعة من العلوم والمدرسون جالسون على كراسيهم والطلاب واقفون أمام اللوح أوالسبورة لمدة ساعتين ليفعلوا ذلك دونما أي فهم لما يرددون، ولكن وبعد شهر واحد من هذا التاريخ لن يتذكر التلاميذ شيئا من هذا، لأن مكتسباتهم المعرفية عديدة وأكثر مما يجب وثقيلة بما فيه الكفاية لذا فهي تتبخر من عقولهم، فتتدهور قوتهم العقلية والخيال الخصب يجف وينضب، وماذا بعد؟ وما هو الناتج؟

الذي ينتج هو إنسان مصنوع بشكلٍ جاهزٍ يظهر للعيان كإنسان منتهٍ، هذا الإنسان المدجن والمتزوج والمستسلم للدوران في حلقة مفرغة إلى ما لا نهاية ينغلق داخل وظيفته الضيقة وهو يقوم بواجبه كما ينبغي ولكن لا شيء آخر، وهذا هو المردود، وبالتأكيد فالحصيلة الناتجة لا تساوي الثمن المدفوع، بعكس مافي إنجلترا وأمريكا فإن المردود الحاصل مساوٍ للجهد المبذول أو أكبر منه.

هنا يقارن غوستاف لوبون بين نظامهم التعليمي ونظام الأنغلوساكسون، فتعليمهم لا يجيء من الكتب وإنما من الأشياء ذاتها، فالمهندس مثلا يتدرب في المشغل ونادرا في المدرسة، وكل طالب يتوصل بالضبط إلى الدرجة التي يمتلكها عقله ويوجه بناء عليها إلى مايجيده ويفضله ويستطيعه، وهذه هي الطريقة الديمقراطية والمفيدة للمجتمع، فهي أفضل من تلك التي تجعل من مستقبل الفرد ومهنته تعتمد عل مسابقة تدوم لبضع ساعات فقط وتتم في سن الثامنة عشرة أو العشرين، وفي وصف مشابه لما يحدث في بعض بلادنا العربية من امتحان للشهادة الثانوية مثلا.

ويختم المفكر حديثه بتوصله إلى نتيجة مفاداها التفاوت بين نظامهم اللاتيني والحياة العملية، حيث تم التحضير النظري والمدرسي بواسطة الكتب وذلك من أجل الامتحان وفقط، مستخدمين في ذلك أسوأ الوسائل والتي هي ضد الطبيعة وضد المجتمع لأنه يؤجل التدريب العملي باستمرار، وكذلك الإرهاق الذي لايبالي بالمستقبل، أي عندما يبلغ الإنسان سن النضج الذي يمارس فيه مسؤلياته ومهنته، متناسيا ومتغاضيا العالم الحقيقي الذي سيواجهه الشاب، وكذلك المجتمع المحيط به، والذي ينبغي أن يتأقلم معه أو يستسلم له، وعن الصراع البشري الذي ينبغي أن يجهز نفسه له لكي يستطيع أن يدافع عنها ويسلح نفسه ويتدرب على الصعوبات ويصبح قويًّا خشنًا، وعلى العكس من ذلك فبدلا من أن توفره المدارس فإنها تعمل على جعل التلاميذ غير مؤهلين وغير أكْفَاء، وتنزع منهم كل أهلية وكفاءة فيما يخص مستقبله ووظيفته اللاحقة والنهائية.

وبناءً على ذلك وعندما يدخل في معترك الحياة ومسرح العالم ويخطو خطواته العملية الأولى، فإن خطواته لا تكون في غالب الأحيان إلا سلسلة من السقوط المؤلم، يظل يئن تحت وطأتها ويشكو زمنا طويلا بسببها، وأحيانا يظل عاجزا أو مقعدا في البيت ثم يختم فيقول: «فالتعليم الذي يُقدم لشبيبة بلد ما، يتيح لنا أن نستشرف قليلا مصير هذا البلد ومستقبله، وتربية الجيل الحالي تبرر كل التوقعات والمخاوف السوداء، وإن المدرسة تخّرج اليوم الناقمين والفوضويين وتهيئ للشعوب اللاتينية زمن الانحطاط».

بعد هذا العرض يتضح أن ما نحياه في واقعنا التعليمي ليس بجديد ولسنا أول من أُصيب به، وكذلك يمكننا معالجته والخروج من نفقه المظلم إلى آفاق أرحب وأسع بتعليم يليق بمكانة أمتنا وما يُنتظر منها، وأنه يمكننا الاستعانة بما فعلته بعض الدول التي أحست بالخطر فدقت ناقوسه وتحلت بالشجاعة وواجهته في سبيل تطوير تعليمهم والخروج من كبوتها، فاتخذت القرارت اللازمة لمعالجته.

إذن لا بد من قرار سياسي نابع من وطنية حريصة وغيورة، هذا القرار يتضافر مع ما يقدم في سبيل التطوير على كافة المستويات وأيضا يعيد النظر في أهداف وفلسفات التعليم لدينا ومراجعتها وتنقيحها وإعادة صياغتها بما يتلائم مع الواقع العالمي، ولا تكون مجرد قرارات بإصلاحات فرعية لا تقدم ولا تؤخر فيظل الوضع كما هو عليه، اللهم إلا من بعض العمليات التجميلية التي لا تمس الجوهر من قريب ولا من بعيد فنعود أسوأ مما كنا عليه.

وبالرغم من بعض الدول العربية التي تهتم فعلا وواقعا بالتعليم وتنفق عليه بسخاء لتضع نفسها في مصاف الدول المتقدمة، فإنه ما زالت هناك من العوائق التي تحول دون الوصول لغايتها وتحقيق ما تصبو إليه، فتجد انفاقها على المباني والمراكز والملاعب إلى غير ذلك من هيكل العملية التعليمية دون الولوج إلى الجوهر، فبقيت المذاكرة والحفظ والتلقين وإن كانت بصورة أقل من نظائرها في الدول الآخرى، فمايزال التلاميذ يجتهدون من أجل الاختبارات وفقط وما زالت الكتب التعليمية بها من الحشو والثقل إلى غير ذلك من بقايا وآثار، لذا لا بد من متابعة ومراجعة لكل خطوة حتى لا يؤثر الترهل الإداري وغيره من الأسباب على تعطيل المسيرة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعليم
عرض التعليقات
تحميل المزيد