(1)

في نهاية شهر سبتمبر 2015 أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي عن تقريره السنوي للتنافسية الدولية، والذي يكشف عن قدرة الدولة على الاستفادة من مصادرها الداخلية المتاحة لتحقيق أعلى معدل تنمية على المستوى الاقتصادي.

ويصدر التقرير بشكل دوري منذ عام 2004 عن المنتدى، وتم تصميم معاييره من قبل الباحثين: “زافيير سالا مارتن”، و”إلسا أرتادي”، ويُعد التقرير بمثابة عملية تقييم سنوية للعوامل التي تسهم في دفع العملية الانتاجية، ويستند التقييم الرقمي للتقرير على ثلاث ركائز أساسية، يندرج تحتها اثنا عشر بندا، هي المحاور الأساسية للتقييم. ومن خلال السطور القليلة القادمة نسعى إلى الوقوف على بعض مؤشرات مصر في أحد البنود التقييمية الواردة بالتقرير، وهو بند التعليم العالي والتدريب.

بشكل إجمالي في محور التعليم العالي والتدريب سجلت مصر المركز الـ 111 من أصل 140 دولة مُشاركة بتقييم 2015/2016 ، ويُلاحظ ابتداء أنه نفس المركز الذي حصلت عليه مصر في التقرير السابق في 2014/2015 ، ولكن من أصل 144 دولة كانت مُشاركة في التقرير السابق.

وباستقراء العناصر الخاصة بمؤشرات التعليم بالتقرير نجد ما يلي:

  • حصدت مصر المركز قبل الأخير في مؤشر جودة النظام التعليمي برصيد 2.5 في المركز قبل الأخير 139، بينما في التقرير السابق حصدت مصر المركز 141 من 144 مما يُشير إلى استمرار التردي في جودة المنظومة التعليمية.
  • احتلت مصر المركز قبل الأخير 139 في طرق إدارة المؤسسات التعليمية وجودتها، بينما جاءت في المركز الأخير 144 في التقرير السابق.
  • تقدمت مصر في التقرير الحالي للمركز 131 في جودة تعليم الرياضيات والعلوم، بينما حلت في المركز 136 في التقرير السابق، وإن كان المعيار النسبي هنا يُشير إلى التقدم بمركز واحد فقط إذا ما أُخذ بالاعتبار العدد الإجمالي لدول التقريرين، ففي عام 2015/2016 جاءت مصر متقدمة على 9 دول فقط في هذا البنك، بينما في 2014/2015 جاءت متقدمة على 8 دول فقط.
  • فيما يخص الانضمام للتعليم الثانوي في شريحة “11- 18 عام” حصدت مصر على نسبة 80 % مقارنة بـ 81 % بالتقرير السابق، وفي التعليم فوق الثانوي جاءت النسب 77% إلى 80 % في التقرير السابق.

وكمحصلة إجمالية يُلاحظ تذيل مصر دول العالم العربي فقد حلت مصر في المركز قبل الأخير عربيا، بعد كل من قطر والإمارات والبحرين والسعودية والكويت، ودول المغرب العربي، باستثناء موريتانيا، التي جاءت بالمرتبة الأخيرة في مؤشرات التعليم في المركز 140، وبالحديث عن تلك المؤشرات  فمن المُلاحظ عدم وجود أية علامات  تفوق في المعايير الفرعية لمؤشر كفاءة التعليم العالي والتدريب.

وعلى صعيد مماثل، فقد حصلت مصر في مؤشر كفاءة مؤسسات البحث العلمي على المركز 128 من أصل 140 دولة، وجاءت عربيا في المركز قبل الأخير بعد قطر والإمارات والسعودية ولبنان والمغرب والكويت وتونس والجزائر وسلطنة عُمان.

 

(2)

وفي نفس السياق ـ وعلى صعيد آخر ـ احتلت مصر الترتيب الـ 129 من بين 148 دولة في التقرير العالمي لحقوق الملكية الفكرية “الويبو” الصادر بالتعاون مع الأمم المتحدة، وذلك في مجال البحث العلمي، أخذا في الاعتبار أن اسرائيل جاءت بالمركز الأول. كما تراجع أيضا المؤشر المصري بالتقرير سالف الذكر للمركز 100 في مؤشرات الابتكار متخلفةً بمركز عن الوضع في نفس التقرير العام السابق.

وتعد أزمة العلم والتعليم في مصر أحد القضايا الشائكة، والتي دائما ما يغفل عنها، على الرغم من خطورة وعُمق تلك القضية؛ لما لها من انعكاسات مباشرة، وعميقة الأثر في قضايا الأمن القومي، وضعف الانتماء السياسي.

فضلا عما يصاحبها من تفش وارتفاع في ظاهرة هجرة العقول ” Brain Drain”K والتي عرفها الباحث أشرف العربي: “الهجرة الدائمة للكفاءات أو الفئات الأكثر تعليما وتأهيلا من خريجي التعليم العالي، فما فوقه إلى خارج أوطانها؛ بحثا عن فرص أوسع في مجال تخصصاتها أو عن بيئة مجتمعية جاذبة، ومستوى معيشة أفضل لها ولأسرها”.

وفي هذا الشأن أكدت آخر إحصائية لاتحاد المصريين المقيمين بالخارج أن عدد مصر يأتي في المركز الأول في هجرة العقول، حيث يوجد 850 ألف خبير وعالم في العلوم التطبيقية بالخارج من بينهم 10 علماء من أهم  909 عالم في العالم وفقا لمؤشر scopus، هذا فضلا عن عدد من الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، الأمر الذي يُعد كارثيا بكافة المعايير: إذ باتت مصر تعتبر بيئة طاردة لأبنائها من الباحثين.

ومما هو جدير بالذكر، أنه في إطار سلسلة الأزمات التي تواجه المجتمع المصري والحكومات المتعاقبة منذ ثورة 25 يناير2011، فإنه لم يتم إيلاء تلك الأزمة الاهتمام الكافي، على الرغم من تأكيد الأدبيات السابقة والدراسات العلمية على عمق تلك الظاهرة، ومدى تأثيرها السلبي على الأمن القومي المصري، فعلى سبيل المثال: تناولت دراسة البنك الإسلامي للتنمية العلاقة بين هجرة العقول وبعض مؤشرات التنمية للدول الأعضاء، وتوصلت إلى وجود تأثير سلبي لهجرة العقول على معدلات الفقر والتنمية.

وفي هذا الصدد صرحت مديرة منظمة اليونسكو “ايرينا بوكوفا”: “أن البحوث باتت تمثل عاملاً مسرّعاً للتنمية الاقتصادية، وأداة بالغة الأهمية في بناء مجتمعات أكثر استدامةً، وأكثر احتراماً لكوكب الأرض، في آن واحد”، ولا يخفى الاهتمام الدولي البالغ بقضايا البحث العلمي والتطوير: إذ تشير الإحصائيات إلى تنامي الإنفاق العالمي على البحث والتطوير من 1132 مليار دولار في 2007 إلى 1478 مليار دولار في 2013. وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في الإنفاق على التطوير والبحث 28 % ثم الصين 20 % ثم دول الاتحاد الاوروبي 19% ثم اليابان 10%.

وقد أشار البيان الصادر من اليونسكو في نوفمبر 2015 إلى تنامي وتيرة الإنفاق على البحث العلمي والتطوير لدى العديد من الدول الإفريقية، مثل: كينيا وأثيوبيا وغانا وملاويو وموزمبيق وأوغندا، بينما في مصر ما تزال ميزانية البحث العلمي لم تتعد 1 % من الناتج المحلي.

 

(3)

إن التسارع العلمي الذي يشهده العالم أجمع اليوم لم يكن ظاهرة غريبة أو مستحدثة على مجريات الأحداث، ففي عام 1982 وضع عالم المستقبليات والمخترع الامريكي “ريتشارد بوكمينستر فولر Richard Buckminster Fuller” كتابه: “المسار الحرج The Critical path”، والذي أشار لأول مرة إلى ما يُعرف باسم: “منحنى تضاعف المعرفة Knowledge Doubling Curve” الذي سلط الضوء على ظاهرة التراكم العلمي والإنساني الآخذ في النمو والتضاعف.

فقد عمد “فولر” إلى دراسة معدل زيادة المعارف الإنسانية في كافة المجالات العلمية والثقافية عبر الحضارات الإنسانية، واستخلص مجموعة من النتائج شكلت حجر الزاوية في صياغة فلسفة المفهوم الوليد كالتالي:

استخلص فولر أن المعرفة الإنسانية تضاعفت مرة واحدة في الفترة من عام 1 ميلاديا حتى 1500، فلو افترضنا أن حجم المعرفة الإنسانية هو 1 فإنه في عام 1500م أصبحت 2، وبمزيد من الملاحظة اكتشف “فولر” أن التضاعف التالي من 2 لـ 4 لم يستغرق سوى 250 عام أي في 1750م، وبحلول عام 1900 أي بعد 150 عام فقط تضاعفت المرعفة الانسانية من 4 إلى 8، ومن هنا جاء بات العالم يرقب باستمرار تضاعف المعارف الإنسانية، الأمر الذي حدا بالبعض للقول بأن معدل التضاعف حاليا يتراوح بين عام إلى عامين.

وبشكل عام فإنه كمحصلة نهائية للتسارع العلمي والثقافي الحالي فقد تلاحظ ارتفاع عدد الباحثين على مستوى العالم بشكل لم يحدث في تاريخ أي حضارة إنسانية من قبل ليصل إلى 7.8 مليون باحث اليوم، فيما احتلت دول الاتحاد الاوروبي المركز الأول في عدد الباحثين تليها الصين ثم الولايات المتحدة.

كذلك بات الإصدار العلمي والثقافي في تنام مذهل فقد ارتفعت المنشورات العلمية والبحثية لتصل إلى 1.27 مليون دورية في 2014.

كل تلك المؤشرات تعطي انطباعا بأنه حال استمرار تلك الفجوة الآخذة في الاتساع دون اللحاق بها بخطى جدية قد يؤدي إلى النبوءة التي صاغها الدكتور مصطفى محمود سابقا بأن الفجوة بين الدول الكُبرى التي ستأخذ على عاتقها الاهتمام بالعلم والتعليم وبين الدول الأخرى التي ستبقى في غياهب الأمية والجهل والحروب الأهلية ستتسع الفجوة بينهما لتصبح مثل الفارق بين الانسان والقرود. ولعل أنسب ما يمكن الختام به ما قاله خبير التعليم الكوري “فيكتور شيا” بأنه “لا توجد دولة تتحمل إنتاج جيل كامل دون تعليم جيد، فهذا الجيل سيدمر الدولة داخليا لتتفتت وتفقد وجودها. الشرق الأوسط أهمل التعليم والآن يدفع الثمن”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعليم, مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد