رغم وقوع مصر تحت وطأة الاحتلال البريطاني عام 1882م، لكن تبعيتها للدولة العثمانية ظلت حجر عثرة أمام بريطانيا الراغبة في القضاء عليها. كانت البداية عندما رغبت الدولة العثمانية في استعادة سيناء لتصبح تحت إدارتها المباشرة،(1) ولكن ما الدافع وراء ذلكǃ فقد ظلت سيناء والقلاع (المويلح – ضبا – الوجه) الواقعة علي الساحل الشرقي للبحر الأحمر تابعة للإدارة المصرية، كما لم تحتج الدولة العثمانية على مراكز الحراسة التي أقامها مُحمد علي (1805- 1841م) بهدف تأمين طريق الحج البري، بل ومع افتتاح الطريق البحري حيث قناة السويس عام 1869م الذي بات بديل طريق الحج البري، لم تُقْدم الدولة العثمانية على سلخ سيناء وقلاعها من الإدارة المصرية سوى في عام 1887م؛ حيث تم انتزاع قلعة الوجه، وسرعان ما لحقت بها قلعتا ضبا والمويلح عام 1891م ثم العقبة عام 1892م التي تم ضمها إلى ولاية الحجاز، لقد كانت الدولة العثمانية على دراية كاملة من كون سيناء امتدادًا طبيعيًّا لمصر تعجز عن فرض سيطرتها عليه؛ لذا لم تسعَ لتفعيل ما جاء في فرمان يونيو عام 1841م الذي كان بمثابة إقرار بدور مصر الذي تمارسه في سيناء سواء كانت تابعة للإدارة المصرية أو تابعة لولاية الحجاز، حيث أصبحت الحدود المصرية الشرقية تمتد من رفح إلى رأس خليج العقبة؛ ليصبح هناك تطورات دفعت الدولة العثمانية إلى سلخ سيناء عن مصر.

لقد شكلت سيناء هدفًا استراتيجيًّا للقوى الكبرى بقيادة بريطانيا، التي تخلت عن سياستها الداعمة لبقاء الدولة العثمانية، تلك السياسة التي أسسها وزير خارجيتها اللورد بالمرستون Palmerston خلال القرن التاسع عشر الميلادي؛ لذا نجدها تُوفد البعثات إلى سيناء؛ فكانت بعثة بالمر (1840- 1882م) وهو من أبرز المستشرقين والعملاء الإنجليز، وقد جاء على رأس رحلة استكشافية شارك فيها رئيس سلاح المدفعية هنري جيمس H.James إلى جانب الكابتن تشارلز ولسن Wilson من سلاح المهندسين الملكي، وهي رحلات كانت تابعة لهيئة استكشاف فلسطين بهدف اكتشاف الارتباط بين التاريخ والجغرافيا المقدسة، توجه بالمر علي رأس البعثة لمسح المنطقة ومعرفة عادات البدو وأعرافهم (2) عام 1856م، وقد عاد لاكتشاف سيناء مرة أخرى عام 1870م، لا سيما الجزء الشمالي الشرقي منها، حيث بات لديه معرفة بطبيعة المنطقة، وهو ما دفع بريطانيا للاستفاده مما لديه عام 1882م فوفق ما تحدث عنه صديقه وولتر بيزنت W.Besant، حيث تم تكليفه بتقليب القبائل البدوية ضد عرابي والجيش المصري، إلى جانب العمل على فصلهم عن القضية المصرية، ليعود إلى سيناء عام 1882م دون رجعة، حيث لقي حتفه على يد عدد من البدو في وادي سُدْر (جنوب غرب سيناء) في 20 أغسطس عام 1882م؛ مما يعكس مدى أهمية سيناء وفي ظل احتلال مصر ورفض بريطانيا (السلطة الفعلية الحاكمة لمصر) الجلاء عنها اعتلت مكانة بارزة، لكنها لم تكن القوة الوحيدة الرامية للسيطرة على سيناء، فقد سعى اليهود الباحثون عن موطن لهم إلى استغلال التعاطف البريطاني بهدف الوصول إلى سيناء، إذ كانت البداية مع الألماني بول فريدمان P.Friedman عندما وفد إلى مصر عام 1890م وتقدم لسلطة الاحتلال بطلب الهجرة إلى ساحل خليج العقبة وقد كان.

ليأتي في العام التالي وبصحبته عشرون يهوديًّا من الألمان والروس، حيث قاموا بشراء أرضٍ في المويلح (تقع على الساحل الشرقي للبحر الأحمر)، فكانت محاولة حثيثة لخلق مستعمرة في سيناء بوابة فلسطين الشرقية، حيث أطلق عليها هرتزل (1860- 1904م) «فلسطين المصرية»، وقد أفضى سوء معاملتهم لأهالي المنطقة إلى طردهم. لكنها لم تكن النهاية، حيث سعى هرتزل لاستغلال التعاطف البريطاني الذي جاء عقب اجتماعه مع ناثان روتشيلد (1777- 1836م)، حيث تمثل في اقتراح تشكيل بعثة فنية لدراسة مدى صلاحية المنطقة (سيناء) لتوطين اليهود بها، وقد بدأت المفاوضات التي جمعت اللورد كرومر مع ممثل هرتزل الذي جاء إلى مصر، وهو الصحفي ليبولد جرينبرج Leopold-Greenberg ومثل بطرس باشا (1846- 1910م) الجانب المصري في 3 فبراير عام 1903م، وقد جاء تقرير اللجنة مظهرًا قلة موارد المنطقة التي سيتم استغلالها، وذكر التقرير كذلك تأسيس ميناء شرق بورسعيد تحديدًا عند بحيرة البردويل (سيربونيان Serbonian-lake)، إلى جانب العمل على توصيل مياه النيل إلى سيناء عبر سحارات تمر أسفل قناة السويس، مع حفر قناة تربط البحر المتوسط بخليج العقبة ليصبح الطريق ممهدًا إلى فلسطين، وهو التقرير الذي لم يحظَ بقبول الجانب المصري، حيث أعلن بطرس باشا التزام مصر بتبعيتها للدولة العثمانية، كما أعلن كرومر رفضه؛ فاحتياج المشروع اليهودي لنفقات باهظة، إلى جانب نقل مياه النيل يكفي لاندلاع ثورة عامة تُطيح بمركز بريطانيا في مصر.

وفي ضوء ما تقدم وما صاحبه من تقارب جمع بين الدولة العثمانية وألمانيا التي سعت لاستغلالها على كافة الأصعدة، فانطلاقًا من السياسة التي تبعتها ألمانيا، وهي سياسة الاتجاه نحو الشرق Drang-Nach-Osten؛ تزايد حجم التبادل التجاري، كما تولت ألمانيا إعداد أسلحة وتدريبات القوات العثمانية من خلال البعثات العسكرية (3) التي ترأسها فون درجولتس van-der-Goltz وهو من أقدم وأكفأ القادة العسكريين الألمان، إلى جانب ذلك تولت وضع الخطط التعليمية للمعاهد العسكرية داخل الدولة العثمانية على مدار ثلاثة عشر عامًا، كما قام الإمبراطور الألماني ﭬيلهلم الثاني (1859- 1941م) بزيارة الدولة العثمانية حيث أعلن نفسه صديقًا وحاميًا للمسلمين، كما أطلق على نفسه لقب الحاج وليم مُبديًا دعمه الكامل لحركة الجامعة الإسلامية، ولا يمكن تجاهل الدور الألماني في إنشاء خط حديد بغداد عام 1898م ثم خط حديد الأناضول عام 1900م، حيث تولى البنك الألماني DeuischeBank دعمه، وكذلك سكة حديد الحجاز الذي وجدته بريطانيا محاولة لدعم التواجد العثماني في الجزيرة العربية حيث سيُشكل أهمية كبرى للدولة العلية، إذ سيُسهل من عملية نقل الجنود وإمدادهم بالمعدات، وبالتالي ستصبح الدولة قادرة على نشر قواتها على (4) الحدود الشرقية والغربية حال اندلاع الحرب، إلى جانب أن امتداد خط سكة حديد الحجاز من دمشق إلى معان الواقعة على بعد 210 كم من العقبة يُمكن ألمانيا من الوصول إلى اليمن، ومن ثَمَّ تهديد التواجد البريطاني في مصر (قناة السويس) وعدن وكذلك الطريق المؤدية لدُرة مستعمراتها الهند؛ مما يجعل هناك رغبة ألمانية لاستعادة الدولة العثمانية سيطرتها المباشرة على سيناء خدمة لمصالحها الاستراتيجية.

لقد سعت الدولة العثمانية إلى إثبات تواجدها في سيناء حيث رمت إلى ربط الولايات العثمانية عبر مد خط سكة حديد يربط بين بئر السبع إلى القسيمة الواقعة داخل حدود مصر الشرقية، مع مد خط مياه من الشلالة (بئر السبع) إلى المغارة في وسط سيناء، إلى جانب السيطرة على مصادر المياه في غرب سيناء وإحكام سيطرتها على طريق الحج (طريق غزة) من غزة إلى العقبة (5). ففي ضوء تلك التطورات حيث احتدم الصراع بين بريطانيا وألمانيا، الذي باتت الدولة العثمانية محوره ارتكزت السياسة البريطانية على شقين؛ الأول تجلى في الحفاظ على سيناء كمنطقة عازلة تحت الإدارة المصرية بهدف حماية القناة، أما عن الشق الثاني؛ فتمثل في تأمين خليج العقبة من الاستخدام من قِبل أية دولة من شأنها تهديد الطرق المؤدية لمستعمراتها في الهند، وفي ظل احتلالها لمصر ستصبح بريطانيا هي الممثل المصري أمام الدولة العثمانية؛ مما يُنذر بوجود أزمة باتت بوادرها تلوح في الأفق، تجلت مع وصول الخديو ي عباس حلمي (1892- 1914م) لسُدة الحكم.

خريطة توضح حدود الدولة العثمانية ومصر عام 1839م

____________________________________________________________________________________

1) ألفت خشاب، تاريخ تطور حدود مصر (1892-1988م)، (القاهرة: دار الشروق، 2008م)، ص 114-120.

2) آية الله أحمد عبد المنعم، العلاقات المصرية العثمانية (1881- 1923م)، (رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، 2016م)، ص97- 100.

3) إبراهيم حسن، البحر الأحمر في الحرب العالمية الأولى (1914- 1918م)، (القاهرة: مركز عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1998م)، ط1، ص 45- 50.

4) آية الله أحمد، مرجع سابق، ص 101- 103.

5) Haim Srebro, the Definition of the Israeli International in The Vicinity of Eilat, (Institution: Survey of Israel, 2009),pp.3-5.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد